العنوان المجتمع المسلم بين شعبان ورمضان
الكاتب الشيخ معوض عوض إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1982
مشاهدات 61
نشر في العدد 576
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 22-يونيو-1982
بيننا وبين انقضاء شعبان أيام قلائل، وما ينبغي أن ننسى هبات الله وألطافه في الشهر الكريم، ففي شعبان من السنة الثانية من الهجرة استقر أمر القبلة، وحقق الله تعالى -وله الفضل والمنة- أمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم، كما تقول أم المؤمنين عائشة يا رسول الله ما أرى الله عز وجل إلا يسارع في هداك.
وكانت قبلة إبراهيم عليه السلام هي قبلة المسلمين في صلاتهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وفي هذا التوجيه إشارة بدء لإنهاء دولة الأصنام والتغطية على الوثنية، ومجئ يوم قريب تتوارى فيه الأصنام القائمة على ظهر الكعبة ليخلص البيت الحرام لله وحده.
وفي شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة فرض الله تعالى الصيام، وفرض صدقة الفطر، وفرض زكاة المال في أصح الأقوال، وفرض الجهاد لإعلاء كلمة الله، وصيانة مقدساته وتوفير أمن عباده، وكان قوله تعالى:-
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (سورة الحج: 38- 39- 40- 41).
قال ابن عباس وغيره: إنها أول آيات نزلت في الجهاد، كما روى الإمام ابن كثير.
وفرض صيام رمضان، والزكاة والجهاد، وإيجاب صدقة الفطر فيها من عناصر كمال المؤمن، وفيها إعداد نفسه الخيرة، وإرادته المستبصرة، ما يجعله بالإيمان سيد نفسه وما يرتفع به عن شهواته وأنانيته، وتلك هي معالي الأمور التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعاليَ الأُمور، و يَكرَهُ سَفْسافَها»(الألباني:1890). وفرض الجهاد في شعبان بعد استقرار القبلة وفرض الصيام والزكاة وصدقة الفطر بشرطها في دين الله، يبرز أن الجهاد امتحان للذين ارتقوا في مدارج الصلاة، حتى وجدوا أنفسهم بالصيام، ولانت به كفهم فبذلوا، وتأهلوا بعد بذل المال للجهاد بالنفس، فالمال شقيق الأنفس وكم من أقوام يعرضون ذواتهم للمهالك في سبيل إحراز المال، والمؤمنون الذين نجحوا في ذلك الامتحان، يبدو في كل مجتمع غيرهم ممن لم تثبت لهم في الصلاة ولا في الصيام قدم، ولم تطب لهم بالزكاة نفس، ولا لانت كف، وهؤلاء لا يناط بهم أمل في أن يجاهدوا في سبيل الله، وقد سقطوا في معارك شهواتهم وثرواتهم وصوالحهم الخاصة، ليبقى كمال الإيمان وعز التقوى للذين انتصروا على أنفسهم، وأسلسوا له زمامها، وكانوا أسرع من رجع الصدى إلى الجهاد حين يدعو داعية وينادي مناديه، افتداء للدين وخير المسلمين، حين يتعين الأنفس نداء.
وانقضاء شعبان في دورة من دورات الفلك يطل بنا بعد أيام على شهر رمضان، شهر الإسلام كله رسولًا ورسالةً وأمةً عرفت في كتاب الله وسنة رسوله منهجها ومكانتها بين من خلق الله تعالى من آدم عليه السلام وحتى يقوم الناس لرب العالمين.
أجل إن رمضان شهر الإسلام رسولًا ورسالةً وأمةً، وفيه نزل القرآن كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (سورة البقرة: ١٨٥)، وكان نزوله في ليلة هي- إلى الآن- خير من ألف شهر، منذ كانت وعاء لذلك الخير قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (سورة القدر: 1- 2- 3- 4- 5)
لقد كان نزول القرآن في هذه الليلة إشارةً بدء رسالة الإسلام واصطفاء الرسول عليه الصلاة والسلام، وقيام الأمة الوارثة التي استجابت لدعوة الدين الخاتم، وكانت استجابة إلهية بدعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وهو يرفع القواعد من البيت وإسماعيل عليه السلام والله تعالى يحكي من قولهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة البقرة: 128- 129).
واقتران رمضان بالجهاد من أول يوم برز ما فيها من جهاد مشترك- كما أسلفت- ففي الصوم جهاد النفس، والاستعانة بالله على حملها على غير مألوفها بترك ما تحس حاجتها إليه من طعام مشروع، وشراب مباح، وشهوات شأنها كبير في تحالف الناس واتصال الحياة وبقاء الجنس البشري.
فلا عجب أن يقترن رمضان بكل ما أراد الله به، بالجهاد في غزوة بدر وغزوة فتح مكة، ليستجلي المؤمنون سبيلهم إلى النصر على أعدائهم -وما أكثرهم- بجهاد النفس لطاعة الله، والجهاد في ميادين الحق الذي يؤتي الله نصره لأوليائه، ويظفرهم بأعدائهم وأعدائه.
لقد استمسك أوائلنا بزمام القرآن، وقاد مسيرتهم منذ نزل حتى اكتمل.. والتزموه في شتى تصرفاتهم، وحكموه في كل أمورهم ولم يقفوا منه عند حدود بعض أوامره بعد أن ذم الله أقوامًا اتخذوه عزين، وآمنوا ببعضه دون بعض «وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (سورة الفرقان: ۳۰).
فهل ننطلق مع رمضان إلى القرآن، وننزل منزله في الحكم والقضاء والعبادة والسلوك، والأخذ والعطاء، فهو وحده ما دون الدولة والسبيل دون سواه شرف الدنيا وعز الآخرة!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل