العنوان مناور.. تعود الشعب اليمني على أكاذيبه
الكاتب عادل أمين
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011
مشاهدات 53
نشر في العدد 1973
نشر في الصفحة 14
السبت 15-أكتوبر-2011
- «صالح» يلوح بتسليم السلطة لكسب الوقت وكسر العزلة الدولية
- مراقبون: هذه التصريحات هدفها التغطية على الاهتمام الإعلامي بـ «توكل كرمان» الفائزة بجائزة «نوبل» للسلام لدورها القيادي في الانتفاضة السلمية.
- الشيخ صادق الأحمر: «صالح» يتمسك بالكذب ولم يعد يحكم البلاد إلا في الإذاعة والتلفزيون وميدان السبعين.
- محمد قحطان: سبق له الإعلان مرات بأنه سيوقع على «المبادرة الخليجية» ولكنه كان يتراجع.
- ملف الأزمة اليمنية على مشارف «التدويل» بعدما أخفقت كل الجهود الداخلية والخارجية في إقناع «صالح» بالتنحي وتسليم السلطة سلميًّا
- السفير البريطاني بصنعاء: بريطانيا لا تخشى حكومة يقودها الإخوان أو غيرهم إذا التزموا بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان
مفاجأة جديدة أطلقها الرئيس اليمني «علي عبد الله صالح» في خطاب له في العاصمة صنعاء أمام اجتماع مشترك الأعضاء في مجلسي النواب والشورى «الثامن من أكتوبر الجاري»، حيث قال: إنه يرفض السلطة، وسيتخلى عنها في الأيام القادمة، لكنه سيسلمها لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين بحسب قوله.
المعارضة من جانبها لم تتأخر في الرد عليه، وعبرت عن تشكيكها في إعلان نيته التخلي عن السلطة خلال أيام ووصفت خطابه بأنه «مناورة» لتخفيف الضغط على النظام قبل التقرير الذي سيرفعه جمال بن عمر مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، الذي غادر صنعاء بعد رفض «صالح» توقيع «المبادرة الخليجية»، وآليتها التنفيذية.
وقال الناطق الرسمي باسم أحزاب اللقاء المشترك: «إن خطاب «صالح» ووعده بالتخلي عن السلطة خلال أيام يعتبر استنساخًا لخطابات ماضية».. وأضاف محمد قحطان سبق للرئيس وأن أعلن رفضه من أن يكون «تاكسي يقل الفاسدين والمتمصلحين وأصحاب المصالح، وذلك قبيل انتخابات ٢٠٠٦م»، وأعلن أنه لن يترشح لكنه تراجع عن ذلك، وسبق له أيضًا أن أعلن 3 مرات بأنه سيوقع على المبادرة الخليجية ولكنه يتراجع في كل مرة.. وتابع قحطان: على العالم أن يدرك أن الرئيس «صالح» يعد الحرب، ونطلب من أشقائنا رفع الحرج عنا ونحن كفيلون بإسقاط بقايا النظام خلال ساعات.
من جانبه، قال محمد الصبري المتحدث باسم اللجنة التحضيرية للحوار الوطني: إن هذه دعاية جديدة من «صالح» قبل مناقشة موضوع اليمن في مجلس الأمن... فيما وصف سياسيون تصريحات «علي صالح» بالفرقعة الإعلامية، وقالوا: إنها موجهة للخارج، ويراد منها تضليل الرأي العام، وعدوها عملية استباقية للتقرير الذي سيقدمه الموفد الأممي جمال بن عمر الذي غادر اليمن وهو غاضب من الموقف الرسمي.. وذهب آخرون إلى أن تصريحات «صالح» تهدف إلى «التغطية على الاهتمام الإعلامي بـ «توكل كرمان» التي حازت جائزة نوبل للسلام بسبب دورها القيادي في الانتفاضة السلمية ضد النظام اليمني، فيما علق الشيخ صادق الأحمر بقوله: «إن «صالح» يتمسك بالكذب ولم يعد يحكم البلاد إلا في الإذاعة والتلفزيون وميدان السبعين».
إخفاقات «صالح» وتزايد عزلته
يمكن القول: إن الرئيس «صالح» أخفق في كل الأوراق التي لعبها على الصعيدين المحلي والدولي، وفشلت محاولاته طوال فترة التسعة أشهر الماضية من عمر الثورة في كسب تعاطف غالبية اليمنيين، وخطب ود المجتمع الدولي والاستقواء به ضد خصومه من المعارضة وشباب الثورة.. فورقة «علماء السلطة» وفتواهم بتحريم التظاهرات وعدم جواز الخروج على الحاكم، ومحاولة توصيف المعارضة وشباب الثورة بأنهم بغاة يتعين قتالهم، أسقطت في يده، ولم تفلح في إقناع أحد بمن فيهم مؤيدو النظام أنفسهم وتفويض «صالح» لنائبه بالحوار مع المعارضة والتوقيع على المبادرة الخليجية جرى تعطيله بعودة «صالح» المفاجأة من السعودية، ثم اتهام النائب فيما بعد - عبر مجلة «الحراس» التابعة لوزارة الداخلية - بأنه متورط في مخطط انقلابي ضد الرئيس، حيث ادعت المجلة أن النائب «هادي» كان يعتزم إصدار بيان ينزع شرعية الرئيس، في إشارة ضمنية الرغبة النائب في التوقيع على آلية تنفيذ المبادرة التي تم التوصل إليها مع المعارضة برعاية مبعوث الأمم المتحدة جمال بن عمر.
كما أن محاولات «صالح» في استدراج الثورة والقوات الموالية لها إلى مربع العنف والاحتراب وتفجير حرب أهلية فشلت في تحقيق مآربه تلك، واصطدمت بإصرار الثوار على سلمية ثورتهم، فيما فشلت قواته في كسر الحصار المضروب عليها من قبل القبائل المؤيدة للثورة في كل من أرحب ونهم والحيمة القريبة من العاصمة صنعاء.. وعلى الصعيد الدولي، وفي إطار استماتة «صالح» في كسب شركائه الأمريكيين والأوروبيين فشلت محاولاته في اللعب مجددًا بورقة «القاعدة» والإرهاب، ولم تفلح ورقة «أنور العولقي» التي رمى بها كطعم لشركائه في محاولة يائسة لاستمالتهم إليه وتغيير مواقفهم منه، إذ بمجرد الانتهاء من عملية اغتيال «العولقي» (۳۰ سبتمبر)، المصنف أمريكيا كأحد أخطر قيادات «القاعدة» في الجزيرة العربية - وهي مسألة فيها نظر إذ لم يثبت فعليًا انتماء الرجل لـ «القاعدة»، عدا أنه يحمل فكرًا جهاديًا جرى توظيفه لتضخيم خطر «القاعدة» في اليمن وإكسابها بعدًا دوليًا يسوغ عمليات واشنطن ويمنحها مظلة ديمومتها في هذا البلد - قالت واشنطن: إن ذلك لن يغير موقفها بضرورة تنحي «صالح» ونقل السلطة بأسرع وقت ممكن الأمر الذي أغضب النظام ودفعه لاتهام الإدارة الأمريكية بأنها لا تحترم من يتعاونون معها.
في السياق ذاته، اتهم العميد «يحيى محمد عبد الله صالح» رئيس أركان قوات الأمن المركزي الدول الغربية بلا استثناء بالتآمر على الديمقراطية في اليمن، كونها تدعم انقلابًا ضد حكم عمه «علي صالح» على حد وصفه.. وكان الرئيس «صالح» اشتكى في خطابه الأخير أنف الذكر من رسالة تلقاها أثناء وجوده في السعودية، قال: إنها من دولة كبيرة لم يسمها، جاء فيها: «ننصح بعدم عودتك إلى الوطن لمصلحتك أولًا ولمصلحة اليمن ثانيًا ولمصلحتنا ثالثًا»، وعلق على ذلك بقوله: «أنا رئيس مش ترانزيت وحامل شنطة»!! مستطردًا: «أولا لم أكن عميلًا، ولا أنا عميل، لا أستلم مرتبًا ولا أستلم ميزانية من قطر عربي أو من بلد صديق، هذا غير وارد»!! المثير هنا أن يتحدث الرجل في مثل هذا الموقف، وينفي عن نفسه تهمة العمالة في حين لم يتهمه أحد بذلك ولم يشر إليه حتى!! لكن يكاد المريب يقول: «خذوني».
وفي أول تصريح إيجابي تجاه حزب «الإصلاح الإسلامي»، قال السفير البريطاني بصنعاء: «إن بريطانيا لا تخشى حكومة يقودها الإخوان أو غيرهم، إذا التزموا بمبادئ الديمقراطية والمشاركة وحقوق الانسان.. وهو ما يعد صفعة قوية لنظام «صالح» الذي استمات في ربط «القاعدة» بالإصلاح لتخويف الغرب.. ويأتي حصول الناشطة الحقوقية والسياسية توكل عبد السلام كرمان - عضو شورى حزب الإصلاح - على جائزة نوبل للسلام للعام ۲۰۱۱م صفعة أخرى قوية لـ «صالح» ونظامه من المجتمع الدولي، إذ مثل ذلك اعترافًا دوليًا بعدالة الثورة اليمنية، ودعمًا لها، بالإضافة إلى كونه يعد نجاحًا ورصيدًا إضافيًا للتيار الإسلامي المعتدل في اليمن الممثل بحزب «الإصلاح».
التلويح بمجلس الأمن
إلى ذلك، تزايدت الضغوط الدولية على الرئيس «صالح» عقب مغادرة مبعوث الأمم المتحدة جمال بن عمر اليمن خالي الوفاض بعد حوالي أسبوعين من مساعيه بشأن نقل السلطة، وتعنت الرئيس في قبول كل الخيارات المطروحة، ونتيجة لذلك أخذت نبرة التهديد بمجلس الأمن تتصاعد، فقد كشف دبلوماسي خليجي بصنعاء عن وجود تنسيق عالي المستوى بين كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة لبلورة قرار مجلس الأمن كما أن هناك مشاورات ومباحثات تسير بوتيرة عالية مع كل من روسيا والصين، موضحًا بأن هناك شبه إجماع على القرار الذي سيصدر من مجلس الأمن من قبل الدول دائمة العضوية.
كاشفًا في الوقت ذاته عن تأييد خليجي لاتفاق أوروبي أمريكي لفرض عقوبات انفرادية من دول الاتحاد الأوروبي على النظام اليمني والذي سيتم الإعلان عنها عقب صدور قرار المجلس، منوهًا إلى أن هذه العقوبات تأتي كنتيجة طبيعية لتدويل الملف اليمني الذي بات اليوم يمثل تهديدًا للمجتمع الدولي نتيجة لعدم الاستقرار.
إزاء ذلك كله، يبدو ملف الأزمة اليمنية على مشارف «التدويل» بعدما أخفقت كل الجهود الداخلية والخارجية في إقناع الرئيس «صالح» بالتنحي وتسليم السلطة سلميا نزولا على رغبة الشعب، فهل سيعمل «التدويل» على إخراج اليمن من محنته أم سيزيد الأمر سوءًا؟ الصحفي الألماني والخبير في شؤون الشرق الأوسط «البريشت ميتسغر» يرى أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الوضع اليمني أولها: أن يعلن الرئيس اليمني تنحيه عن السلطة بعد أن يدرك أن التظاهرات المناهضة له لم تفتر وأنها متواصلة.. السيناريو الثاني: أن ينشق قسم كبير من الجيش عن ولائه لـ«صالح» وينقلب عليه ويسقط النظام.. السيناريو الثالث، وهو الأسوأ: أن تندلع حرب أهلية.. والواقع أن «صالح» ما يزال يلوح بهذه الورقة لكن الأكيد أيضًا أنه على قناعة تامة بعدم قدرته على الحسم، وإلا لفعل منذ وقت مبكر، وتبقى الحرب الأهلية مجرد ورقة للمساومة والابتزاز، لكنها عديمة المفعول.