; ملوك الآخرة.. دموع الخائفين | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة.. دموع الخائفين

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 03-أكتوبر-2009

مشاهدات 48

نشر في العدد 1871

نشر في الصفحة 57

السبت 03-أكتوبر-2009

تناولنا في العدد السابق بعض صفات النار التي تعوذ عباد الرحمن، منها وسألوا الله أن يجنبهم عذابها، وفي هذا العدد نتناول مواقف وقصص الخائفين.

● أنواع البكاء

لاشك أن ذروة الخوف هو البكاء والذي بلغ مرحلة البكاء فقد بلغ قمة الخوف وخوف عباد الرحمن كله خوف من الله تعالى، وإن كان يتعدد إلى صور مختلفة، كالخوف من عذابه، والخوف من سؤاله، والخوف من ناره، والخوف من عدم القبول والخوف من تبدل الحال، والخوف من انقطاع العمل بالموت، وما يتبعه من ألوان الخوف من الله تعالى. حيث يختصرها أمير المؤمنين على بقوله البكاء على ثلاثة أوجه أحدها: من خوف عذاب الله تعالى والثاني من رهبة السخط، والثالث من خشية القطيعة (1).

●  قيمة الدمعة الخاشعة

فرق كبير بين دمعة خوف من مخلوق ودمعة خوف من خالق بين دمعة تحسر على ما مضى من الدنيا، ودمعة حزن على ما فات من الآخرة، بين دمعة تذكر لحبيب جفا أو غاب، وبين دمعة من رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.. تلك هي الدمعة الغالية التي تحدث عنها زين العابدين عندما قال:

ما تغرغرت عين بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر (٢) ، ولا ذلة، وما من شيء إلا وله جزاء، إلا الدمعة، فإن الله يكفر بها بحور الخطايا، فلو أن باكيا بكي في أمة حرم الله تلك الأمة على النار (۳).

●  حرصهم على هذه الدموع

ولأنها غالية، ولا تقدر بثمن، فإن عباد الرحمن كانوا يحرصون عليها أشد الحرص، حتى أن شيخ الإسلام الحافظ التابعي الجليل محمد بن المنكدر كان إذا بكى، مسح وجهه ولحيته من دموعه ويقول: بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسته الدموع (4).

وجعلها التابعي كعب الأحبار أغلى من الذهب فيقول: لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهبا ، والذي نفس كعب بيده، ما بكى عبد من خشية الله، حتى تقع قطرة من دموعه إلى الأرض فتمسه النار أبدا حتى يعود قطر السماء الذي وقع إلى الأرض من حيث جاء، ولن يعود أبدا (5).

● لا خير في تلك العين

إن المرء عندما يقرأ حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، ومنهم ذلك الرجل الذي ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ليتمنى أن يتفضل الله عليه بتلك الدمعة الغالية، ويتمنى ألا يكون ذا قلب قاس لا تؤثر فيه الآيات والمواعظ وصور الأموات ولقد اشتكى التابعي الزاهد ثابت البناني عينه، فقال له الطبيب اضمن لي خصلة تبرأ عينك، قال: وما هي؟ قال: لا تبك فقال: وما خير في عين لا تبكي ؟ (6). فعندما تبخل العين عن مثل هذه الدمعة الغالية في ميزان الله بينما تكون سخية بالدموع الرخيصة التي تخرج بسبب دنيا زائلة، أو مخلوق هالك، أو على فوات حرام، فإنها فعلاً تكون لا خير فيها » كما قال الزاهد ثابت البناني، وعندما تتعلق القلوب بغير الله تعالى، وتنسى أن ما عند الله خير وأبقى، فإنها تبكى على الزائل، وتبخل بدمعها على الباقي..

●  أسرار خروج هذه الدمعة

من الصعب أن يشرح لك أحد هؤلاء البكائين عن كيفية خروج هذه الدمعة وأسرار خروجها، فإن ذلك خبيئة بينه وبين الله تعالى، ولكن الإمام ابن الجوزي يقرب لنا الصورة، ويقترب من هذه الأسرار عندما أخبرنا عن حالة الباكي عندما يقترب من البكاء فيقول: إذا همت قطرات المدامع من سحائب العيون على أرض الخدود أزهر بستان الخشية، وتعطرت أنفاس النفوس بطيب المراقبة، وامتلأت عيون القلوب بماء المحبة في مجامر الفؤاد ، وصفا زمان المراقبة من غيم الغفلة، وبدأ جمال المحبوب من غير حجاب، فتسابقت الأبصار الرؤياه، لقد أحسن المغني فأين أرباب السماع ). (۷)

عين مثل هذه يستحق صاحبها أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، وعين كهذه تستحق ألا تمسها النار يوم القيامة، وعين كهذه يستحق صاحبها إذا رفع يديه إلى السماء ألا ترد وعين كهذه يستحق صاحبها عندما يدعو على من ظلمه أن ينصفه من بكى لأجله. وعين كهذه إذا وجدت في جماعة كانت كالنور الذي يضيء القلوب المظلمة، ويلين القلوب القاسية.. إنه الخوف من المعطي.. إنه الخوف من الحبيب.. إنه خوف من نوع عجيب فالناس عندما يخافون من شيء يفرون منه ولكن أصحاب الدموع الغالية إذا خافوا فروا إلى من يخافون منه، ففروا إلى الله.

الهوامش

(1) الاستعداد ليوم المعاد ص ۹۲

(۲) هي الغبرة يعلوها سواد كالدخان

(۳) سلوة الأحزان ص ۳۹ ، والرواية موقوفة على الحسن البصري.

(٤) سير أعلام النبلاء ٣٩٨/٥ .

(٥) صفة الصفوة ٢٠٤/٤ لابن الجوزي (٦) المرجع السابق ٢٦٢/٣ .

(۷) روح الأرواح ص ٥٤ .

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1127

63

الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

استراحة المجتمع (1127)

نشر في العدد 1147

75

الثلاثاء 25-أبريل-1995

استراحة المجتمع (العدد 1147)

نشر في العدد 1532

80

السبت 28-ديسمبر-2002

استراحة (العدد 1532)