العنوان ملوك الآخرة «۱۲».. أقسام الجاهلين
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009
مشاهدات 62
نشر في العدد 1857
نشر في الصفحة 54
السبت 20-يونيو-2009
تناولنا في الحلقة السابقة أنواع الجاهلين، حيث ذكرنا فيها أربعة من أنواعهم، ونتناول في هذه الحلقة النوع الخامس، وهم "الجاهلون بقيمة الوقت"، ثم سنتناول أقسام الجاهلين.
النوع الخامس من الجاهلين: الجاهلون بقيمة الوقت.
وهذه نتيجة طبيعية لما قبلها، فعندما ندرك حقيقة الدنيا ، وأنها قصيرة، نعلم قيمة الوقت، وأنه لا مجال لتضييع الأوقات أبدا، ولا مجال لتضييعها فيما لا يعود علينا في آخرتنا بشيء.
فالله تعالى يحذرنا في آيات كثيرة من سرعة انقضاء الوقت، ويأمرنا بالمبادرة قبل فوات الأوان، وإغلاق الأبواب، إذ يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، ويجعل من صفات الناجحين الصالحين اغتنام الأوقات ومعرفة قيمة الوقت والمسارعة قبل انقضاء الوقت بالعمل الصالح فيقول: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران: 114]، كما جاءت التحذيرات النبوية تترا من القواطع التي تقطع الإنسان عن العمل في روايات عدة، منها قوله بادروا بالأعمال إمارة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافاً بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم، وإن كان أقلهم فقها(۱).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل»(٢).
وكل هذه علامات تحذيرية إذا ما ظهرت يصبح من الصعب أو من المتعذر العمل في تلك الظروف.
يقول الإمام المناوي تعليقاً على الحديث: "والمراد الحث على المسارعة بالعمل الصالح قبل تعذره أو تعسره بالشغل عما يحدث من الفتن المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل"(۳).
أقسام الجاهلين:
ينقسم الجاهلون إلى قسمين رئيسين: (كفار ومسلمون) وينقسم الكفار إلى قسمين (محاربون ومهادنون أو أصحاب ذمة)
أما المسلمون فينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أصحاب الانحراف الأخلاقي:
كالذين يمارسون المحرمات التي لها علاقة بالأخلاق مثل: (الخمور والزنا، والمخدرات والربا وغيرها ...).
القسم الثاني: أصحاب الانحراف الفكري أو العقائدي:
كالذين يرون أن أحكام الإسلام طبقت أيام فقر الدولة الإسلامية، وهي لا تتناسب مع هذا الزمان وقد بدأ هذا اللون من الانحراف منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، من الذين قالوا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275]، أو كالذين يرون أن المرأة قد ظلمت في قضايا الإرث وتأخذ أقل من الرجل، أو يقولون إن العقوبات في الإسلام قاسية، وما شابهها من أنواع الانحراف التي قد تدخل صاحبها في دائرة الكفر والعياذ بالله. ومن أولئك أصحاب الفكر الاعتزالي والخوارج والباطنية وغيرهم.
القسم الثالث: أصحاب الجهل من العابدين:
فهذه فئة من المسلمين ملتزمون بالعبادة والفرائض التي فرضت، إلا أنهم يجهلون الكثير من الأحكام، ليس تعمدا بل جهلا، وهنا يبرز دور العلماء والدعاة في تفهيم هذه الفئة أمر دينها..
أنواع خطاب الجاهلين:
وخطاب الجاهلين يتنوع على حسب النية، أو بحسب الجهة التي يوجه لها الخطاب.
النوع الأول: السؤال للاستفهام:
وهذا من أفضل الأنواع، حيث يتوجهون للعلماء أو الدعاة ليتعلموا ما يجهلون بنية صالحة، وهذا متوافر في القسم الثالث الذي ذكرناه آنفاً.
النوع الثاني: الجدال:
وهذا النوع لا يريد صاحبه إلا الجدل فقط ولا يريد الوصول إلى الحقيقة، بل الجدل من أجل إثبات رأيه وإن كان خاطئاً، دونما أي دليل إلا الصراخ وعلو الصوت.
النوع الثالث: الاستهزاء والسخرية والسب:
وهذا يكثر في القسم الثاني ممن يشككون في بعض أو كل أحكام الإسلام ويفتنون بالقوانين الوضعية والنمط الغربي من التفكير فيكيلون بالكثير من السب والشتائم والاستهزاء بالدعاة، والسخرية منهم، ومن لباسهم، وطريقة حياتهم، وتفكيرهم، ويتهمونهم بما ليس فيهم ويحرضون السلطة للنيل منهم.
النوع الرابع: الحديث العادي:
كالبيع والشراء والتحية وغيرها من الأمور العادية البعيدة عن الانحرافات الأخلاقية والفكرية، والسباب والشتائم والسؤال والجدل ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63].
هذه الآية احتوت على جميع أنواع الجهل والجاهلين وأقسامهم، وأنواع خطابهم..
فمتى يرد عليهم "سلاما" وما معنى "السلام" في هذه الآية؟
تعددت معاني "سلاماً" في هذه الآية عند المفسرين إلى ثلاثة معان رئيسة، وكلها معان تتماشى مع صفات عباد الرحمن وتنسجم مع أخلاقهم وسماتهم.
المعنى الأول: إعلان البراءة:
فقد يكون الكلام كفرًا أو قريبًا من الكفر، خاصة إذا خرج ممن يعتقد به كـ(سب الإله الواحد، والتشكيك ببعض أحكام الشرع، أو الاستهزاء بها)، أو خرج من بعض الجاهلين الذين لا يعلمون ما يقولون، فلا بد هنا من إعلان "عباد الرحمن" البراءة من هذا القول بعد إبداء الحجة والرد بالحكمة على تلك الأقوال التي تنافي الشرع.. يقول الإمام ابن النحاس: "ليس سلاماً من التسليم، إنما هو من التسلم تقول العرب سلاماً: أي تسلما منك، أي براءة منك"(٤).
--------------------------------
الهوامش
(۱) رواه الطبراني وصححه الألباني ( ص ج ص 2812)
(۲) رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني ( ص ج ص ٢٨١٤).
(۳) فيض القدير ١٩٣/٣ ، ط. دار المعرفة.
(٤) تفسير القرطبي ٧/4785 ، ط. دار الثقافة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل