العنوان حكاية رمضان في مصر (أخيرة): العصر الحديث
الكاتب أمل دربالة
تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2013
مشاهدات 72
نشر في العدد 2064
نشر في الصفحة 50
السبت 03-أغسطس-2013
- المسحراتي استخدم طبلة تعرف ب«البازة» يمسكها بيده اليسرى وباليمنى يمسك قطعة من الجلد أو خشبة يطبل بها لإيقاظ الناس للسحور.
- الأطفال يرددون وراء المسحراتي أغانيهم الرمضانية الجميلة مثل «وحوي يا وحوي» و«حالو يا حالو» حاملين الفوانيس.
- من مظاهر شهر رمضان «المدفع» الذي ينبه الناس لوقت الإفطار ووقت الإمساك.
- رمضان في مصر ارتبط في أذهاننا بقراءة الشيخ «محمد رفعت» في الإذاعة قبل أذان المغرب.
في العصر الحديث اشتهرت مهنة المسحراتي، وكانت النساء تضع نقودًا معدنية داخل ورقة ملفوفة ويشعلن طرفها، ثم يلقين بها من المشربية إلى المسحراتي؛ حتى يرى موضعها فينشد لهن.
أما ليلة القدر فدليلها في اعتقاد البعض تحول المالح حلوًا؛ حيث كان الأتقياء يجلسون وأمامهم إناء فيه ماء مالح، وبين حين وآخر يتذوقون طعمه؛ ليروا هل أصبح حلوًا أم لا؛ فإذا أصبح الماء حلو المذاق يتأكدون أن هذه ليلة القدرة.
الفانوس:
كان يستخدم في الإضاءة ليلًا للذهاب إلى المساجد وزيارة الأصدقاء والأقارب، وعرفنا فانوس رمضان في الخامس من شهر رمضان عام ٣٥٨هـ، حيث وافق هذا اليوم دخول «المعز لدين الله الفاطمي» القاهرة ليلًا فاستقبله أهلها بالمشاعل والفوانيس، ومن وقتها تحول الفانوس من وظيفته الأصلية في الإضاءة ليلًا إلى وظيفة أخرى ترفيهية، حيث راح الأطفال يطوفون الشوارع والأزقة حاملين الفوانيس ويطالبون بالهدايا من أنواع الحلوى التي ابتدعها أيضًا الفاطميون، كما صاحب هؤلاء الأطفال بفوانيسهم المسحراتي ليلًا لتسحير الناس.
ويستخدم المسحراتي في ذلك طبلة تعرف ب«البازة» إذ يمسكها بيده اليسرى، وبيده اليمنى يمسك سيرًا من الجلد أو خشبة يطيل بها وقت السحور.
و«البازة» عبارة عن طبلة من جنس النقارات ذات وجه واحد من الجلد مثبت بمسامير، وظهرها من النحاس أجوف وبه مكان يمكن أن تعلق منه، وقد يسمونها طبلة المسحر والكبير من هذا الصنف يسمونها طبلة جمال.
وكان الأطفال يرددون وراء المسحراتي أغانيهم الرمضانية الجميلة مثل «وحوي يا وحوي» و«حالو يا حالو» من كلمات هذه الأغاني الشعبية:
وحوي وحوي.. إياحا «كلمة وحوي– إياحا يعني يا فرحتي أقبلي»
وكمان وحوي.. إياحا
بنت السلطان.. إياحا
لابسة قفطان.. إياحا
بالأخضري... إياحا
بالأصفري.. إياحا
يا لموني.. إياحا
يا دوا عيوني.. إياحا
يارب خليلي.. سي عثمان
خاللي نينة.. سي عثمان
لولا سي عثمان لولا جينا.. يا الله الغفار
ولا تعبنا رجلينا.. يا الله الغفار
يحل كيسه ويدينا.. يا الله الغفار
ويدينا ياما يدينا.. يا الله الغفار
يدينا ميتين ريال.. يا الله الغفار.
نروح بيهم على بر الشام.. يا الله الغفار
إلا أن هذه الأغاني لم يعد يغنيها الأطفال في الشارع، فصارت تذاع في الراديو أو التلفاز، كذلك لم يعد الأطفال يسيرون خلف المسحراتي بفوانيسهم بفضل دخول الكهرباء، فاكتفى الناس بتعليق الفوانيس الكبيرة في البلكونات والشوارع مع قصاقيص الورق الملونة.
حتى وظيفة المسحراتي لم يعد لها قيمة تذكر لأن الناس صارت تعتاد السهر حتى الفجر، ورغم ذلك مازال المسحراتي يجوب الشوارع ليلًا ليحصل على عيديته في العيد.
الكنافة والقطايف:
وحيث إننا شعب يحتفل بالأكل في أي مناسبة سواء دينية أو غير دينية، فما بالك بشهر الصيام، فكان لأنواع من الطعام مكانة خاصة، وخاصة الحلويات، فظهرت الكنافة والقطايف.
كانت الكنافة والقطايف ولا تزال من عناصر فولكلور الطعام على مائدة شهر رمضان، وقد بدأت الكنافة طعامًا للخلفاء، إذ تشير الروايات إلى أن أول من قدم له الكنافة هو معاوية بن أبي سفيان زمن ولايته للشام، كطعام للسحور، وأصبحت بعد ذلك من العادات المرتبطة بالطعام في شهر رمضان في العصور الأيوبي والمملوكي والتركي والحديث، باعتبارها طعامًا لكل غني وفقير مما أكسبها طابعها الشعبي.
وطرأت على الكنافة بعض التطورات في العقود القليلة الماضية، لعل من أبرزها استخدام الماكينة الآلية في صنع الكنافة بدلًا من الكوز المثقوب، كما كان من المستحدثات المهمة نظام بيع الكنافة والقطايف جاهزة أي مطهية، حيث تكون الكثافة على شكل صوان أو قطع لدى محلات الحلوى، وكانت من قبل يقومون بصنعها في المنازل.
مدفع الإفطار
ومن المظاهر الأخرى لشهر رمضان في مصر المدفع الذي ينبه الناس لوقت الإفطار ووقت الإمساك، وجاء ظهور المدفع عن طريق الصدفة، فلم تكن هناك نية مبينة لاستخدامه لهذا الغرض على الإطلاق، حيث كان بعض الجنود في عهد الخديو إسماعيل يقومون بتنظيف أحد المدافع، فانطلقت منه قذيفة دوت في سماء المحروسة، وتصادف أن كان ذلك وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان، فظن الناس أن الحكومة اتبعث تقليدًا جديدًا للإعلان عن موعد الإفطار، وساروا يتحدثون بذلك، وقد علمت الحاجة فاطمة ابنة الخديو إسماعيل بما حدث فأعجبتها الفكرة، وأصدرت فرمانًا يفيد باستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية، وبالفعل بدأت الحكومة في تنفيذ هذا الأمر وصار تقليدًا متبعًا إلى الآن، ومنذ ذلك الحين ارتبط المدفع باسم الحاجة فاطمة.
كل هذا من مظاهر الاحتفال برمضان مجرد مظاهر شكلية، تثير جدل البعض حول أهميتها الدينية، لكنها مظاهر كفيلة أنها تجعلك تشعر بشهر رمضان مميزًا عن بقية شهور السنة، ومميزًا عن بقية دول العالم.
صلاة التراويح:
تقام بعد صلاة العشاء، وعدد ركعاتها دون صلاة الوتر ثماني ركعات، وتصلى ركعتين ركعتين، وتصلى عادة جماعة، وقد شهدت صلاة التراويح إقبالًا حافلًا من كل فئات الشعب المصري، حيث تحرص العديد من العائلات رجالًا ونساءً على أداء صلاة التراويح التي تعطي صورة مضيئة لليالي شهر رمضان المبارك بمصر باعتباره شهر القرآن، وتحرص معظم المساجد على ختم القرآن في صلاة التراويح خلال الشهر.
وتضاف في العشر الأواخر من رمضان صلاة التهجد التي تقام قبل الفجر، وتصلى أيضًا في جماعة، وصارت المساجد تمتلئ عن آخرها في هذه الصلاة أيضًا، وتقوم المساجد الكبرى بختم القرآن في هذه العشر الأواخر.
موائد الرحمن:
وقد شهدت موائد الرحمن إقبال الناس عليها خاصة من غير المقتدرين وعابري السبيل، حيث يقوم بعض المقتدرين ماديًا «وأحيانًا بعض المشاهير» بشراء المواد التموينية وتوفير مخزون الطعام، ثم يؤجر عمالة للعمل لإعداد موائد الرحمن ليقوموا بطهي وإعداد المائدة وتوزيع وجبات الإفطار على الناس، وبعض العاملين يعملون تطوعًا.
هذا بالإضافة إلى «الشنط الرمضانية» التي تحتوي على الحاجات الأساسية من المأكولات، وتوزع على الفقراء والمحتاجين.. وقد انتشرت الخيمة الرمضانية التي أصبحت من السمات المميزة لشهر رمضان الكريم، وهي تعد ملتقى العائلات التي تسهر في الجو الرمضاني، وهناك من يهتم بأن يتضمن برنامج الخيمة التواشيح الدينية، وقد اهتمت الأندية الكبرى في القاهرة خاصة بإنشاء الخيم الرمضانية التي تمتد سهراتها حتى السحور، كما كان لمقاهي القاهرة دور بارز في عمل الخيم الرمضانية ذات الطابع الشعبي.
مشروبات رمضانية:
اشتهرت مائدة الإفطار والسحور في مصر بمشروبات ذات مذاق خاص، حيث تعين وتعوض الصائم عن نقص السوائل وتقيه التخمة والحموضة، وتحديدًا إذا كان رمضان في فصل الصيف حيث تزداد حرارة الجو، ويبدأ الإنسان يحس بالعطش نتيجة فقده السوائل، وحيث تجد السقا «الذي يبيع المشروبات» الذي يحمل على كتفه تلك الأكواب الفضية التي يبيع فيها ذلك المشروب البارد والمزركشة بشكل لافت للنظر، منها على سبيل المثال:
العرقسوس والتمر هندي والليمونادة «عصير الليمون المحلى مع الثلج»، ومشروب قمر الدين، وكلها تطفئ الظمأ وتعالج الحموضة.
حلويات رمضانية:
أما الحلويات، فيكثر عملها في هذا الشهر الفضيل بالذات لحاجة الجسم إليها بعد يوم صيام طويل، واحتراق السكر في الجسم لبذل المجهودات أثناء الصيام، ولذلك يعوض الصائمون ما فقدوه في النهار، ومنها ما نأكلها عند الإفطار أو بعد صلاة التراويح، وقد نحتاجها عند وجبة السحور، وتقدم أيضًا للضيوف بعد صلاة العشاء، مثل الكنافة، والقطايف، والبسبوسة والمعجنات الحلوة وغيرها .
الشيخ «محمد رفعت» يرحمه الله.
هناك مقولة شهيرة تقول: «إن القرآن الكريم نزل بمكة وقرئ في مصر» ولا عجب في هذا ، فلم تول دولة ما أولته مصر من عناية بالقرآن الكريم، وإذا سرت في شوارع أي بلد في العالم سيصافح أذنيك صوت الشيخ رفعت، أو عبد الباسط، أو شعيشع، أو المنشاوي، أو الطبلاوي، أو البنا، أو الحصري، أو مصطفى إسماعيل، أو الفشني، أو كامل يوسف البهتيمي وغيرهم من أعلام القراءة في العالم كله، يرحمهم الله وجزاهم الله كل خير.
ورمضان في مصر ارتبط في أذهاننا بقراءة الشيخ رفعت في الإذاعة. قبل أذان المغرب.
وقد ولد الشيخ محمد رفعت واسمه مركب، في حي «المغربلين» بالدرب الأحمر بالقاهرة يوم الإثنين ٩/٥/١٨٨٢م، وكان والده «محمود رفعت» ضابطًا في البوليس، وترقى من درجة جندي أنذاك حتى وصل إلى رتبة ضابط، وحينها انتقل إلى السكن في منزل آخر في «درب الأغوات» بشارع «محمد علي»، وكان ابنه «محمد رفعت» مبصرًا حتى سن سنتين، إلا أنه أصيب بمرض كف فيه بصره، وهناك قصة لذلك، فقد قابلته امرأة، وقالت عن الطفل: «إنه ابن ملوك، عيناه تقولان ذلك» وفي اليوم التالي استيقظ الابن وهو يصرخ من شدة الألم في عينه، ولم يلبث أن فقد بصره.
ووهب «محمود بك» ابنه «محمد رفعت» لخدمة القرآن الكريم، وألحقه بكتاب مسجد فاضل باشا ب«درب الجماميز» فأتم حفظ القرآن وتجويده قبل العاشرة، وأدركت الوفاة والده مأمور قسم الخليفة في تلك الفترة، فوجد الفتى نفسه عائلًا لأسرته، فلجأ إلى القرآن الكريم يعتصم به، ولا يرتزق منه، وأصبح يرتل القرآن الكريم كل يوم خميس في المسجد المواجه لمكتب فاضل باشا، حتى عين في سن الخامسة عشرة قارئًا للسورة يوم الجمعة، فذاع صيته، فكانت ساحة المسجد والطرقات تضيق بالمصلين ليستمعوا إلى الصوت الملائكي، وكانت تحدث حالات من الوجد والإغماء من شدة التأثر بصوته الفريد، وظل يقرأ القرآن ويرتله في هذا المسجد قرابة الثلاثين عامًا؛ وفاءً منه للمسجد الذي بدأ فيه.
ومن مواقفه التي لا تنسى أنه في إحدى السنوات، وقبيل شهر رمضان عرض عليه أحد الأمراء المسلمين في الهند أن يستضيفه ليحيي ليالي الشهر الكريم في قصره مقابل مبلغ مادي يدفعه له ذهبًا وجوهرًا، فلم يقبل الشيخ يرحمه الله قائلًا: إن مصر تفطر على صوتي، وأنا أرفع الآذان، فكيف أتركها؟!
وتحكي حفيدة الشيخ الجليل أنه كان عندما يتواجد المقرئون الفطاحل في مناسبة فيها الشيخ رفعت، كانوا يقدمونه في التلاوة، ويستمعون إليه كتلاميذ أمام أستاذهم، وأعينهم تفيض دمعًا من جمال التلاوة، ثم لا يجرؤ أحدهم على أن يقرأ بعده.
قالوا عن الشيخ رفعت:
الأديب محمد السيد المويلحي في مجلة «الرسالة»: «إنه سيد قراء هذا الزمن، موسيقي بفطرته وطبيعته، يزجي إلى نفوسنا أرفع أنواعها وأقدس وأزهى ألوانها، وإنه بصوته فقط يأسرنا ويسحرنا دون أن يحتاج إلى أوركسترا».
ويقول عنه أنيس منصور: ولا يزال الشيخ رفعت يرحمه الله أجمل الأصوات وأروعها، وسر جمال وجلال صوت الشيخ رفعت أنه فريد في معدته، وأن هذا الصوت قادر على أن يرفعك إلى مستوى الآيات ومعانيها، ثم إنه ليس كمثل أي صوت آخر.
ويصف الموسيقار محمد عبد الوهاب صوت الشيخ محمد رفعت بأنه ملائكي يأتي من السماء لأول مرة.
أما الأستاذ علي خليل شيخ الإذاعيين فيقول عنه: إنه كان هادئ النفس، تحس وأنت جالس معه أن الرجل مستمتع بحياته وكأنه في جنة الخلد، كان كيانًا ملائكيًا، ترى في وجهه الصفاء والنقاء والطمأنينة والإيمان الخالص للخالق، وكأنه ليس من أهل الأرض.
ونعته الإذاعة المصرية عند وفاته إلى المستمعين بقولها: «أيها المسلمون، فقدنا اليوم علمًا من أعلام الإسلام».
أما الإذاعة السورية، فجاء النعي على لسان المفتي حيث قال: «لقد مات المقرئ الذي وهب صوته للإسلام».
رحم الله الشيخ الجليل الذي لا يزال يعيش بيننا بخشوع تلاوته وروعة قراءته لآيات القرآن الكريم.