; السيرة النبوية في ضوء العلم والفلسفة | مجلة المجتمع

العنوان السيرة النبوية في ضوء العلم والفلسفة

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2013

مشاهدات 89

نشر في العدد 2064

نشر في الصفحة 42

السبت 03-أغسطس-2013

مع أن الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة، فإن جماعة الماديين في هذا الزمان كجماعة الماديين في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقري إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس، ويسمون هذا «تقدمية».

وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها، فجعل صفتهم الأولى المميزة: صفة الذين يؤمنون بالغيب.. والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين. 

ومن ثم بدأت تظهر كتابات في السيرة النبوية، يستبعد أصحابها كل ما يدخل في باب المعجزات وهو من المصادر المعلومة عند المسلمين وأخذوا يروجون للرسول ﷺ صفة العبقرية، والعظمة، والبطولة، وما شاكلها. 

وانطلق محمد فريد وجدي ينشر سلسلة مقالاته في مصر تحت عنوان: «السيرة النبوية تحت ضوء العلم والفلسفة»، داعيًا إلى فهم الإسلام، والسيرة النبوية، عن هذا الطريق.. طريق ألا يستسلم العقل للغيبيات ولا للخوارق والمعجزات.

ولقد كان كتاب «حياة محمد» للدكتور هيكل التجربة الرائدة في هذا المضمار، أعلن فيه أنه لا يريد أن يفهم حياة الرسول ﷺ إلا على هذه الطريقة الحديثة، فقال: إنني لم أخذ بما سجلته كتب السيرة، وكتب الحديث، ولم أنهج في التعبير عن مختلف الحوادث نهجها.. وإنني أفعل ذلك، لأنه الوسيلة الصالحة في نظر المعاصرين.. وما كان لي، وذلك شأني، أن أتقيد بنهج الكتب القديمة وأساليبها.. وإن كثرة الكتب القديمة كانت تكتب لغاية دينية تعبدية، على حين يتقيد كتاب العصر الحاضر بالنهج العلمي، والنقد العلمي.. لكنني رأيت من الخير أن انبسط بعض الشيء في بيان الأسباب التي دعت المفكرين من أئمة المسلمين فيما مضى وتدعوهم اليوم، كما تدعو كل باحث مدقق إلى عدم الأخذ جزافًا بكل ما ورد في كتب السيرة، وفي كتب الحديث، وإلى التقيد بقواعد النقد العلمي تقيد العصم من الزلل.

ولسنا في مجال نقد هذا الكتاب، فالمقياس الصحيح للحديث عنده حديث موضوع، وموقفه من حديث شق الصدر معروف، وفي الكتاب أيضًا حديث آخر موضوع، وفيه قوله في الإسراء ووحدة الوجود.

وفي الكتاب إيجابيات في مناقشة المستشرقين بمنطقهم في كثير مما ذهبوا إليه، مثل أسباب خطأ المستشرقين، وفرية الصرع، والطعن في محمد عجز عن الطعن في رسالته، وتهافت حديث الغرانيق، والمسيحية والقتال، وصيحة المستشرقين في مسألة أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، والمستشرقين والحضارة الإسلامية.

وهكذا وجد أصحاب هذه المدرسة في إتباع «المذهب الذاتي» في كتابة التاريخ، الميدان الفسيح الذي يمكنهم من نبذ كل ما لا يعجبهم من حقائق السيرة النبوية- كما يقول د. البوطي مهما جاءت مدعمة بدلائل العلم واليقين، متخذين ميولهم، ورغباتهم الشخصية، وأهدافهم البعيدة، حاكمًا مطلقًا على حقائق التاريخ، وتحليل ما وراءه من العوامل، وحكمًا مطلقًا لقبول ما ينبغي قبوله ورفض ما يجب رفضه.

وآخر المضحكات العجيبة التي جاءت عن هذا الطريق تفسير النبوة في حياة الرسول ﷺ، وإيمان الصحابة رضي الله عنهم، وعموم الفتح الإسلامي، بأن جميعه لم يكن إلا ثورة يسار ضد يمين، أثارتها النوازع الاقتصادية، انتجاعًا للرزق، وطلبًا للتوسع، وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء وأصحاب الإقطاع.

كانت هذه الطريقة في دراسة السيرة النبوية خصوصًا، والتاريخ عمومًا، مكيدة خطيرة غشيت من رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين، وصادقت هوى قبولًا حسنًا عند طائفة أخرى من المنافقين وأصحاب الأهواء.

لقد غاب عن أعين أولئك البسطاء، أن ذلك الهمس الاستعماري الذي يدعو المسلمين إلى ما أسموه بثورة إصلاحية في شؤون العقيدة الإسلامية، إنما استهدف في الحقيقة نسف هذه العقيدة من جذورها.

وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية كما أسلفنا- إنما يعني حشوه بمنجزات ناسفة، تحيله أثرًا بعد عين، ذلك لأن الوحي الإلهي- وهو ينبوع الإسلام ومصدره- يعد قمة الخوارق والحقائق الغيبية كلها، ولا ريب أن الذي يسرع إلى رفض ما جاء في السنة النبوية من خوارق العادات بحجة اختلافها عن مقتضى ستن الطبيعة ومدارك العلم الحديث، يكون أسرع إلى رفض الوحي الإلهي كله بما يتبعه ويتضمنه من أخباره عن النشور والحساب، والجنة أو النار، بالحجة الطبيعية ذاتها.

كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج في عصر ما إلى مصلح بتدارك شأنه، أو إصلاح يغير من جوهره.

غاب عن هؤلاء الناس هذا كله، مع أن إدراكهم له كان من أبسط مقتضيات العلم، لو كانوا يتمتعون بحقيقته، وينسجمون مع منطقيته، ولكن عيونهم غشيت في غمرة انبهارها بالنهضة الأوروبية الحديثة، وما قد حق بها من شعارات العلم وألفاظه، فلم تبصر من حقائق المنطق والعلم إلا عناوينها وشعاراتها، وقد كانوا بأمس الحاجة إلى فهم كامل لما وراء تلك العناوين، وإلى فهم صحيح المضمون تلك الشعارات، فلم يعد يستأثر بتفكيرهم إلا خيال نهضة إصلاحية تطور العقيدة الإسلامية هنا، كما تطورت عقيدة الأوروبيين هناك.

وهكذا، فقد كان عماد هذه المدرسة الحديثة هياجًا في النفس، أكثر من أن يكون حقيقة علمية مدروسة استحوذت على العقل والحقيقة أن الاهتمام بهذه المدرسة في كتابة السيرة النبوية وفهمها، والحماسة التي ظهرت يومًا ما لدى البعض في الأخذ بها... إنما كان منعطفًا تاريخيًا مر.

الرابط المختصر :