; الغزو الثقافي والوجه الآخر للاستعمار | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الثقافي والوجه الآخر للاستعمار

الكاتب الدكتور خالد عبد الله المذكور

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1983

مشاهدات 77

نشر في العدد 632

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 09-أغسطس-1983

أصبح معظم العالم الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مستعمرًا تحت وطأة الغرب، وقد عظم شأن هذا الاستعمار واستفحل، فإندونيسيا مستعمرة من قبل هولندا، وروسيا استعمرت البلاد الإسلامية في أواسط آسيا، وسيطرت فرنسا على الشمال الأفريقي ما عدا ليبيا التي احتلتها إيطاليا بعد ذلك، وقبضت بريطانيا على مصر وفلسطين والهند وبلاد إسلامية أخرى متفرقة.

وبذلك أصبحت هذه الدول المُستعمِرة للعالم الإسلامي تؤثر تأثيرًا مباشرًا وقويًا وفعالًا في العالم الإسلامي بحضارتها ونهضتها وأسلوبها، وأصبح العالم الإسلامي بعيدًا كل البُعد عن تلك الصورة الرائعة التي عُرفت في تاريخ الإسلام خلال عصوره الزاهرة في حضارة تقوم على الأخلاق الفاضلة والسلوك الحميد، وتقطف ثمار الثقافة اليانعة الموحدة للأمم والشعوب تحت عقيدة واحدة وقيادة واحدة تقوم على الشورى في الحكم والعدالة بين الناس ومسؤولية الحكام.

لقد انتقلت الجاليات الأجنبية إلى بلاد المسلين ناقلة معها هذه الحضارة الغربية، وأصبحت تقدم أنماطها الفكرية والاجتماعية والتربوية عن طريق المشاهدة والتقليد، بل وفرضت الدول المستعمرة لغاتها وثقافاتها في هذه البلاد الإسلامية بكل ما تحمله من انحراف في الأصول والمعتقدات.

وهكذا اتضح غزو الغرب للعالم الإسلامي في نوعين من الغزو: أولهما الاستعمار والاستيلاء على العالم الإسلامي وعلى إدارة الحكم فيها، وثانيهما: الغزو الثقافي والاجتماعي والتمكين للحضارة والثقافة الغربية في البلاد الإسلامية.

ولم يكن هدف الاستعمار من نشر حضارته وثقافته هو النهوض بالبلاد التي استعمرها كما ادعى، ولكنه كان يقصد بذلك إزالة الحواجز التي تقوم بينه وبين هذه الشعوب، وهي حواجز تهدد مصالحه الاقتصادية، وتجعل مهمة حراستها والمحافظة عليها صعبة غير مأمونة العواقب.

ولقد كان للاستعمار من النفوذ الثقافي والحضاري امتداد زمني أوسع وأعمق من الامتداد الزمني للاحتلال الأرضي المادي، وانتقل هذا الغزو الثقافي والحضاري من الظواهر المادية والشكلية إلى الأفكار والمفاهيم، ومن العادات والتقليد إلى القيم الأساسية والموازين الخلقية، وأصبح التقليد غير الواعي ينقلب بالتدريج إلى تقليد واعٍ مجند لهدم هذه القيم والموازين، ومما زاد في نمو هذا الغزو الثقافي للاستعمار وجود طبقة كبيرة من المثقفين تفاعلت مع هذا الغزو في حدود متفاوتة، وإذا نظرنا إلى البعثات التي ذهبت إلى البلاد الأوروبية كفرنسا مثلًا في عهد محمد علي والي مصر الذي أرسل تلك البعثات لكي يتعلم أصحابها الخبرات الفنية التي تتصل بالجيش والصناعة والزراعة والاقتصاد والتنظيم الإداري فقط إلا أن هذا لم يكن مانعًا وحائلًا بين المبعوثين وبين دخول الثقافة الغربية إلى عقولهم وقلوبهم، فقد كانوا يقرءون الكتب الفرنسية، ويشاهدون الحياة الفرنسية وما تعانيه من قلق فكري وروحي، وهؤلاء المبعوثون الأولون هم الذين احتلوا مكان الصدارة والقيادة في مختلف الميادين وبدأوا يترجمون وينشرون الكتب الثقافية الأوروبية في غير ما تخصصوا به وابتعثوا لأجله، فجاءت أفكار فولتير، وجان جاك رسو، ومونتسكيو وهم فلاسفة الثورة الفرنسية.

فهذا رفاعة الطهطاوي الذي أقام في باريس خمس سنوات من (1826 – 1831) وخير الدين التونسي الذي أقام في باريس أربع سنوات (1852 – 1859) وتأثرا بما شاهداه في المجتمع الأوروبي، وما كتباه من آراء مشتركة تظهر لأول مرة في المجتمع الإسلامي، جلبا البذور الأولى لهذه الأفكار حتى جاء من بعدهما يتعهدها بالرعاية والعناية، ويقويها في شتى الشؤون الثقافية والتربوية، ويظهروا بمظهر من فهم هذه الثقافة ورعاها ووقف من قومه وأهله موقف الرائد المرشد، فكانت هناك كتب يُصر مؤلفوها على أنهم من العلماء ومن خريجي الأزهر ليثبتوا في كتبهم ومقالا تهم براءتهم من الأزهر وثقافته، ولكي يثوروا على الأسس التي قامت عليها الثقافة الإسلامية وهي التي تبدو في بعض كتب طه حسين وبعض كتب خالد محمد خالد وأمثالهما على تفاوت في الزمن ومراحل التطور وظروف التفاعل الشخصي بهذه الثقافة الأوروبية.

كما أن هناك جماعة من نصارى العرب كانوا يشجعون الاتجاهات الثقافية التحررية والعلمانية، ويدعون إلى الفكر الحر الذي لا يتقيد بالدين الإسلامي. فوجدنا في نهاية القرن التاسع عشر صحف يومية تحمل أنباء الأحداث العالمية والأفكار والمذاهب السياسية مثل صحيفة الأهرام والمقطم. كما ظهرت صحف أخرى بعضها كان أدبيًا علميًا يهتم بنشر أخبار التطورات الحضارية والثقافية الغربية في العلوم والمخترعات، وفي المذاهب الاجتماعية، وفي الأدب والفلسفة والفن وتمثل هذا الجانب صحيفة «المقتطف» التي ظهرت أولًا ببيروت ثم انتقلت إلى مصر سنة ١٨٨٤م‏ وصحيفة الهلال التي أُنشئت في مصر سنة ١٨٩٢م، وأصحاب هذه الصحف هم الذين تزعموا الدعوة إلى العلمانية والتحررية، وهي التي تربى عليها أجيال من الصحفيين والكتاب، حتى إذا جاء منتصف القرن الحالي وجدنا أن الصحافة كلها في أيدي العلمانيين.

كما ظهر في النصف الأول من القرن التاسع عشر عالم لغوي نصراني هو ناصيف اليازجي، ومن ثم أخذ عدد المهتمين بعلوم اللغة من النصارى العرب يتزايد، والنصارى العرب كانوا أسبق أبناء العرب اتصالًا بالثقافة الغربية، ويرجع ذلك إلى نشاط البعثات التبشيرية وانتشار مدارسها وأديرتها في الشام وفي المنطقة الساحلية منها بنوع خاص منذ بداية القرن الثامن عشر، وساعد على ذلك معرفة اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية على وجه الخصوص الذي فتح آفاقًا جديدة للقراءة أمام المسيحيين، فبدأوا يقرأون كتبًا تصور الثقافة الفرنسية الجديدة التي تمثل علمانية الثورة الفرنسية.

وبهذه الصلات الثقافية بين مسيحيي العرب وبين الثقافة الفرنسية والإنجليزية من ناحية وبهذا التعلق الجديد بالدراسات العربية، فتحت عيونهم على عالمين جديدين خارج الكنيسة وخارج المدارس التبشيرية، وهيأهم ذلك لظهور الفكر العلماني المعادي للكنيسة.

ولقد أدى الغزو الثقافي للعالم الإسلامي دوره كما هو مرسوم له ومخطط حتى أثرت هذه الثقافة وأصبح العالم الإسلامي يحاكي وينقل ويقلد هذا الغزو الثقافي بنوع من الإعجاب بالغرب وإكباره، بل تقديمه والاستشعار بالنقص، بل الأخذ بالمثل العليا التي اتخذها الغرب مثلًا وغايات له في الحياة، واتخاذ قيمه في الأخلاق ومقاييسه في الحياة أساسًا لحياتنا، بل اتخذناها مقاييس وقيمًا نُقوِّم بها تراثنا وحضارتنا وديننا، فكثرة الإنتاج ووفرة المال، وتحقيق اللذة ورفع مستوى الحياة المادية والحرية التي لا تقيدها الأخلاق وإقصاء القيم الروحية الدينية عن الحياة، كل هذا غايات أساسية للحياة، وليست الديمقراطية الغربية والاشتراكية الشيوعية إلا مركبات متنوعة لتلك العناصر والقيم وأشباها هذه القيم هي التي بها نصحح الأشياء، ونُقوِّم الأعمال، ونزن المذاهب، وعلى هذا انتقلت إلينا أفكار خاطئة قبلناها بديهيات مسلمة، وزيناها بألفاظ أحطناها بهالة من السحر كالتقدمية والتطور والتجديد، وقبحنا ما يخالفها بألفاظ جعلناها منفرة كالرجعية والتعصب والجمود، ونقلنا عن الغرب مشكلات نشأت في ظروف تاريخية خاصة به في مراحل تطوره فجعلناها مشكلات لنا وهي في الحقيقة ليست كذلك، ومن هذا القبيل مشكلة الصراع بين الدين والعلم أو بين رجال الدين ورجال العلم، ومشكلة الدين والعلمانية، وفهمنا كثيرًا من الأمور من خلال مفاهيم حضارة الغرب، والغرب له مفهومه الخاص للدين كونه من ظروفه التاريخية من جهة، ومن طبيعة ديانته من جهة أخرى، قد تكون لنا مشكلات مشابهة ولكن ظروفها مختلفة وطبيعتها وطريقة حلها مختلفة أيضًا. وخضع كثير من المسلمين لأوهام روجها اليهود من ذلك ترويج شعار الثورة الفرنسية «الحرية، الإخاء، المساواة» وهو من وضع مجمع ماسوني فرنسي، وفي الحقيقة إنه شعار لم يخدم إلا الأقلية اليهودية، إذ سمح لسماسرتها بنشر الفساد، والعمل على هدم سلطة الكنيسة وتقويض كل القيم باسم الحرية، وحماها في الوقت نفسه من تعصب النصارى على الأقلية اليهودية التي تستأثر بالسلطة عن طريق المال، باسم الإخاء والمساواة.

ومن ذلك ما روجه اليهود من تسمية الصحافة «صاحبة الجلالة» وإحاطتها بهالة من القداسة تسمح لأي مدسوس على قومه أو فاسق مريض القلب واللسان، أن يلفق من الأضاليل ما يريد وما يُراد له، وأن يدسها على عقول السذج من الأحداث والأغرار والحمقى من ضعاف العقول باسم العلم والثقافة والحرية والتمدن، ما دام قادرًا على تأسيس دار للصحافة بماله أو بمال غيره، وسيطرة التنظيمات اليهودية على الصحافة العالمية وعلى وسائل النشر ووكالات الأنباء مشهورة معروفة. 

ورواج هذا الوهم بين الناس باسم «حرية الرأي» هو أكبر ما يمكن للدعاية اليهودية ويدعم سلطانها، حتى يصبح سوطها يلهب ظهر كل حُر، ومقراضًا يقطع عرض كل ذي خلق أو دين، ويجعل سخرية للساخرين وأضحوكة اللاهين، في الوقت الذي يمكن فيه للمفسدين والفارغين من الظهور، حتى يصبحوا ملء العيون والآذان، فلا يرى الناس إلا صورهم ولا يسمعون إلا أصواتهم ولا يصبحون ويمسون إلا في أخبارهم وأقوالهم، وساعد على ذلك وسائل الإعلام الأخرى من إذاعة مرئية ومسموعة وسينما ومسارح وشركات تسجيل الأغاني ودور اللهو والتمثيل.

أثر هذا الغزو الثقافي:

تأثر العالم الإسلامي بهذا الغزو الثقافي بمظاهر عديدة في ميادين فكرية وسياسية واقتصادية، وخاصة الأفكار التي تتعلق بالدين الإسلامي، وكذلك تأثر السلوك والأخلاق واختلال الموازين الخلقية نتيجة للأفكار الخاطئة وهي اعتبار التطور قانونًا أخلاقيًا خاصة أن بعض المذاهب الفلسفية والاجتماعية في أوروبا كانت تقول إن الأخلاق ليس لها مقاييس ولا أحكام ثابتة، فلكل قوم أخلاقهم، فقوم يرون مثلًا أن شرب الخمر رذيلة وشر، وغيرهم يرى فيها غير ذلك، وبعضهم يرى أن الزنى شر ورذيلة وبعضهم يرى فيه إكرامًا للضيف، فليس هناك قواعد أخلاقية مُطلقة، وليس هنالك حقب أخلاقية مُطلقًا، وإنما القضية نسبية، وكلما تطور المجتمع نحو فكرة خلقية جديدة فهي الأخلاق التي يجب أن نتمسك بها.

ونستطيع أن نتبين أثر هذا الغزو الثقافي في نتيجتين اثنتين، أولهما: ازدواج الشخصية، وثانيهما: تشو يه المفاهيم الإسلامية.

أولًا: ازدواج الشخصية: وهذه الازدواجية في الشخصية جعلت كثيرًا من المسلمين من هو مسلم في شعائره التعبدية، ولكنه غيره في تفكيره، فهو قد عاش في بيت اعتاد التدين فهو متدين وفي نفس الوقت نشأ في بيئة ليس لها من المفاهيم الفكرية الإسلامية ما يتناسب مع مستوى تفكيره، فإذا فكَّر في أي شأن من شؤون الحياة سواء الفكرية أم الاجتماعية أم الخلقية أم السياسية فهو يستمد تفكيره من غير الإسلام. وهو في حياته الخاصة يُعتبر مُسلمًا، وقد أدى ذلك في تأو يل كثير من أحكام الإسلام تأويلًا فيه كثير من المواربة والتعسف من أجل المطابقة بين الإسلام وبين الأفكار الأخرى، ولكن على حساب الإسلام، مثال على ذلك الصورة والتماثيل.

ثانيًا: تشويه المفاهيم الإسلامية

 تجزئة الإسلام إلى عقيدة، سلوك، معاملة في الوباء وجود كلمات غريبة علينا: التعصب، التزمت، الطائفية، العصبية، الجمود ومقابلها الثبات.

طريقة معالجة هذا الاستعمار الثقافي:

1- تقديم الإسلام في شموله وصورته الكاملة.

‎٢‏- العودة في فهم الإسلام إلى ينابيعه الأصلية من الكتاب والسنة وفهم الصحابة، وإزالة الحجب التي فصلتنا عنها.

3- تطهير هذا الجو الملوث الموبوء؛ حتى نستطيع تعليم الإسلام في جو إيماني مليء بالعواطف المنبعثة عن الإيمان بالله.

4- بث روح الجهاد في نفوس الشباب والارتفاع بهم عن هذه السخافات والارتقاء بالعوام التي تشغلهم من الالتفات إلى منهج الله.

5- صبغ التعليم في جميع درجاته وأنواعه بالصبغة الإسلامية أي أن يكون الجو العام للثقافة والتعليم هو جو العقيدة والمفاهيم الإسلامية.

6- إقامة نظام إسلامي موحد مبني على تعدد الاختصاصات في جميع العلوم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 113

159

الثلاثاء 15-أغسطس-1972

حوار مع أسرة مسلمة

نشر في العدد 231

96

الثلاثاء 07-يناير-1975

مستعمرات تكره الحرية!