; ملوك الآخرة (13) الأنبياء يعلنون البراءة | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (13) الأنبياء يعلنون البراءة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 27-يونيو-2009

مشاهدات 64

نشر في العدد 1858

نشر في الصفحة 57

السبت 27-يونيو-2009

تناولنا في الحلقة السابقة معاني صفة «قالوا: سلامًا» الثلاثة، حيث ذكرنا المعنى الأول منها، وهو «إعلان البراءة من تلك الأقوال والآراء المخالفة للشرع، خاصة إذا كانت في دائرة الكفر..»، وفي هذه الحلقة نستكمل هذا المعنى، وبقية المعاني..

الأنبياء يعلنون البراءة

ومنهجية إعلان البراءة التي هي أحد معاني قول عباد الرحمن «سلامًا» من بعض أنواع خطاب الجاهلين التي تنافي الشرع، خاصة ما كان في دائرة الكفر، منهجية واضحة في تعامل الأنبياء مع أقوامهم، حيث ذكر الله تعالى في أكثر من موضع هذه المنهجية النبوية.. ومن ذلك رد النبي ﷺ على خطاب كفار قريش: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (سورة الأنعام: 19).

ومنها رد سيدنا هود على قومه عندما قالوا له: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة هود: 53). فرد عليهم، ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (سورة هود: 54).

وهذه صفة بارزة في «عباد الرحمن» خاصة مع الذين يصرحون بالكفر، ويدعون وينافحون عن الأمور المخالفة للشرع، مع عدم سماعهم لأصحاب الحق من عباد الرحمن

المعنى الثاني: القول السديد

وهذه الصفة تتجلى مع الجاهلين ببعض أحكام الشرع، ويجادلون بغير علم، ويصرون على جهلهم، وأخطائهم من غير دليل، وبشيء من سوء الأدب مع «عباد الرحمن»، ولكن خارج دائرة الكفر، كما هو الحال في النوع الأول. يقول الإمام مجاهد: «معنى سلامًا: سدادًا، أي يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق ولين» (1). ويقول الإمام الفخر الرازي: «ويحتمل أن يكون المراد إظهار الحلم في مقابل الجهل» (2). 

والنقاش والجدل مع هذه الفئة من الجاهلين تضييع للأوقات، وقد يكون فتنة لهؤلاء الجاهلين، وقد يفضي هذا الجدل إلى المزيد من الإصرار والقطيعة بينهم وبين عباد الرحمن، الذين يحرصون أن تبقى الجسور ممدودة، والقلوب صافية، فلعل في هذا الخلق والتعامل ما يجذبهم إلى الحق الواضح في المستقبل. 

يقول سيد قطب عن عباد الرحمن في هذه الصفة: «وهم في جدهم ووقارهم، وقصدهم إلى ما يشغل نفوسهم من اهتمامات كبيرة، لا يلتفتون إلى حماقة الحمقى، وسفه السفهاء، ولا يشغلون بالهم ووقتهم وجهدهم بالاشتباك مع السفهاء والحمقى في جدل أو عراك، ويترفعون عن المهاترة مع المهاترين الطائشين»، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلامًا لا عن ضعف، ولكن عن ترفع، ولا عن عجز إنما عن استعلاء، وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن المهاترة بما هو أهم وأكرم وأرفع» (3).

المعنى الثالث: التصريح بقول «سلامًا» 

وأصحاب هذا القول يرون أن معنى «سلامًا» أي التصريح بلفظ «سلامًا» للجاهلين.

يقول الإمام القرطبي: «قالت فرقة: ينبغي للمخاطب أن يقول للجاهل «سلامًا» بهذا اللفظ، أي سلمنا سلامًا أو تسليمًا. وقال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، لكنه على معنى قوله: تسلمنا منكم، ولا خير ولا شر بيننا وبينكم» (4). 

ثم يقول الإمام القرطبي: «وقد اتفق الناس على أن السفيه من المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له: «سلام عليك» (5). 

ويقول الإمام الرازي: «معناه: لا نجاهلكم، ولا خير بيننا ولا شر، أي نسلم منكم تسليمًا، فأقيم السلام مقام التسليم، ثم يحتمل أن يكون مرادهم طلب السلامة، والسكوت، ويحتمل أن يكون مرادهم العدول عن طريق المعاملة» (6). 

فلعل في هذا الأسلوب من المقاطعة إشعار للطرف الآخر بخطئه وجهله، فمن الناس من لا ينفع معه إلا المعاملة من هذا النوع، وبهذا الوضوح الذي لا لبس فيه.

فهذه الأنواع الثلاثة من معاني «قالوا: سلامًا» تثبت وتؤصل الأخلاق الأساسية في عباد الرحمن، الذين يحرصون أشد الحرص على أوقاتهم أن تضيع هدرًا، كما يحرصون على إبقاء الجسور ممدودة مع مخالفيهم، بما يتعاملون به معهم من أخلاق عالية بعيدًا عن الجدال والثرثرة للساعات الطويلة دونما طائل.

-------------------------------------

الهوامش

(1) تفسير القرطبي 7/4785 ط. دار الثقافة.

(۲) التفسير الكبير 24/108 ط. دار إحياء التراث. 

 (3) في ظلال القرآن 5/2578 - ط الشروق. 

(4، 5) تفسير القرطبي 24/108.

(6) التفسير الكبير 24/108.

الرابط المختصر :