العنوان منطقة الشعيبة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1976
مشاهدات 164
نشر في العدد 317
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 14-سبتمبر-1976
خطط بناءها لحل مشاكل الإسكان فأنتج سوء التخطيط مشاكل اجتماعية وصحية.
12000 ساكن يصلون في مسجدين ويتكلمون من هاتف واحد.
غياب المرافق الغذائية شبه كامل في المنطقة.
عدد السكان لكل طبيب في الكويت 960 شخص وفي الشعيبة طبيب لكل 4000 مواطن.
عدم وجود حاجز زراعي للرمال حول الشعيبة يجعلها تقاسي يوميًا من الغبار.
يحار المرء أحيانًا في تفسير بعض الظواهر في مجتمعنا، فنحن الذين يتبرع سواحنا في الصيف لبوابي فنادق أوربا بالسيارات الفارهة والأموال الطائلة ونحن الذين نستثمر ستة آلاف مليون دولار في شركات أمريكا المساهمة وحدها ونحن الذين وصلنا إلى أعلى معدل دخل في العالم على الإطلاق.. نحن يا سادة الذين يعيش بيننا من لا يجد قوت يومه..
ومن أهل البلد ممن ذاقوا شظف الفقر والمرض، ثم تغير كل شيء إلا هم.. لا يزالون تحت سقف مهترئ ويلحسون بطاقة التموين.
نحن لا نسجل هذه الملاحظات من موقع الحقد كما يفعل البعض ولكننا نسجلها من موقف الأسى من إهمال هذه المجاميع من الناس ممن أصبحوا يئنون من متطلبات الحياة وضيق ذات اليد.
الشعيبة منطقة مثالية لما مر ذكره من أوضاع هذه القرية- إن صح القول- مجهولة الاسم بالنسبة لعامة الناس، وأهل الشعيبة يصرون على القول إنهم مجهولون حتى عند المسئولين، ففي جولة- للمجتمع- في هذه المنطقة التي تجمع أكثر من 5000 بيتًا قد بنيت على طريقة المباني الجاهزة في هذه المنطقة التي تعيش أكثر الأسر الكويتية كثافة بالسكان تقريبًا حيث يضم المنزل ذو الغرفتين فقط من أسرة تتكون في المتوسط من 10 أشخاص إن لم تزد.
وقد انعكس هذا الوضع الإسكاني الضيق على الحالة الاجتماعية إذ يفضل أفراد الأسرة من الأبناء قضاء معظم نهارهم وشطر الليل في التجول في طرقات الشعبية، ونشأ عن ذلك بالتبعية مشاكل تربوية لا حصر لها وقد تحرج محدثي من أبناء الشعبية من ذكر هذه المشاكل والتي تطور بعضها إلى جرائم فيوميًا تقريبًا تنشب المعارك بين أبيناء القبيلة الفلانية مع القبيلة الفلانية، ويوميًا ينزلق الشباب إلى الانحراف الخلقي ومن الملاحظ أن معظم أبناء الشعيبة يذهبون للدراسة في مدارس الفحيحيل والتي تعتبر أقرب المناطق الشعيبة وكما مر معنا فإن الوضع التربوي المتسيب يجر بعضه فينتج عنه تكرر اعتداء الصبية على سائق- باص- المدرسة ونتيجة لذلك تلجأ المدرسة إلى قطع المواصلات عن الشعيبة لمدة من الزمن يتكبد خلالها بقية التلاميذ مشاق السير على الأقدام لمسافة 15 كيلو متر تقريبًا لبلوغ مدارسهم.
مشاكل السكن في الشعبية
عايد شاب التقينا به في جولتنا في الشعبية عرفنا منه رغبته الشديدة للاستقرار خصوصًا أنه بلغ من السن ما يتطلب زواجه ولكن في بيت من غرفتين تسكنه عائلته المكونة من 12 شخصًا لا يمكنه تحقيق هذه الرغبة.
فسألنا الأخ عايد، لم لا تتقدم بطلب بيت في هذه المنطقة؟ فأجاب بأنه حتى يحصل على البيت يجب أن يكون متزوجًا.
فسألته مجددًا ولم لا تتزوج يا عايد؟ فضحك من سؤال وقال هذه أمنيتي ولكن البنت التي أرغب في أن أتزوجها لم تبلغ السادسة عشر فهي أقل من ذلك بقليل ويرفض القانون مثل هذا الزواج وبالتالي لا يمكنني أن أحصل على البيت... ولا الزوجة ثم يضيف عايد فيقول: المغيظ فعلاً هو أن كثيرين ممن أتيحت لهم فرص حصلوا على بيوت في الشعيبة رغم عدم محاجتهم لها لذا فهم طول السنة لا يزورون هذه البيوت، تصور البيت الملاصق لبيتنا مهجور رغم أنه صالح للسكن.. لذا نستخدمه نحن لإيواء الغنم ولو سمح لي لسكنته ولكن....
ومشكلة عايد فعلًا نموذج لكثير من مشاكل هذه المنطقة إذ يتجاهل المشرع الكويتي طبيعة الأعراف السائدة في هذه المجتمعات فينتج عن ذلك هذا التضارب الشديد والذي يجر بعضه.
إن كثيرين مثل عايد لم تسنح لهم فرصة تشكل أسر لذا تجد معظمهم يلجأ إلى سبل أخرى لقضاء هذه الحاجة الفطرية.
وبالمناسبة نذكر أزمة التلفون في هذه المنطقة، الشعيبة ذات الخمسة آلاف مسكن تتكلم كلها من تلفون واحد- مسكين- يوجد في محطة الماء ولك أن تتصور التكالب الفظيع الناتج عن ذلك حيث يستخدم هذا الهاتف أصحاب الحوائج الضرورية والشباب.
الخدمات الصحية
لا أدري بأي مقياس تنظر وزارة الصحة إلى خدماتها في منطقة الشعبية فهل يعقل أن يستقبل طبيب واحد 4000 أربعة آلاف مريض... نعم 4000 مريض، فعدد السكان يربو على 12000 ساكن وهو عدد تقريبي بينما الوحدة الصحية المنشأة لا تضم أكثر من 3 أطباء في منطقة نائية كالشعبية، هذا مع العلم بأن المعدل الذي تعمل على أساسه وزارة الصحة في الكويت هو طبيب لكل 960 شخص فهل الشعيبة مستثناة.
التخطيط غير الشامل
إن منطقة الشعيبة هي ضحية مثالية لرداءة التخطيط وسوء التنفيذ، فمساكنها لا تنم عن إدراك حي للأبعاد الاجتماعية للسكن السيئ، وأما التنفيذ فنترك التعليق عليه للأخ مضحي الذي يقول:
- أو لو كانت زيارتكم لنا في يوم مغبر حتى تتضح لكم صورة الشعيبة فما أن تتحرك الريح ولو بنشاط بسيط حتى تتعذر الرؤية ويسيطر الغبار على كل شيء... كل شيء وأول أسباب ذلك أن المنطقة، صحراوية ولا يحيطها أي حاجز زراعي، ثم سبب ثاني هو إهمال تنفيذ مشاريع الطرق، تصور المنطقة أنشئت من حوالي ثلاث سنوات ولم يدخلها أي طريق معبد... ونتيجة ذلك الطبيعية أن يملأ التراب كل مكان فإذا جاءت الريح وزعته في الدور وعلى الملابس والأكل وأخطر من ذلك العيون والأنوف، ولا داعي لأن أحدثكم عن المصاعب اليومية التي تواجه انتقالنا بالسيارات حيث تعرقل الرمال الحركة باستمرار، بل أكثر من ذلك يا صاحبي هل تصدق أني أحضر تنكر الماء إلى بيتي ولا أملك أن أوصله إلى سور البيت من كثافة الرمال فأعمل على نقله بالأواني لمدة ساعتين وأفرغه في خزان البيت...
هذا الحديث المعبر للأخ مضحي يعطي صورة جلية لأثر الرمال في منطقة الشعيبة.
وقد أصر أحد سكان الشعيبة على أن نزور مساجد الشعبية فقد أنشئ في منطقة يسكنها أكثر من 12000 مواطن مسجدان صغيران لذا عمل الأهالي على سد حاجتهم من المساجد ببناء شبرات من الألواح المعدنية ويبلغ عدد حوالي أربع مساجد لا تقي شمسًا ولا تدفع ريحًا ناهيك عن برودة الشتاء.
إن غياب المرافق عن هذه المنطقة، ظاهرة متفشية فهي تفتقر إلى كل شيء اللحم والخبز والبقالات والتلفون والطرق... إنها مجموعة مساكن لا أكثر ولا يمكن أن تفي بمتطلبات مجتمع ضخم الكثافة متعطش للتطور.
إن أهالي الشعبية يعانون الكثير لتعويض هذا النقص والإهمال فمنهم من نصب خيمة أمام منزله لإسكان بقية أسرته، ومنهم من رص حاجياته خارج السور لتوفير مساحة داخل البيت للسكن.. ومنهم من استفاد من أعمدة الكهرباء في سلخ ذبيحته.. فما العمل وقد اختفى اللحام والسماك وكل شيء.
لقد آن الأوان لتدارك مجتمع الشعيبة من تفاقم الإهمال الذي يستفيد منه الحاقدون والضالون من المندسين، وآن أوان التحرك الكبير لإكمال مرافق هذه المنطقة وكفى تجاهلًا فرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» وبعده قال عمر- رضي الله عنه- «لو عثرت بغلة في العراق لسئلت عنها، لِمَ لِمَ تمهد لها الطريق..».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل