; ملوك الآخرة (27): مواكب الخائفين (۱) | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (27): مواكب الخائفين (۱)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-2009

مشاهدات 53

نشر في العدد 1872

نشر في الصفحة 55

السبت 10-أكتوبر-2009

تناولنا في العدد السابق «قيمة الدموع» عند عباد الرحمن، وفي هذه الحلقة نتناول «مواكب الخائفين»، وأنواع خوفهم من الله تعالى. 

أولًا: خوفهم من عدم القبول:

كان الشاغل الذي يشغلهم هو خوفهم من ضياع أوقاتهم بعدم قبول أعمالهم، وكان أحدهم يتمنى لو كان يعلم أنه قبل منه عمل واحد وهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (المؤمنون:60)، فهم بالرغم من أعمالهم الجليلة الكثيرة، إلا أنهم يخافون ألا يقبل منهم، فقد جاء في ترجمة المفسر التابعي الضحاك رضي الله عنه: «عن قيس بن مسلم قال: كان الضحاك إذا أمسى بكي، فيقال له: ما يبكيك؟ فيقول: لا أدري ما صعد اليوم من عملي؟» (۱)، يصل خوفهم من عدم القبول درجة البكاء، ليس مرة في العمر، أو كل فترة من الزمن، بل كل مساء.

يبشر فيبكي خوفًا:

لقد بلغ الخوف فيهم من عدم القبول أن يبشر أحدهم برؤيته في الجنة، فيبكي لأنه ربما أحس أنه لا يستحق ذلك، أو ربما خاف أن يعجب بنفسه فيحبط الله عمله، أو ربما هو بين هذا وذاك أو غيره من أنواع الخوف، فقد رؤي التابعي الجليل العلاء بن زياد أنه من أهل الجنة «فمكث ثلاثًا، لا ترقأ له دمعة، ولا يكتحل بنوم، ولا يذوق طعامًا، فأتاه الحسن فقال: أي أخي، أتقتل نفسك أن بشرت بالجنة! فازداد بكاء، فلم يفارقه حتى أمسى صائمًا» (٢).

 رثاء ظاهر:

كانوا يحاسبون أنفسهم في الخلوات، ويسألونها إن كان خوفهم هذا حقيقة أم هو جزء من الرياء، مما يزيدهم خوفًا من عدم قبول كل هذه الأعمال التي يقدمونها.

فقد جاء في ترجمة شيخ الإمامين أبو حنيفة، والإمام مالك، التابعي الجليل ربيعة الرأي، أنه كان «جالسًا فغطى رأسه ثم اضطجع فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رثاء ظاهر، وشهوة خفية» (٣).

إنه يرى الآلاف يتجمهرون حوله لأخذ العلم، لما يرونه فيه من علم وزهد وعمل، مما يزيده محاسبة لنفسه، واتهامها بالشهوة الخفية.. إنه الخوف من الله تعالى.

ثانيًا: الخوف عند تذكر الموت:

كانوا يعدون القبور محاضن تربوية تذكرهم بالآخرة، وتذكرهم بالموت ليحفزهم للمزيد من العمل، كيف لا وقد حثهم النبي صلى الله عليه وسلم في زيارتها عندما قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها (4) فإنها تذكر الآخرة (5). 

وكان هواة تقوية القلوب من عباد الرحمن يستغلون تلك الفرص؛ فيذكرون الناس بمواعظهم، وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما يوما يستمع إلى تلك المواعظ من أحد الزهاد في أحد المقابر فتأثر كثيرًا، وأنشأ يقول:

قف بنا بالقبور نبكي طويلًا *** ونداوي بالدمع داء جليلًا

فعسى الدمع أن يبرد منا *** بعض لوعاتنا ويشفي الغليلا

وننادي الأحباب كيف وجدتم *** سكرة الموت بعدنا والمقيلا

لو أطاقوا الجواب قالوا: وجدنا *** سكرة تترك العزيز ذليلا

بُدلوا بعد القصور قبورًا *** ثم بعد اللباس ردمًا ثقيلًا (6)

عباد الرحمن كلما تذكروا الموت خفت عليهم مصائب الدنيا وهمومها، فهم يخافون عند تذكر الموت، وفي ذات الوقت يشعرون بشيء من الراحة مما يصابون به من بلاء الدنيا، ومصائبها، فقد كان التابعي الجليل الحافظ الثقة صفوان بن سليم يقول: «في الموت راحة للمؤمن من شدائد الدنيا، وإن كان ذا غصص وكرب، ثم ذرفت عيناه» (7).

 لم تكن هذه الموعظة من ذلك التابعي هي الوحيدة في هذا المجال، بل كان ينتهز الفرص عند دفن الآخرين، فمما يرويه عنه التابعي محمد بن المنكدر قوله: «كنا مع صفوان بن سليم في جنازة، وفيها أبي، وأبو حازم، وذكر نفرًا من العباد، فلما صلى عليها، قال صفوان: أما هذا فقد انقطعت عنه أعماله، واحتاج إلى دعاء من خلف بعده، فأبكى والله القوم جميعًا» (۸).

يحرك قلبه:

وما كان التابعي سليم بن صفوان يكتفي بالتنظير، ووعظ الآخرين، ويترك نفسه، فقد كانت عنده عادة عجيبة يذهب إلى القبور وحده، ويعظ نفسه بتحريك قلبه بذكر الموت، فمما رواه محمد بن صالح التمار أن صفوان «كان يأتي البقيع في الأيام، فيمر بي فاتبعته ذات يوم، وقلت: لأنظرن ما يصنع، فقنع رأسه، وجلس إلى قبر منها فلم يزل يبكي حتى رحمته، وظننت أنه قبر بعض أهله، ومر بي مرة أخرى، فأتبعته، فقعد إلى جنب قبر غيره، ففعل مثل ذلك، فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر (9)، وقلت: إنما ظننت أنه قبر بعض أهله، فقال محمد: كلهم أهله وإخوته، إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت له قسوة» (١٠).

يجتمعون لتذاكر الموت:

وقبل التابعي صفوان كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يحيي القلوب بإحياء مجالس ترطيب القلوب بذكر الموت، فمما نقل لنا الإمام عطاء بأن عمر بن عبد العزيز «كان يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون» (۱۱)، إنهم نماذج لعباد الرحمن الذين يخافون من الله بذكر الموت.

الهوامش:

(۱) سير أعلام النبلاء 4/600 ط. الرسالة.

(۲) المرجع السابق 4/203.

(۳) صفوة الصفوة ۲/102 لابن الجوزي.

(٤) رواه مسلم ۹۷۷.

(٥) الزيادة للترمذي.

(٦) بستان الواعظين لابن الجوزي ص ٢٨٦.

(۸-۷) سير أعلام النبلاء 5/366

(۹) من كبار التابعين الحفاظ.

 (١٠) سير أعلام النبلاء 5/367

(۱۱) المرجع السابق 5/138.


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 15

65

الثلاثاء 23-يونيو-1970

قَافلة الشهداء

نشر في العدد 254

68

الثلاثاء 17-يونيو-1975

حكم البكاء عند سماع القرآن

نشر في العدد 588

86

الثلاثاء 21-سبتمبر-1982

أدب (588)