; منهج الخطاب الإسلامي في الغرب | مجلة المجتمع

العنوان منهج الخطاب الإسلامي في الغرب

الكاتب مولود عويمر

تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1561

نشر في الصفحة 44

السبت 26-يوليو-2003

نحتاج باستمرار  إلى استحضار الماضي وإعادة فهمه.. وإذا بقي فهمنا كما كان بالأمس ففي ذلك خلل

يقوم منهج التفكير الإسلامي على رؤية شاملة للكون والحياة والإنسان تنطلق من العقيدة وتمتلك أدوات تسقط بها الضوء على الأشياء أو الأشخاص والطبيعة

نظم مركز البحوث والدراسات الإسلامية في العاصمة الفرنسية باريس مؤخراً حلقة بحثية بعنوان «المنهج في الخطاب الإسلامي بالغرب» شارك فيها مجموعة من الأساتذة والباحثين.

وقد شرح دعبد المجيد النجار، المدير الحالي للمركز، الأسباب التي دعت لاختيار هذا الموضوع، وأكد أن الخطاب الإسلامي بالغرب في حاجة إلى تجديد يقوم على فهم دقيق لواقع الغرب في أبعاده الثقافية والحضارية والاجتماعية والسياسية حتى يكون فعالًا.

قدم الورقة البحثية الرئيسة الدكتور فتحي ملكاوي الذي بدأ تكوينه الجامعي بالتخصص في الكيمياء ثم درس العلوم الاجتماعية وحصل على الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة لندن والدكتوراة في فلسفة العلوم بالولايات المتحدة درس التربية العلمية وفلسفة العلوم في جامعة اليرموك. يقيم حاليًا في واشنطن حيث يعمل مديرًالإدارة البحوث بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

بدأ المحاضر بإبراز محددات البيئة الغربية وانعكاساتها على المنهج والخطاب الإسلامي فالبيئة الغربية تفرض ألوانًا من الأولويات وتعيد ترتيب كثير من القضايا التي تثار للعلم والبحث ولتوليد المعرفة حولها، وتجبر الباحث على التفاعلمعها وتصرفه عن الأولويات التي وضعها من قبل.

وعن مقومات المنهج الإسلامي يرى أن منهج التفكير الإسلامي يقوم أساسًا على الرؤية الكلية أو الكونية التي عرفها بجملة من المفاهيم التي توضح أبعاد العقيدة وتقدم رؤية شاملة للكون والحياة والإنسانوهي تنطلق من العقيدة وتملك أدوات تسقط بها الضوء على الأشياء والأشخاصوالطبيعة.

وردت كلمة الرؤية ومشتقاتها كثيرًا فيالقرآن مع تنوع سياقاتها وعمق دلالاتها: «أرأيت» «أولم يروا» «أفرأيتم» «ألم تر» والرؤية لا تعني فقط أداة البصر وإنما تدل أيضًا على التأمل العقلي والذهني والتفكر، بدليل أن عملية المشاهدة مرتبطة بالسمع والبصر والفؤاد «أفلم ينظروا» «قل انظروا» كل هذه الأوامر والتساؤلات تسعى لإثراء الرؤية الكلية التي بفضلها يحسم الإنسان كثيرًا من المسائلفالعقيدة تصبح منطلقًا للتوحيد، والتوحيد منطلقًا للفقه، والفقه منطلقًاللعمل ويصير للتوحيد مفهوم شامل «سياسي وفقهي وعقائدي واجتماعي». وقد كتب في هذا المجال الدكتور إسماعيل الفاروقي – رحمه الله – الذي ربط علم التوحيد بكل ميادين الحياة الإنسانية.

والمنهجية نتيجة من نتائج البناء التصوري الذي يكون هذه الرؤية وامتداداتها المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقضية المعرفة وهي يمكن أن تكون منهجيةفي التفكير كالتفكير البدائي، أو العلمي أو المنطقي الاستقرائي أو عبارة عن ألوان من التفكير كالتفكير المتشعب المتجدد، النخبوي، الجماهيري....

مساران للتفكير العلمي

وتوقف د ملكاوي عند التفكير العلمي الذي ساد بقوة في الغرب منذ بداية النهضة الأوروبية وهو يقوم على مسارين:

الإمبريقي الوضعي الذي يتحدث عن طرق عملية التفكير التي تبدأ بالمشاهدة والوصف ووضع الفرضيات واختبارها والوصول إلى النتائج وتقوم أساسًا على جمع البيانات والتجريب المخبري ووضع القوانين ثم النظريات.

أما التفكير العلمي النقدي الحديث كما يسميه الفيلسوف كارل بوبر فقد ظهر مع الحداثة لكن الحداثة بسلوكياتها شوهت البعد الغيبي فيها لكن بعضًا من العلوم خاصة في مجال الفيزياء قربت المسافة بين البعد الوضعي والتفكير الغيبي فأعاد بذلك الاعتبار للميتافيزيقيةفنظرية أينشتاين لم تكن في البداية إلا نظرية ميتافيزقية، إذ إنه لم يضعها بناءً على التجريب بل بناء على رؤية ميتافيزيقية أثبتت التجربة صحتها فيما بعد. كذلك بالنسبة لنظرية القوة الضعيفة للدكتور محمد عبد السلام التي نال عليها جائزة نوبل عام 1979 ولم تجرب إلا في عام 1986.

ويساعدنا العلم الغربي المعاصر على تأكيد اعتزازنا بتوحيدنا وإيماننابالقضايا الغيبية لأن المنهجية الإسلامية قائمة على الجمع بين القراطين الغيب والكون، أو العقل والوحي «قل سيروا» «قل انظروا» وكل هذه الآيات تبرز دعوة القرآن إلى ضرورة السعي في الأرض والتفكير في عالم الكون وعالم النفس وعالم الإنسان وأحوال وأخبار المجتمعات من أجل فهم النص إذ لا يمكن للعقل أن يعمل دون الحس حتى عندما ينظر في قضايا الغيب وحين يتحدث القرآن أو السنة عن الجنة لا يتحدث عنها كشيء لا يوصف وإنما يصفها وصفًا دقيقًا عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». وهذه الأوصاف تجعل عقل الإنسان قادرًا على الاستيعاب وتدفعه للتفكر والتأمل

توليد المعرفة

ويؤكد دملكاوي الأهمية القصوى لمسألة توليد المعرفة عن طريق المؤسسات العلمية، مشيرًا إلى أن المعرفة لا يمكن أن تأتي بطرق غير مقصودة أو عبثاً والأساس المعرفي معناه أن يعتمد البحث العلمي في توليد المعرفة وتطبيقها واستهلاكهاوالعالم الغربي عالم استهلاكي يستهلك أدوات الحضارة المعاصرة التي تنتجها مراكزه البحثيةفالبحث هو الذي يولد المعرفة ويكون المفاهيم والنظريات ثم يحولها إلى تكنولوجيا وسلع يستهلكها الناس وتلعب مراكز البحوث دورًا أساسيًا في توجيه المجتمعات الغربية، حتى إن بعض العائلات الكبرى يملك مراكز بحوث تهتم بالقضايا الخاصة بالعائلة لتحافظ على انتمائها العريق ونفوذها الاجتماعي وغيره 

الأبعاد الزمنية

ومن بين القضايا التي طرحها دملكاوي قضية الأبعاد الزمنية في البحث والخطاب، فأي تفكير في عملية البحث أو تخطيط يحتاج باستمرار إلى استحضار الماضي وإعادة فهمه لأن فهمنا اليوم للماضي يختلف عن فهمنا له بالأمسوإذا بقي فهمنا له كما هو ففي ذلك خلل لأن الفهم ليس ثابتًا، ومعظم أشكال المعرفة يتغير فهمنا لها وطريقة استيعابنا لها، وهذا طبعًا لا يعني النسبية المطلقة وحتى الثوابت في ديننا هي ثوابت في ذاتها لا في فهمنا لهاومهما تعددت أشكال فهمنا لها يبقى هناك حد معين من الإطار المشترك للعقيدة الواحدة التي تجمع الناس ففي علم الحديث يذكر المحدث الشيخ ناصر الدين الألباني في أواخر حياته أنه بعد السنوات الطويلة التي قضاها في مراجعة الأحاديث يعتبر عمله بداية لمشوار علمي طويلوكذلك في التفسير فكتب التفسير كثيرة على امتداد تاريخ الإسلام، فلو كان القرطبي كافيًا لما جاء بعده ابن كثير وما جاء بعده الزمخشري وغيره.

أما الإطار الزمني في منهاج الخطاب الإسلامي فهو ربط بين الأبعاد الزمنية الثلاثة «الماضي، الحاضر، المستقبل» وإعطاء كل بعد منها حقه اللازمفالمشاريع متزامنة وليست متعاقبة لأن

الأولوية للأبعاد كلها فنحن نعيش الماضي ونحلق في المستقبل ولكن بقدر متوازٍ مع الواقع وتوليد المعرفة يبدأ بإعادة تشكيل فهمنا للماضي لكن يجب أن يستغرق فينا فلابد أن نفكر في المستقبل لأننا نريد أن نخطط له بالبناء المعرفي، نوفر له الزاد المعرفي الملزم لبنائه، أي أن عملية توليد المعرفة في المنهج الإسلامي قائمة على التوازن بين الأبعاد الثلاثة في آن واحد وليست القضية إعطاء الأولوية للماضي.

ويؤكد دملكاوي ضرورة معرفة الأشياء على حقيقتها دون الاكتفاء بالعموميات، فعندما نتحدث عن الجالية الإسلامية في الغرب، نصدر أحكامًا سطحية وعامة لأننا لا نملك معلومات دقيقة كميًا ووصفيًا وتصنيفًاوقد أعطى نموذجًا لبحث قيم أجري في أمريكا قدم معلومات جديرة بالاهتمام فقد كشفت الدراسة العلمية أن دخل الفرد المسلم 48 ألف دولار سنويًا، بينما الدخل المتوسط للأمريكي هو 38 ألف دولاروقالت إن معدل تعليم المسلمين هو البكالوريوس بينما هو عند الأمريكي سنة ثانية جامعية. وذكرت الدراسة 18وصفًا دقيقًا للمسلمين في الولايات المتحدةفالبحوث الرصينة تعطينا صورة قريبة من الواقع، والخطاب الإسلامي في الغرب يجب أن يعتمد على الأدوات المعاصرة والمعطيات الدقيقة في التعامل مع الناس. بالمعرفة نصنع المستقبل ونؤثر فيه، وبغيرها نستجيب للأحداث التي تقع رغمًا عنا دون أن نشارك في فعلها أو نتحكم فيها.

المناقشة والتعقيبات

یری دعبد الكريم بكري أن التفكير المنهجي من القضايا الأساسية التي لم تنل حظًا كبيرًا في ثقافتنا وتربيتنا للأجيال، وهذا ما لاحظه خلال ثلاثين سنة من التدريس ومناقشة الرسائل الجامعية فالاهتمام منصب في أغلب الأحيان على جمع المادة وحشد المعلومات دون الاعتماد على المنهج في توظيفها وتطرق دبكري إلى المنظومة الزمنية في القرآن التي لا تفصل بين الماضي والمستقبل، بدليل أن الأفعال التي تدل على المستقبل جاءت في صيغة الماضي، والأفعال الدالة على الماضي جاءت في صيغة المضارع، وهذا واضح بشكل كبير في مشاهد يوم القيامة.

وعقب دبكري على الإحصائيات المتعلقة بالمسلمين الأمريكيين، فهو يرى أن هذا التميز لا يمكن مقارنته بوضع المسلمين في فرنسا لأسباب كثيرة لعل أبرزها التركيبة العمالية التي تميز الوجود الإسلامي في فرنسا، بينما النخبة هي التي تهيمن على الحضور الإسلامي في أمريكا.

الدكتور أحمد جاب الله ذكر أن هناك مجموعة من المشكلات المعرفية تحتاج إلى معالجة من أجل بناء خطاب إسلامي في الغرب، ذكر منها مشكلة الوصل بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية فهناك انفصام واضح بين المتخصصين في علوم الدين والعلوم الإنسانيةوبينما يركز الأوائل على التراث ويهملون الواقع يهتم الآخرون بالعلوم الحديثة وتبقى صلتهم بالعلوم الشرعية محدودة ما عدا استثناءات بسيطة هذه الإشكالية تحتاج إلى بحث ودراسة خاصة في ضوء الرؤية التكاملية التي تنطلق منها الثقافة الإسلامية، حتى إن الغرب نفسه تجاوز التخصصات الدقيقة وطرح المعرفة المتعددةوأشار دجاب الله إلى إشكالية الموازنة بين الجهد الاستيعابي بالنسبة للدارسين في العلوم الشرعية ومضمونها وما توصلت إليه من حقائق والنظرة النقدية التي تمكننا من استيعاب جديد للتراث يراعي في نفس الوقت الثوابت ويستكشف جوانب جديدة في الماضي. وتعرض أيضًا إلى مسألة عملية وهي أن الغرب يخصص ميزانيات ضخمة للبحث، بينما مراكز البحوث الإسلامية القائمة في أوروبا وأمريكا إمكاناتها المادية محدودة جدًا ولا شك أن هذا يؤثر سلبًا على مردودها المعرفي كمًا ونوعًا.

أما أول مشكلة في الخطاب الديني في الغرب في نظر أنيس قرقاح فتتمثل في قضية المصطلحات. فالمصطلحات الموجودة في كتب الفقه القديمة «دار حرب ودار إسلام أهل الذمة وغيرها» تثير قلق العاملين في الحقل الدعوي حسب قوله، فلا بد من إعادة النظر فيها حتى لا يعيش المسلمون المقيمون في الغرب بعد عقود من السنين في التناقض والأجدر أن يتفاعلوا مع هذا المجتمع ويساهموا في تطوره والتعايش معه عوضًا عن البحث عن مساوئه والخلفيات التاريخية الثقيلة بالصراعات.

ويؤكد عبد القادر الونيسي أن الأمة الإسلامية كانت دائمًا قادرة على إنتاج الخطاب ولكن المشكلة في كيفية إيصال الخطاب أو النص إلى الناس حتى يتفاعلوا معه ويفهموه ويغيروا واقعهم الخطاب الإسلامي محدد بضوابط شرعية لا يمكن الخروج عنها وهو في الوقت نفسه متفاعل مع واقع حي متحرك وتأسف كثيرًا على انتشار الخطاب اللاعقلي في وقت نحن في أمس الحاجة فيه إلى الخطاب الذي يقضي على الخرافة ويتفاعل مع الواقع المتحرك الذي نعيش فيه.

 

علاج تربوي

ويرى ضو مسكين أن المسألة البحثية تحتاج لعلاج تربوي في نفوس المسلمين لأن الشعور بالحاجة إلى البحث تقلص عندهم ففي القديم تفرغ ابن خلدون في قلعة بني سلامة وكتب المقدمة الشهيرة، واعتكف الغزالي سنين في المسجد الأموي وألف كتابه إحياء علوم الدين ودار ابن بطوطة حول العالم لمدة 29 سنة لمعرفة الشعوب والأمم، وسجل تأملاتهونحن اليوم في حاجة إلى تجديد هذه الروح العلمية والشغف المعرفي وتحدث أيضًا عن ضرورة تعليم المنهجية للأطفال منذ الصغر كالتميز والنقد... كما هو الحال عند الغرب وأضاف أنه سبق له أن قدم مجموعة من الدروس عن الإسلام في المدارس الإعدادية المسيحية بدعوة من الكنيسة، فالمسئولون عن هذه المدارس يثقون في قدرة أبنائهم على الاستيعاب والنقد والتمييز ولا يخافون عليهم من الأفكار والديانات الأخرىوختم قوله بأن منهجية البحث مرتبطة بالتفكير وهي تصاغ منذ الصغر وليست متعلقة فقط بالبحث العلمي عند الكبر.

ويذكر الدكتور خالد الطراولي أن المنهج في معناه اللغوي يراد به الوسيلة والطريقة، وهذا يعني أن هناك حاملًا للوسيلة، والحمل إشكالية عويصة فالمفكرون هم الذين يحملون الجزء الكبير من هذا الهم والثقل لتكوين وتأسيس هذا الخطاب وتطبيقه على أرض الواقعولكن كيف يحمله المفكر كيف يعيش الخطاب؟ ولمن يوجهه؟ فالمثقف المسلم المغترب جاء إلى الغرب نتيجة لظروف يغلب عليها طابع الفشل: فشل في مستواه السياسي والنقابي والاقتصادي... فكيف يمكن أن يُولد الخطاب وهو يحمل الفشل في جميع جوانبه؟ إن المفكر يحمل أزمة ولا يمكن له أن يولد حلولًا إلا إذا تخلص من هذا الثقل الذي فيه جانب كبير من الأزمة.

ويعتبر رضا إدريس الخطاب الإسلامي واحدً من حيث مرجعيته، متعددًا من حيث أنماطه والمطلوب هو تعميق الاجتهاد حتى يساهم المسلمون في بلورة خطاب متمسك بالهوية الإسلامية والمرجعية الدينية مراعيًا البيئة التي يتحرك فيها والمتمثلة هنا بالغرب والسؤال الذي يطرح نفسههل هذه البيئة مجرد موضوع للتغيير بالنسبة للمسلمين أم هي موضوع للتغيير وفي الوقت نفسه موضوع للتأثر والاستفادة إن الغرب يمثل في نظره مجالًا للفهم والهضم والمساهمة في حضارته التي صارت إنسانية بحكم هيمنتها

ويؤكد الحبيب مكني دور المفكر الإسلامي الذي يتمثل في دفع الأمة للنهوض واستئناف رسالتها وتحمل مسئوليتها في التدافع والشهود الحضاريوتبدأ مسئولية المفكر المسلم بمعرفة الوسط الغربي المهيمن على مجالات الحياة فالمثقفون والدعاة العاملون في أوروبا وأمريكا أضاعوا وقتًا طويلًا في تحديد طبيعة هذه الديار وهل تجوز الإقامة فيها، وجاءت إجابات راشدة خاصة الفتاوى التي تصدر عن المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء ودعا إلى الاستثمار في المؤسسات البحثية والتعليمية لبناء الكوادر القادرة على القيام بالدور المطلوب وحمل المسئولية.

النقاش الذي دار حول ورقة دملكاوي يثبت بصورة واضحة في نظر الدكتور رضا عبد السلام أن الموضوع في حد ذاته فهم بأطراف مختلفة تكاد تكون متناقضة في بعض الحالاتفهناك من يريد أن يكون الخطاب عامًا وعمليًا يأتي بنتائج آنية كما هو سائد في المساجد وهناك من يريد صباغة منهج يخدم مصالح المستقبل البعيد للجالية المسلمة في الغرب، وهو منهج يخص الباحثين والعلماء.

المنهج أمر أساسي ولكن قبل النظرية يجب أن توجد الحالة الملحة للنظرية التي تنبعث أولًا من الباحث نفسه حيث يشعر بالحاجة لإيجاد المنهج في صياغة أو بلوغ حقيقة معينة أو حل معوقات الطريق بالآلة الضرورية الموصلة لتلك الحقيقة كيف تلتحم النظرية بالإرادة الفعلية لتصبح مطبقة تطبيقًا واقعيًا؟ إن المسلمين قادرون على إنتاج الخطاب ولكن المشكلة في صنع خطاب يتواصل معه الناس ويكون فاعلًا في الواقع فلا يمكن أن تكون للمفكرين المسلمين قدرة على إنتاج الخطاب إذا سقطوا في السفسطائية وإنتاج خطاب بدون غاية لأن من المفروض أن تكون لصاحب الخطاب رؤية واضحة وبرنامج عمل ولا يكون الخطاب مجردًا وعائمًا في الفراغ.

ويتساءل محمد الجزيري بعد أن لاحظ أن دملكاوي لم يتطرق لموضوع الخطابهل هذا يعني أن للمسلمين خطابًا ثابتًا يتصف بالإقناع والتميز وغيرهما من الصفات اللامعة إلى حد لا يستلزم تجديده ويقول إن الخطاب السائد عند محمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي كان خطابًا رصينًا، وقد طرحوا أسئلة عميقة وقارن ذلك بالخطاب الحالي الذي يمثل في رأيه انتكاسة وضعفًا كبيرًا رغم مرور عقود من الزمن تحرر خلالها العالم الإسلامي من السيطرة الاستعمارية واعتبر أن من التناقض أن نلحظ تزايد التأثير الإسلامي في زمن ضعف المسلمين وسيطرة الحداثة – بالمفهوم الغربي – على الوعي والمال والإنسان فهذا دليل على ضعف الأفكار الأخرى وصمود الإسلام وهذه نقطة القوة عند المسلمين فلابد من البحث عن شروط جديدة لإنتاج الخطاب ولا يكون ذلك إلا بتأسيس عقل إسلامي جديد يساهم في إنتاج معرفة ذات أبعاد إنسانية.

وتحدث دمولود عويمر عن البعد الزمني في المنهج الذي أهمل كثيرًا من طرف المسلمين على الرغم من كونه عاملًا أساسيًا في معادلة الحضارة التي عبر عنها مالك بن نبي بالجمع بين الزمن والإنسان والتراب، بالإضافة إلى الفكرة الدينية «العقيدة» التي تحرك العناصر الثلاثة وكلما وصل المسلمون إلى متعرج حاسم عبر عنه القرآن تعبيرًا دقيقًا يبرز هذا التحول ويدعو للتأمل فيه فقد ميز بين المراحل المختلفة للدعوة وفصل بين الفترة المكية والفترة المدنية ومرحلة الإسلام المرتبط بالحضور الجسدي للرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام الذي سيكتسح العالم في غياب الوجود الجسمي للنبي يجب إذن التفرقة بين المراحل وتحديد المحطات الكبرى وقراءة كل مرحلة قراءة تختلف عن المراحل السابقة دون قطيعة لنصل إلى التراكم الحضاري ونستفيد من التجارب المتنوعة والإضافات المختلفة.

وتساءل هل وجودنا بالغرب امتداد للحركة الإصلاحية التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر أم أننا نضع أنفسنا في إطار آخر، كأننا بدأنا من جديد وننطلق من صفر دون الأخذ الجهود والتجارب السابقة بعين الاعتبار إن الرؤية الكلية في أبعادها الزمنية المختلفة أنتجت خطابًا إسلاميًا متنوعًا ومتكاملًا ومتفاعلًا مع الواقع، فالإمام عبد الحميد بن باديس كان يتوجه إلى أصناف عدة من المسلمين بخطابات تراعي مستوياتهم المختلفة فللمسجد خطابه وللطلبة خطابهم، وللصحيفة خطابها «المنتقد، البصائر» وللمجلة العلمية خطابها «الشهاب». وهذه التجربة تكررت عند الإمام حسن البنا في مصر والإمام أبي الأعلى المودودي في باكستان... وهؤلاء الدعاة الثلاثة أدركوا التأثير المستقبلي للوجود الإسلامي في الغرب فعملوا على إرسال بعض طلبتهم لأوروبا لتوجيه وترشيد هذه الجاليات الإسلامية بخطاب يتناسب مع طبيعة مجتمعاتها الجديدة.

ويشير بشير بدوي إلى دور الثقافة العلمية والتقنية في صنع الحاجة للمنهج والبحث العلمي فقد لاحظ أن المهتمين بالمنهج في العالم الإسلامي أكثرهم متخصصون في العلوم الدقيقة والطبيعيةوفسر ذلك بطبيعة بحثهم القائم على مواكبة مراحل البحث تجريبيًا وتنظيريًا والدقة في الحسابات وكثرة التركيز كما أشار إلى الطابع الجماعي الذي يتميز به البحث العلمي في الغرب في الوقت الذي ينعزل فيه المفكر الإسلامي.

وأشاد الدكتور عبد الحليم هربير بمحمد إقبال وعلي شريعتي ونجم الدين بامات ومحمد حميد الله الذين فهموا الغرب والتيارات الفكرية السائدة فيه وتعاملوا معه بذكاء. ووقف عند المعنى الإجمالي للتوحيد الذي كتب عنه دإسماعيل الفاروقي في الولايات المتحدة والمستشرق هنري کوريان في فرنسا. وذكر أن العلوم التطبيقية  خاصةبعض الفروع من الفيزياء – تقودناإلى عالم الميتافيزيقية والغيب بينما العلوم الاجتماعية الغربية فقيرة في الجانب الروحي.

هذه الانشغالات العلمية والتوجهات الفكرية أصبحت تثير اهتمامات الحركات الإسلامية والمراكز العلمية في العالم الإسلامي، فقد حضر عدة ندوات ومؤتمرات في إيران عام 1985 وشارك في تركيا عام 1990 وأخيرًا في المغرب لمناقشة مثل هذه القضايا التي طرحت في هذه الحلقة البحثية وهو متفائل بمستقبل الخطاب الإسلامي ويرفض النزعة السوداوية التي عبر عنها بعض المتحدثين.

وقد أجاب د. فتحي ملكاوي عن بعض الملاحظات التي قدمها الحاضرون، وأصر من جديد على ضرورة تطوير خطاب إسلامي يقوم على العلم والمعرفة التي لا يمكن أن تتوافر إلا من خلال البحث العلمي الجاد الواعي الذي وراء هدف وقصدوأضاف أن التعددية ليست مشكلة ولكن المشكل في تعدد الخطابات التي تنبني على أشكال الفهم، فتفرز ألوانًا من الخطابات فتجد الخطاب السلفي، والحركي، السياسي. إن اختلافها ليس ضروريًا إن التزمت بالرؤية الموحدة.

الرابط المختصر :