العنوان مجموعة من جهابذة اللغة والعلوم يؤكدون في ندوة »المجتمع« على أن التعريب قضية اللغة والحضارة
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994
مشاهدات 90
نشر في العدد 1108
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 19-يوليو-1994
* د عبد الصبور شاهين: لغتنا قائمة وخالدة بكل خصائصها، ولا خوف عليها من «المعرَّب» و«الدخيل»، ومعجم «وبستر» أحصى 6٠٠ ألف كلمة عربية تستعمل في اللغة الإنجليزية
* د محمد نايل: إن أخطر ما نشكو منه الآن هو شعور القائمين على تدريس العلوم بالجامعات بالعجز والقصور، وعدم القدرة على تدريس هذه العلوم باللغة العربية. ولكن لابد من الشجاعة والتوثب الحضاري.
* د. محمد عيد: التنازل عن لغتنا في میدان «العلم، جزء من البلاء العام الذي ابتليت به أمتنا، فتنازلت عن كثير من مقوماتها الأساسية«.
* د. كمال بشر هناك فرق بين «الترجمة» وبين تعريب الفكر.. وليس العيب في لغتنا إنما العيب في أهليها.
* د. کارم غنيم: لابد من توسيع رقعة التعريب، واهتمام الجامعات بالعلوم المعربة، وربطها ببنوك المصطلحات العالمية.
* د. سيد دسوقي: الترابط وثيق بين «اللغة» وبين «الدرجة الحضارية».
إن نقل الكلمات من لغة إلى أخرى أمر عادي كثير الحدوث يترتب على الاتصال الاجتماعي بين الأمم والشعوب بما لها من ثقافات وعلوم من الظواهر اللغوية المعروفة.
لكن الأمر الآن قد أصبح أخطر من هذا بكثير.. حيث دارت على أمتنا سنوات عجاف، تأخر فيها ركبها الحضاري فأصبحت تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تنتج، وتستهلك ما لا تصنع.. واللغة، كما تعلم بنت الحضارة، وبالتالي فقد أصبحنا نستورد المنتوجات والمسميات، معا. وأصبح الخطر على اللسان، لا يقل عن الخطر على «الأبدان والأوطان« وزادت السهام المُصوَّبة إلى لغتنا.. من متهم لها بأنها لغة و«دين وآدب« وليست لغة علم، ومن قائل.. إن لها دورا حضاريا قد أدته قديما.. والآن عليها السلام علوم العصر الزاحفة بلا توقف.. والمتطورة بل إمهال.. لا تدع لنا فرصة للتلكؤ الحضاري.. الأمر الذي يطرح نفسه بشدة.. ما الحل ..؟؟.. هل تخاصم لغتنا.. هل نستشيرها ونستثيرها لتستوعب هذا الجديد.. هل لدينا هذا القدرة على الاحتواء والاستضافة تمهيدا لوقت نملك فيه زمام المبادرة هذا ما تطرحه المجتمع، عبر هذه الندوة.
نبدأ جولتنا مع الدكتور. عبد الصبور شاهين؛ الأستاذ بدار العلوم بجامعة القاهرة وهو أحد الأصوات الهامَّة في هذا الموضوع وكتابه الرائد «العربية لغة العلوم والتقنية«، من الكتب الهامة التي أحاطت بهذا الموضوع إحاطة جيدة.
المجتمع: في رأيكم.. ما مدى انعكاس التعريب وأهميته على مجالات التفكير العلمي بشكل خاص؟
د شاهين: أولا: إنه لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض أو يتحضر إلا من خلال لغته ومن ثم
فلن ينهض العرب إلا بواسطة لغتهم العربية.
ثانيا: إن معرفة أكثر المشتغلين بالعلوم للغة الإنجليزية، لا ترقى مطلقا إلى مستوى معرفة أهلها أنفسهم، فهم يستخدمونها ويهملون لغتهم التي يمكن أن يحققوا بها أداء أفضل.. فيزدادون ضعفا على ضعف.
ثالثا: من الواقع التطبيقي، فإن مستوى استيعاب الطلاب في الكليات العملية لما يتلقونه بالإنجليزية ضعيف، أضعف قطعا مما لو تلقوا موادهم بالعربية على أيدي أساتذة يحسنونها... رابعا: وهذا هو الأهم، فإن اللغة هي أداة الفكر ووعاؤه، وأي مفكر إنما يفكر ويتكلم طبقا لهندسة اللغة التي يفكر بها، فإذا فكر العربي طبقا للهندسة اللغوية العربية، فإنه يكون أكثر تمكنا واستيعابا لحقائق الكون منه إلى استخدام لغة أخرى.
اللغة العلمية
المجتمع: لغتنا وهي لغة «ولود» «ودود»... ألا تتعرض لخطر ما، من هذه «الخلخلة» التي تتعرض لها من كثرة الكلمات الأجنبية الدخيلة والمعربة؟
د. شاهين: لغتنا الردود الولود هذه أفاضت على غيرها من اللغات بما لا يحصى من الكلمات، حتى أن معجم ریستر Webster الإنجليزي قد أحصى أكثر من ٦٠٠٠ ألف كلمة مأخوذة من العربية، منها ٥٠٠ كلمة فقط من الألفاظ المستعملة في الكتابة والأحاديث العادية والباقي في الشؤون الفنية والعلمية، ثم إنه لا خطورة مما ذكرت، فاللغة قائمة بحروفها ومعانيها وأفعالها ونحوها وصرفها وكل خصائصها التي تمتاز بها، لا ببضع مفردات غريبة عنها قد التجأت إليها، وكستها بكساتها، فأصبحت منها وعليها.
وتنتقل المجتمع، إلى واحد من أشد المتحمسين لموضوع التعريب، وهو د. محمد نايل أحمد
عضو مجمع اللغة العربية المصري والعميد الأسبق لكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر.. لتسأله.
المجتمع: هل التعريب من وجهة نظركم هو قضية اللغة، أم قضية المعربين، أم قضية الحضارة بكل أدواتها وأطوارها؟
د نايل: التعريب هو كل هذا لكنه في المقام الأول قضية اللغة منذ عصر محمد علي باشا وإلى اليوم.
وقد استطاع محمد علي عن طريق من أوفدهم في بعثاته إلى أوروبا أن يعرب كثيرا من العلوم في الطب والهندسة والكيمياء.. وهو بين أيدينا في مؤلفات كثيرة.
ولم يتوقفوا عن التعريب أو يعجزوا.. لأنهم كانوا في مستوى من الثقافة والشجاعة والتوثب
الحضاري معا.. حتى إذا جاءت الثورة العربية والاحتلال الإنجليزي والفرنسي.. بدأ المشتغلون باللغة العربية والمهتمون بقضايا التعريب.. بدءوا يشعرون بالقصور والعجز واتهام اللغة العربية -قصورا منهم لا من اللغة- بأنها غير قادرة على استيعاب ما جدَّ من العلوم والمصطلحات.. حتى لقد سمعت في جلسة قريبة بمجمع اللغة العربية.. من يزعم أنه لا طاقة لنا بترجمة الطب والعلوم إلى اللغة العربية، وكانت غضبة من كثير من الأعضاء أن نسمع إلى هذا الاعتذار العجيب.. وصحنا جميعا.. كيف؟!! وقد عرب الطب في سوريا من عام ١٩١٩.
المجتمع: على سبيل المثال.. وقد عشتم في مجال التدريس بجامعة الأزهر زمنًا طويلا مــا العــيــوب.. والمشاكل التي خرجتم بها من الواقع العملي لتطبيق ما ننادي به في هذا المجال؟
د نايل: إن أخطر ما نشكو منه الآن، هو شعور القائمين على علوم اللغة والقائمين على تدريس العلوم بالجامعات بالعجز والقصور وعدم القدرة على تدريس هذه العلوم باللغة العربية... وبالنسبة لجامعة الأزهر فهي ليست جهة خاصة بالتعريب.. لأن لها مهمتين أساسيتين هما:
المحافظة على اللغة والمحافظة على الإسلام ولكني أرفع معك هذه الأمنية الغالية العالية.. ليت مجمع البحوث الإسلامية ينشئ لجنة للتعريب بما له من إمكانات واتصالات.. ولكن في كل ما نقول وتنادي ونطبق... دعني أقول لك: لو أردنا لفعلنا .. وإن سرعة التقدم والاختراعات الحديثة لا تدع لنا فرصة ولن تدع لنا هذه الفرصة للتلكؤ والبط... بل يجب بكل الأساليب والوسائل سد هذه الفجوة الحضارية المخيفة حتى لا نظلم ديننا ولغتنا وأنفسنا .. وبالنسبة لجامعة الأزهر .. فإنها صورة أشد كسلا وتثاؤبا من غيرها من الجامعات.
مسالة لغوية ومشكلة فكرية
أما الدكتور محمد عيد رئيس قسم النحو والصرف بكلية دار العلوم جامعة القاهرة فقد سألناه عن رأيه في قضية التعريب.. خاصة وأنه من المعتنين جدا بدراسة المظاهر الطارئة على الفصحى وله العديد من الدراسات اللغوية حول اللغة وأصول النحو العربي واللهجات، إلى جانب دراستيه الشهيرتين في «النحو المصفى» و«نحو الألفية».
المجتمع: من خلال دراساتكم وممارستكم الطويلة لقضايا اللغة والنحو والصرف.. كيف تنظرون إلى قضية التعريب
د عيد: ينبغي ابتداء معرفة أن قضية تعريب العلوم ليست مسألة لغوية فقط بل هي في المقام الأول «مشكلة فكرية»، فالعلوم التي يصر القائمون عليها، على بقاء تدريسها باللغات الأجنبية هي الطب والهندسة والعقاقير والكيمياء والطبيعة.. وينبع هذا الإصرار من الدعوى بأن تدريس هذه المواد باللغة العربية سيؤدي إلى التخلف عن مسايرة التقدم العلمي العالمي فيها.. وهذا كلام صحيح من وجهة نظرهم.. إذ يعبرون به عن واقعهم الذي درجوا عليه.. لأن المنبع الذي يستقون منه غير عربي فهم تابعون لغيرهم من الأجانب فيما يقدمه هؤلاء من نظريات واكتشافات فكروا فيها بعقولهم وكتبوها بلغاتهم، فإذا أراد علماؤنا اكتساب شيء من ذلك يترتب على ذلك أن يتابعوا أصحاب الحقوق الأصلية في كل شيء.. في التفكير واللغة والفهم والتعبير.. والغريب أن الأجانب الذين يتابعهم العرب، مختلفون في لغاتهم، وكل منهم يؤلف بلغته، ويعتز بها الألماني يؤلف بالألمانية والإنجليزي بالإنجليزية وهكذا.. ولم يمنع ذلك أيا منهم من مسايرة الحضارة والإسهام فيها بجهود تذكر باسمهم وتنسب إلى بلادهم فإذا ما انتقلت القضية إلى العرب، وجدنا من يصر على التدريس والتأليف بإحدى اللغات الأجنبية، حيث استقوا تعليمهم غالبا من الناطقين بإحدى اللغات الأجنبية وبقيت مساهمة العرب ضئيلة بجوار هؤلاء. فلم يستطيعوا التخلص من قبضة الأجانب والسير بجوارهم في الدرس والبحث والتأليف.
المجتمع: وما هو حل هذه المعضلة من وجهة نظركم؟
د عيد: إن حل القضية يبدأ من علمائنا أنفسهم بأن يمتلكوا إرادتهم، ويستعيدوا الثقة بأنفسهم ويبذلون جهودا مستقلة للوصول إلى آراء وأفكار ونظريات خاصة بهم نابعة من متطلبات حياتهم، وما يواجهونه من مشكلات بيئاتهم والمشروعات الخاصة بهم بكل ما يتعلق بها من أشخاص وأدوات.. ولابد أيضا أن تكون لنا مساهماتنا العلمية بلغتنا، ولنتبادل مع غيرنا ما يساهمون به أيضا بلغاتهم، فالفكر شركة بين الناس من مختلف الأجناس، أما اللغات فإنها تحدد شخصية الأمم كما تحدد شخصية الأفراد والتنازل عن لغتنا في العلم جزء من البلاء العام الذي ابتليت به الأمة العربية فتنازلت عن كثير من مقوماتها الأساسية.
أما فيما يخص المصطلحات، فإن علينا أولا أن نبحث عن اللفظ العربي في حروفه وصيفته قبل أن نستعير غيره من اللغات، فما في متناول أيدينا مما أقره عرف الاستعمال العربي القديم أقرب إلينا مما نبذل جهدا يسيرا أو كثيرا لصياغته واشتقاقه، وكلاهما أولى بالقبول من الأجنبي الدخيل، فلنفتش أولا في تراثنا القديم عن جهود العلماء ذوى الاختصاص فيما استخدموه من المصطلحات العلمية، وما استعملوه من كلمات صالحة للاستخدام في العلوم، ثم نلجأ إلى وسائل الصياغة التي أقرها أيضا ذوو الاختصاص من علماء اللغة قديما وحديثا للحصول على ما يعوزنا من مصطلحات جديدة.
فإذا لم يسعفنا هذا ولا ذاك كان التعريب. بشروطه- آخر الحصون التي تلجئنا إليها الضرورة ولا خوف في رأيي من المصطلحات الأجنبية في لغتنا ولو بلغت المئات أو الآلاف.
بين الترجمة والتعريب
أما د. كمال بشر- عضو المجمع اللغوي المصري، وأستاذ علم أصول اللغة بكلية دار العلوم وعضو العديد من المجامع اللغوية العربية والخبير في اللغتين العربية والإنجليزية، حيث إن رسالته في للماجستير والدكتوراه قد حصل عليهما من جامعة لندن- فيرى أن الفرق كبير بين الترجمة والتعريب ويحدد معاني التعريب بدقة ووضوح فيقول: يوظف مصطلح: التعريب في الثقافة العربية الآن في أربعة معان، أولها: تصوير النص أو تحويله إلى ما يوافق الثقافة العربية وتقاليدها، كما يجري في المسرحيات العالمية أو النصوص الثقافية ذات الامتياز الخاص، وهذا درج عليه العرب في أحيان كثيرة في صورة مسرحيات أو أفلام سينمائية، ثانيها: يطلق بعضهم مصطلح «التعريب» على «الترجمة»، وهذا غير دقيق.. لأن الترجمة معناها نقل المضمون أو المعنى من لغة إلى لغة أخرى، فالترجمة شيء، والتعريب شيء آخر، ثالثها: يطلق التعريب وهو أشهرها وأكثرها استعمالا وتوظيفا، على إخضاع الصيغ أو الكلمات أو المصطلحات المعينة للنظم الصوتية والصرفية العربية، كما يجري عليه العمل في أعمال المجامع اللغوية، إذ يستحيل عليهم أحيانًا ترجمة المصطلح، كما أنهم لا يرغبون في نقله بلفظه فيعمدون إلى هذه الوسيلة الوسطى. رابعها: في السنوات الأخيرة امتلأت السوق العربية بأصوات تنادي بتعريب العلوم، ويقصدون بذلك صوابا أم خطا، تعلم العلوم البحتة كالطب والهندسة وما إلى ذلك، باللغة العربية، وهذا في رأينا فهم قاصر لأن التعريب بقصره على تقديم المواد للطلاب باللغة العربية العربية هو تعريب لغوي وليس تعريبا علميا.. ذلك أنهم هنا اكتفوا بنقل الأفكار والمعلومات باللغة العربية.. وهذا النقل قد يكون خطأ، وقد يكون اقتباسا وقد يكون ترجمة.. وهذا ليس تعريبا بالمعنى الذي يظنون أنهم يهدفون إليه.. هذا ليس تعريبا علميا.. إنه ما زال نقلا ولكن في صورة عربية، أما التعريب في رأينا، فهو تعريب فكر وذلك يحتاج إلى وقت طويل، ويحتاج إلى أموال كثيرة، وإلى إعداد الرجال لتحمل المسؤولية.
والتعريب بالمعنى الذي نراه يقتضي أن تفكر عربيا في هذا العلم أو ذاك.. وأن نستثير ما كتب عن هذا العلم أو ذاك باللغات الأخرى. وأن نستوعب ذلك المقروء ونهضمه ثم نخرجه بعد ذلك عربيا فكرا ولغة.
النقل بالعربية.. والتفكير عربيا
المجتمع: ما السبيل إلى هذا التفكير العربي في العلوم الأخرى بما يرادف التعريب عندكم.. خاصة وقد أصبح ضرورة حضارية لتجاوز هذه الكبوة العلمية التي نحياها؟
د. بشر: سبيل شاق مملوء بالأشواك، ذلك أن كثرة من العلماء يستسهلون الأمر، ويكتفون بالنقل بالعربية دون الالتجاء إلى السبيل التي ذكرنا، إذ هي تحتاج إلى عمق ومعرفة كافية باللغات التي يستشيرونها وباللغة العربية أيضاء فإذا ما استقر الأمر عند هذا الهدف أمكن لهذا العالم أو ذاك أن يفكر بالعربية وأن يكتب بالعربية، وأن يقدم مادته بالعربية.. وهذه ليس الأمر مقصورا فيها على تقديمها وكتابتها بالعربية.. إنما هي محشوة بالفكر العربي قبل اللغة العربية...
إذا كان هذا هو التعريب في رأينا.. فأكرم به.. بل قل إن التعريب بهذا المعنى مطلب حضاري إسلامي عربي.. لأنه يحفز العلماء إلى التفكير عربيا.. ولأنه في الوقت نفسه يحفظ للغة العربية كيانها، ويجدد نشاطها بإفساح الطريق لها حتى تنفذ إلى العلوم وأسرارها، وكثيرا ما يجنح بعضهم ويحتج قائلا: بأن العربية غير قادرة على التعبير عن العلوم..!!! وهذا خطأ.. العجز ليس في العربية وإنما العجز في أهليها.. فهم لا يحركونها ولا يحاولون توليد بناتها من أحشائها.. وهي ولود تعطي من يشاء الإنتاج والثروة الواسعة الطائلة، متى وجدت من يقدم لها عوامل الغضب والتنمية والإثراء، وذلك يكون بإعطائها الفرصة لأن تدخل وتنفد إلى مجالات العلم يفكر عربي وهذا يحتاج إلى وقت طويل بتخطيط واع مدرك لصعوبة المشكلة، ويحتاج إلى عمل جماعي لوضع هذا التخطيط ولا ينبغي أن يترك الأمر للأفراد كل يفعل ما يشاء بطريقته الخاصة، ولهذا أقول إن الإقدام على التعريب بالمعنى الذي ذكرت الآن.. فيه شيء من الخطورة، ينبغي أن يؤخذ الأمر بدقة وعناية، حتى نصل إلى بنية فكرية موحدة، تعمل على تطبيق هذا الذي نقول.
اللغة والصراع الحضاري
ويرى الدكتور كارم غنيم- الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر- أن اللغات تتفاعل مع بعضها البعض.. تماما كما تتفاعل الكائنات الحية تأثيرا وتأثرا، حتى أن هناك صراعا يدور بين اللغات من أجل البقاء كما يدور الصراع بين الكائنات أيضا، ويظل هذا الصراع في مراحله المختلفة لتكون النتيجة أما غلبة وإما انهزاما، وإما تمازجًا وافتراضا بين اللغتين.
ومن المعروف تماما.. مقدرة اللغة العربية على استيعاب مصطلحات التقنية المعاصرة والتجارب المشرقية في مصر وبغداد وعمان ودمشق، والمغربية في بلاد المغرب العربي تؤكد نجاح التجارب والجهود إلى حد كبير.. ولكننا في هذه الندوة نطرح بعدا جديدا هاما لهذه القضية.
المجتمع: من المشكلات التي ترجع إلى اللغة العربية ذاتها.. ثراؤها بالمترادفات وهذا وإن كان مفيدا لرجال الأدب والشعر.. إلا أنه يعتبر عقبة ومشكلة تبرز على الساحة العلمية.. ما رأيكم؟
د. کارم غنيم: فعلا.. قد تكون هذه مشكلة على الساحة العلمية وفي المجال التقني، فنجد الجزائري يترجم جملة من الفرنسية غير التي يترجمها السوري مثلا، وهكذا في الإنجليزية وفي غيرها، وما ذلك إلا لأن أحدهم يعتمد مرادفا لغويا، والآخر يفضل استخدام مرادف آخر. فمثلا هناك «فجوة»، و «فسحة» و«فرجة» وكل منها صحيحة لترجمة"Gap" .. كذلك مشكلة أخرى خاصة بلغة المصدر اللغة وهي الأجنبية.. مثل الازدواجية، حيث تجد الكتاب المؤلف بالإنجليزية إن كان مؤلفة إنجليزيا، أي بريطاني الأصل فيه ألفاظ معينة للتعبير عن معنى معين، وهذا بخلاف الأمريكي الذي يكتب نفس الأشياء بالإنجليزية. فمثلا الفيزيائيون الأمريكيون يستخدمون كلمة Electronic)Tube بينما البريطانيون يستخدمون كلمة(Electronic Valve)، فالعربي يترجم الأولى «أنبوب إلكتروني»، ويترجم الثانية «صمام الكتروني»، ولكن هذا الثراء اللفظي في لغتنا العربية: يجب أن يكون أداة تسهيل لا تعطيل في يد المعرب والمترجم، حيث تساعده هذه الثروة اللغوية على استيعاب موضوعاته التي يريد تعريبها بدقة واحتواء كامل.. فقط عليه أن يكون خبيرا بدقائق وأسرار اللغتين التي ينقل منها وإليها.. وقد أقر المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي عددا من المبادئ عام ١٩٨١ منها في حالة المترادفات أو القريبة من الترادف تفضل اللفظة التي يوحي جذرها بالمفهوم الأصلي بصفة أوضح، وعند وجود ألفاظ مترادفة متقاربة في مدلولها، ينبغي تحديد الدلالة العلمية الدقيقة لكل منها، وانتقاء اللفظ العلمي الذي يقابلها، ويحسن أن تجمع مصطلحات هذا النوع كلها وتعالج كمجموعة واحدة عند كل مصطلح. المجتمع من أجل تلاقح الآراء وتبادل الخبرات خاصة في المجال العلمي التطبيقي.. ومن واقع ممارساتكم العلمية. كيف نضمن للتعريب. خاصة المصطلحي- حياته وديمومته؟ د. كارم غنيم: يجب أولا وقبل كل شيء وضع إستراتيجية علمية ذات برامج وخطط واضحة تتسم بالشمول، وأن تتبع هذه الخطة بالتنفيذ النشط المصحوب بنشر الوعي المصطلحي والاستفادة التامة من لجان التعريب الجامعية وتنشيطها وحفزها ماديا ومعنويا فمثلا.. لقد أعددت معجما ضخما وحدي دون أن يقول لي أحد أين أنت؟! كما يجب وبشدة... اهتمام الجامعات العربية بالعلوم المعربة وإقرارها على الطلاب، وتدريس مادة النظرية العامة لعلم المصطلح، لا للطلاب المتخصصين في علم اللغة فحسب، بل لجميع طلاب العلوم والتكنولوجيا كذلك. ثم هناك نقطة هامة جدا، وهي ربط الجامعات ببنوك المصطلحات الموجودة حاليا في العالم، إلى حين وجود بنك عربي مركزي للمصطلحات يتم الاتفاق عليه، ثم بعد ذلك توسيع الرقعة الجغرافية للتعريب بمحاولة توحيد تدريس بعض المواد على مستوى الوطن العربي وهذا في متناول اليد إذا صدقت النوايا وصحت العزائم وأنا مع الرأي السابق لأستاذنا الدكتور كمال بشره في كل آرائه حول قضايا التعريب المختلفة، وقد أشرت إلى ذلك في كتابي «اللغة العربية والصحوة العلمية الحديثة»، الذي فصَّلت فيه الكلام عن قضية التعريب تماما.
الأحوال الحضارية
وحول مشكلة الترادف سألت المجتمع الأستاذ الدكتور سيد دسوقي- رئيس قسم هندسة الطيران بهندسة القاهرة عن رأيه فيها خاصة وأنه من المعنيين بقضايا التعريب والفكر الإسلامي بشدة. فقال: أذكر أنني قرأت بحثا عن القرآن كتاب العربية الأكبر للدكتورة بنت الشاطئ أثبتت فيه رفض فكرة الترادف اللفظي في اللغة رفضا قاطعا ثم طلبت الاحتكام للقرآن لحسم هذه القضية.. وأنا معها تماما في هذا الذي ذهبت إليه.. فالألفاظ الشائعة بيننا کمترادفات ليست كذلك لأن كل لفظ له مساحة ودرجة تعبيرية لا يطغى فيه على مساحة أو درجة لفظ آخر.. والقرآن الكريم يحدد بدقة دوال الألفاظ ويخفف من ضوضاء، الألفاظ واختلاطها.
المجتمع: نعلم انكم من المعنيين بقضايا التعريب ولكم العديد من الدراسات في هذا المجال،
ولأجل مناقشة مثمرة لهذه القضية، نحب أن نتعرف على خطورة الربط الواضح بين اللغة والمستوى الحضاري للامة؟
د. سید دسوقي: أنت بهذا تغنيني عن الكلام، فاللغة وسيلة من وسائل التعبير عن الأحوال الحضارية السائدة لأمة من الأمم، ولهذا فعندما انحطت الحضارة الإسلامية، انحطت لغتها تبعا لذلك.. وأضرب لك مثالا حيًّا من التاريخ.. انحطت حضارتنا في مرحلة ما أيام المماليك.. فانحطت اللغة بنفس الدرجة بل وأكثر.
وإن شئت فاقرأ لمؤرخ كبير «كابن إياس» لتحكم على مستوى لغته وفكره، ومدى ركاكتها، وكذلك فعل «الجبرتي».
هذا على الرغم من أن تراثنا العظيم كان ملء المكتبات.. إذن نحن متفقون على الترابط الوثيق بين سمو اللغة وبين الدرجة الحضارية للأمة.. ومن هنا فنحن إزاء قضية التعريب ومع التسليم التام بكل طاقات لغتنا الهائلة من استيعاب واشتقاق ونحت وإضافات تحويلية.. يجب ألا نتردد في النقل الصوتي لكثير من الألفاظ فأنا مثلا لا أجد حرجا في استخدام لفظ ترمومتر، بدلا من محرارة أو جهاز قياس درجة الحرارة، وأنا في هذا غير مبتدع ذلك حيث نقرأ في التراث أن فلكيا عربيا اسمه البديع الإسطرلابي، وهو أبو القاسم هبه الله بن الحسين بن يوسف الإسطرلابي، المعروف بالبديع قد اشتهر بصناعة الآلات الفلكية وصناعة الإسطرلاب، وهي كلمة يونانية و إستر، هو النجم، وعلم النجوم هو الأسطر نوميا، ومنها اشتقت الكلمة الإنجليزية Astronomy ولدينا في علم الهياكل، مثلا كلمة Greep تعني مجموعة من المعاني الواضحة إحداها زحف العناصر المجهدة بقوى صامدة في درجات حرارة عالية، يمكننا إذا تسميتها التمدد الحراري، وهي كلمة لا يفقهها «شكسبير» ولا «سيبويه»، ولا تغضبهما. وبعيدا عن الانهزامية تماما.. لقد أتتنا الحضارة الغربية وفرضت علينا أنماطا جديدة من القياسات والمعايير، لم نكن نعلمها من قبل ولم يكن يعرفها أجدادنا.. والتعامل معها لابد أن يتم من خلال محورين أساسيين هما: اكتشاف لغتنا، والنقل الصوتي.. وأعتقد أنه لا تثريب علينا في ذلك. ولقد أحسن مكتب التربية العربي لدول الخليج، حيث كلفنا مع مجموعة من خيرة المتخصصين في المجالات العلمية المختلفة بإعداد خمس دراسات حول قضايا التعريب والترجمة عام ١٩٨٥ ولا أدري لماذا لم تتم متابعة هذه الجهود أرجو أن يتم ذلك.. وهي فرصة لنطرحها من خلال «المجتمع» المجاهدة.