; ملوك الآخرة: مواكب الخائفين (٢) | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة: مواكب الخائفين (٢)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 17-أكتوبر-2009

مشاهدات 56

نشر في العدد 1873

نشر في الصفحة 57

السبت 17-أكتوبر-2009

تناولنا في العدد السابق نماذج من الخائفين من عدم القبول والخائفين من الموت من عباد الرحمن، وتتناول في هذا العدد الخائفين من السؤال يوم القيامة.

خائف من القيروان: وبالرغم من المسافة البعيدة التي تفصل المدينة المنورة بما فيها من الصحابة الكرام والتابعين عن مدينة القيروان، في المغرب، إلا أن مواكب الخائفين ينتمون إلى مدرسة واحدة، فها هو الفقيه عالم القيروان بكر بن حماد يخرج يومًا إلى القبور، وجعل ينظر إلى امتداد القبور، ويفكر في الأحباب والإخوان والأصحاب والجيران ثم يبكي حتى يطول بكاؤه، وتبلل دموعه لو ينطقون لقالوا الجد ويحكم لحيته، ثم جعل يقول:

زرنا منازل قوم لا يزورونا *** إنا لفي غفلة عما يقاسونا

لو ينطقون لقالوا: الجد ويحكم *** جدوا الرحيل فقد أوى المقيمونا

الموت أحدق بالدنيا وغرتها *** وفعلنا فعل قوم لا يموتونا

فابكوا كثيرًا فقد حق البكاء *** لكم فالحاملون لعرش الله باكونا (1)

ثالثا : الخوف من السؤال:

وكانوا يخافون أشد الخشية من السؤال يوم القيامة، سواء كانوا حكامًا أو أفرادًا، فمما جاء في ترجمة أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك أنه حج فرأى الخلائق بالموقف، فقال لعمر بن عبد العزيز، أما ترى هذا الخلق الذي لا يحصي عددهم إلا الله؟ قال: هؤلاء اليوم رعيتك وهم غدًا خصماؤك، فبكى بكاءً شديدًا (٢).

قدوة البكاءين:

ولئن كان هذا هو شأن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، فكيف الحال بعمر ابن عبد العزيز الذي جاء بعده، حتى تبوأ قمة البكاءين في صدر القرن الثاني خوفاً من السؤال يوم القيامة؟ فما يرويه الإمام الفقيه عطاء بن أبي رباح عن زوجته فاطمة أنها حدثته أنها دخلت عليه، فإذا هو في مصلاه يده على خده، سائلة دموعه فقلت يا أمير المؤمنين الشيء حدث؟ قال: يا فاطمة، إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد صلى الله عليه وسلم ، فخشيت ألا تنبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت (۳). 

وتزيد زوجته تفصيلاً عن حالة الخوف التي كانت تعتريه كل ليلة فتقول: «ما رأيت في الناس من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر ابن عبد العزيز، وما رأيت أحدًا أشد فرقًا من ربه منه، كان إذا صلى العشاء، قعد في مسجده، ثم يرفع يديه، فلم يزل يبكي حتى تغلبه عينه، ثم ينتبه، فلا يزال يدعو رافعًا يديه يبكي حتى تغلبه عينه، يفعل ذلك ليله أجمع» (4) ، إنه يتخيل نفسه أمام الله يوم القيامة، يسأله عن كل فرد في مملكته، مما يزيده خوفًا فيضطره للبكاء.

ليتني لم أمُت:

وليس الخوف من السؤال مقصورًا على الحكام فحسب، بل حتى العلماء، كانوا يخافون من السؤال لكثرة فتاواهم، فهم يخافون سؤال الله لهم عن خطئهم في بعض ما يفتون خاصة فيما ليس به نص واضح، فهذا الإمام مالك مرة يقول عنه الإمام القعنبي: «دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه، ثم جلست فرأيته يبكي، فقلت يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟ فقال لي يابن قعنب، ومالي لا أبكي؟ ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي».

البكاء على الغافلين:

لم يكونوا يبكون على أنفسهم، وعلى سؤال الله لهم يوم القيامة، بل كانوا يخافون ويبكون حتى على الغافلين عن السؤال يوم القيامة، فكلما رأوا الغافلين ازدادوا خوفًا، وبكاء فمما جاء في ترجمة الحافظ التابعي عمرو ابن قيس الكوفي مؤدب الإمام سفيان الثوري ومعلمه أنه «كان إذا نظر إلى أهل السوق بكى وقال ما أغفل هؤلاء عما أعد لهم».

رابعًا: الخوف من النار:

وهذا هو أكثر ما كان يخوفهم في الدنيا وهو الخوف الذي ذكر من ضمن صفات عباد الرحمن ﴿والذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عذاب جهنم إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا (66)﴾ (الفرقان: الآيات 65 66)، وان كانوا يتحلون ببقية أنواع الخوف التي ذكرت.

ألا تبكون خوفًا من النار ؟!

وهذا هو أحد سادات التابعين الإمام الحسن البصري، كان ينادي في مجلسه مذكرًا بهذا النوع من الخوف: «يا إخواني، ألا تبكون خوفًا من النار ؟ الا من بكى خوفًا من النار نجاه الله منها يوم يجر الخلائق بالسلال والأغلال ويا إخواني، ألا تبكون عطشًا إلى الله ١٩ ألا وإن من بكى شوقًا إلى الله لم يحرم من النظر غدًا إلى الله إن تجلى بالرحمة واطلع بالمغفرة واشتد غضبه على العاصي.

يا إخواني، ألا تبكون من عطش يوم القيامة، يوم يحشر الخلائق، وقد ركبت شفاههم، ولم يجدوا ماء إلا حوض المصطفى فيشرب قوم، ويمنع آخرون، ألا وإن من یکی خوف عطش ذلك اليوم سقاه الله من عيون الفردوس. ثم نادى، يا ويلاه إذا لم يرو عطشي يوم القيامة من حوض المصطفى صلى الله عليه وسلم»..

الهوامش:

  1. «بستان الواعظين» لابن الجوزي ص ٢٧٢، وهي آخر ما قاله من شعر.
  2. «سير أعلام النبلاء» ١٢٥/٥، ط الرسالة.
  3. المرجع السابق ١٣١١٣٢/٥.
  4. المرجع السابق ١٣٧/٥.
  5. وفيات الأعيان ١٣٧١٣٦/٤.
  6. سیر اعلام النبلاء ٢٥١/٦.
  7. «بحر الدموع» لابن الجوزي ص ٦١.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 245

70

الثلاثاء 15-أبريل-1975

دروس من أُحُد (245)

نشر في العدد 268

211

الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

تقوى الله -  الحلقة الأخيرة

نشر في العدد 1870

62

السبت 19-سبتمبر-2009

ملوك الآخرة: صفات «النار»