; ملوك الآخرة.. الإحساس الإيجابي | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة.. الإحساس الإيجابي

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 10-يوليو-2010

مشاهدات 47

نشر في العدد 1910

نشر في الصفحة 52

السبت 10-يوليو-2010

بقلم: عبد الحميد البلالي 

al-belali@ hotmail.com

 رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية

تناولنا في المقال السابق الصفة الثامنة عشرة، وهي الإحساس والتأثر، وفي هذا العدد تكمل هذه الصفة، حيث نتناول جوانب الإحساس الإيجابي.

الإحساس الإيجابي: يقول سيد قطب في تعليقه على الصفة الثامنة عشرة من صفات عباد الرحمن التي ذكرت في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)}  (الفرقان) فأما عباد الرحمن، فهم يدركون إدراكاً واعيا ما في عقيدتهم من حق، وما في آيات الله من صدق، فيؤمنوا إيمانا واعياً بصيرا لا تعصباً أعمى ولا انكبابا على الوجوه فإذا تحمسوا لعقيدتهم فإنما هي حماسة العارف المدرك البصير . 

. وهذا ما عناه الأستاذ سيد قطب يرحمه الله، إنه الإحساس الإيجابي الذي ينبني عليه عمل إيجابي، وترجمة سمع من التذكير، فعباد الرحمن لا يستمعون للمذكر حتى يضيعوا أوقاتهم في ترف فكري لا يسمن ولا يغني من جوع بل إنهم يستمعون للعمل الإيجابي.

● عوامل الإحساس الإيجابي

كم من الملايين من المسلمين الذين يستمعون إلى المواعظ وخطب الجمعة والبرامج الوعظية في المحطات الفضائية ومواقع الإنترنت في طول العالم الإسلامي وعرضه، ثم يترجمون ما يسمعون وما يبصرون إلى برنامج عمل إيجابي؟ لاشك أن عددهم قليل، فما عوامل الإحساس الإيجابي ؟... إنها تتلخص في:

●  ١- الانتباه والإصغاء التام

فمن مقتضيات﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (الفرقان73) الانتباه والإصغاء التامين للمذكر، سواء قارئ القرآن، أو الواعظ أو الكتاب، أو الموقع، أو غيرها من وسائل التذكير، وعدم الانشغال أثناء الاستماع إلى أي شيء آخر، والتفرغ التام لهذا الأمر العظيم.

● ٢- التأكد من الفهم الصحيح

كما قال سيد قطب: « إيماناً واعياً بصيرا»، فالاستماع الدقيق والفهم الصحيح صمام أمان من التطرف والغلو المدمر للمجتمعات، والذي يؤدي بصاحبه إلى غضب الرحمن، وكراهية العباد وتدمير المجتمعات، فلابد من التأكد عن طريق العلماء والعارفين عن فهمك المرامي الموعظة، وآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وعدم الاعتماد على الفهم الذاتي الذي قد يكون خطأ. فقد روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله صلي الله عليه وسلم  أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر - أو يعصب - على جرحه خرقه، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (۲).

● ٣- الاستماع والإبصار للعمل

فهذه البغي من بني إسرائيل التي جاء ذكرها في حديث البخاري: «بينما كلب يطيف بركية (۳) كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها (٤) ، فسقته فغفر لها به (0) فلم تبكي عليه، وتتحسر، بل نزلت البئر وضحت بأغلى ما يملك المسافر في طريق الصحراء وهو الحذاء، وملأت حذاءها ماء، بالرغم من الضرر الذي سيصيب الحذاء الجلد بسبب غمسه بالماء، ولكن الإحساس الإيجابي دفعها للتضحية بالحذاء من أجل إنقاذ ذلك الحيوان من الهلاك، فغفر الله لها، فهي من أسوأ أمة بني إسرائيل»، وتمارس أسوأ مهنة، وهي الزنى»، ومع ذلك فقد غفر الله لها بسبب إحساسها الإيجابي. بينما دخلت امرأة النار بسبب عدم إحساسها بجوع هرة - كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم دخلت امرأة النار في هرة ربطتها ، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلاً.

●  عديم الإحساس شقي

 ولأن الرحمة تتولد من الإحساس فعديم الرحمة شقي، لأنه عديم الإحساس - لذلك قال النبي صلي الله عليه وسلم  : لا تنزع الرحمة إلا من شقي .

● أمة الإحساس الإيجابيإن من أميز ما يميز أمة الإسلام هو الإحساس الإيجابي، الذي يدفعها للعمل، فعندما تتخلى عن هذه الصفة فلا خير فيها، وهذا ما وصفها به نبيها صلي الله عليه وسلم  عندما قال: ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى 

الهوامش

(1) في ظلال القرآن ۲۵۸۰/۵ دار الشروق.

(۲) رواه أبوداود (٣٣٥٦) كتاب الطهارة وصححه الألباني (صحيح أبوداود ٣٢٥)

(۳) أي يدور حول بئر.

(٤) أي خفها.

(5) البخاري، الفتح ٦ (٣٤٦٧).

(٦) رواه مسلم (٢٦۱۹)، كتاب التوبة.

(۷) رواه الترمذي (۱۹۲۳) وحسنه الألباني (صحيح الجامع الصغير ٧٤٦٧).

 

الرابط المختصر :