; صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (۸).. من أساليب تربية النبي ﷺ لأصحابه | مجلة المجتمع

العنوان صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (۸).. من أساليب تربية النبي ﷺ لأصحابه

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 16-مارس-2013

مشاهدات 69

نشر في العدد 2044

نشر في الصفحة 58

السبت 16-مارس-2013

السيرة النبوية ثرية بالمواقف التربوية للنبي ، وما أحوجنا إلى أن نقتبس منها وننهل، وخاصة في عصر يموج بالأزمات التربوية، وبعد أن صارت التربية قضية الساعة.

التربية بالموعظة

للموعظة أثرها العظيم في النفس البشرية؛ لذا أخذ بها رسولنا الكريم ﷺ في تربية أصحابه، ولندع أحدهم يصف عظة رسول الله ﷺ فيهم، يقول العرباض بن سارية رضي اللعنة : وعظنا رسول الله يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ » رواه الترمذي وابن ماجه. ولكي تكون العظة مؤثرة في النفوس حرص النبي ﷺ أن تأتي تخولا لا دائمة فلقد كان لعبد الله بن مسعود درس أسبوعي يوم الخميس، فطلب منه رجل أن يجعل الدرس كل يوم، فقال عبدالله بن مسعود رضي الله : «أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي يتخولنا بها مخافة السامة علينا» (رواه البخاري ومسلم).

التربية بالقصة

يفيد أسلوب القصة في تربية الكبار والصغار على السواء، وهو مع الصغار أقوى تأثيراً وأفعل، ويستخدم أسلوب القصة فيجنب المتعلمين الحرج، وخاصة هؤلاء ذوي الحساسية العالية الذين يتضررون من النصح المباشر والنقد الصريح، حيث يقدم لهم المربي النصيحة والعظة في ثوب قصصي غير مباشر، وهنالك يتفاعل المتعلم مع أحداث القصة وشخصياتها تفاعلا يجعله يعيش هذه القصة بوجدانه ومشاعره، فتنتقل دروسها وعبرها إلى عقله وخياله ووجدانه وتصرفاته فتغرس في نفسه القيم والمثل التي تتضمنها .

ومهارة المربي في تقديم القصة من أهم عوامل نجاحها، فكثير من الآباء والأمهات والمربين لا يجيدون الأداء القصصي، إذ يقدمون القصة للأطفال والشباب تقديما نمطيا دون استخدام نبرات الصوت، وتنغيم الصوت بما يمثل المعنى، ويثير المستمع لا يفرقون في ذلك بين أطفال وكبار، ومن ثم تفقد القصة تأثيرها .

من هنا يجب على المربين أن يهتموا بتلوين الصوت كي يعبر عن المعنى والأحداث والمواقف، ومراعاة عناصر التشويق والإثارة وحركات الجسم، وإشارات أعضائه التي تعبر عن المعاني بشكل مؤثر في المستمعين. ولما للقصة من تأثير عظيم فقد كثر ورودها في القرآن الكريم، وأحاديث النبي ، ولقد بين القرآن الكريم الغرض من القصة ومغزاها ، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأَوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ولكن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) (يوسف).

ولنتأمل هذا الموقف التربوي العظيم الذي يعد نموذجاً تطبيقياً متميزاً، في تربية صلى الله النبي ﷺ لأحد أصحابه بأسلوب القصة. صلى صلى الله سيدنا الخباب بن الأرت رضي الله عنه يأتي إلى النبي ﷺ وقد بلغ به الأذى مبلغاً، وسال دمه حتى غطى وجهه رضي الله عنه، فأتى ليشكو للنبي ﷺ ما أصابه، ولنستمع منه إلى ما حدث.. يقول: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة - فقلت : ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال : «لقد كان مَنْ قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري).

إن هذه القصة تهدف إلى تنبيه الصحابي الجليل الخباب بن الأرت وتنبيه أمته إلى أن سنة الابتلاء سنة ثابتة ومستمرة، وماضية كما أن القصة تربي على الفضيلة والصبر وتجنب الاستعجال.

وعلى غرار هذه القصة جاءت أحاديث نبوية كثيرة في ثوب قصصي، من ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، ليربي النبي ﷺ أصحابه رضي الله عنهم جميعا ، من خلال بث هذه القصة التي تضمنت مجموعة من القيم الإسلامية العظيمة هي: قيمة بر الوالدين والرفق بهما والتلطف، والحرص على راحتهما، وكذلك قيمة العفة والطهر، وتجنب الزنا، وأخيرا قيمة الأمانة.. فماذا حكى النبي أصحابه في هذه القصة، وما مغزاها؟ وما ثمارها التربوية؟

عن أبي عبد الرحمن عبدالله بن عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله له يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا : إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أعنق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي طلب الشجر يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا ، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى بر الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه.

قال الآخر : اللهم إنه كان لي ابنة عم، كانت أحب الناس إلي – وفي رواية : كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء - فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلي بينها وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها – وفي رواية: فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلى، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها .

وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبدالله أد إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق.

فقال : يا عبد الله، لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه فلم يترك منه شيئا .. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون (متفق عليه). فانظر وتدبر وتأمل قصة هؤلاء، فبينما هم يمشون وقد أوشكت الشمس أن تغيب وبدأ الظلام يرسل أول خيط له، مودعا ضوء – النهار، وبدأت نسائم الليل الباردة تخترق ثياب هؤلاء الرجال الثلاثة، وكانت القرى التي يقصدونها بعيدة، فقرروا المبيت خشية أخطار الليل، في هذه الصحراء الممتدة القاحلة.

وبينما هم يبحثون عن مكان مناسب للمبيت إذ لاح لهم غار ، فدخلوه، فإذا هو دافئ . هادئ، فناموا نوماً لذيذاً بعد المعاناة والتعب ولم يكن في حسبانهم تلك الصخرة التي تدحرجت لتستقر على باب الكهف فتسده فإذا بهم في مأزق لا خلاص منه إلا بعون الله تعالى!!

استيقظ الرجال الثلاثة، بعد أن ارتاحت أجسادهم بنومهم الهادئ، فنظروا إلى فتحة الغار، فلم يجدوا ذلك الضوء الذي به يهتدون إلى الخروج، وإذا بهم يكتشفون الأمر، فاندفعوا نحو الصخرة ليبعدوها عن باب الغار، ولكن أني لهؤلاء الثلاثة أن يحركوا صخرة ضخمة ثقيلة كهذه؟!

فلما يئسوا من زحزحتها، ورأوا الموت المخيف يطل عليهم، عادوا إلى أنفسهم يفكرون في طريق للنجاة، أو وسيلة لمخرج، فلم يجدوا سوى أن يتقربوا إلى الله فيسألونه بصالح أعمالهم الخالصة لوجه الله تعالى متوسلين بها ، عسى أن يستجيب لهم، وينجيهم من كربهم، ويستجيب لدعائهم، فهو القائل: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر : ٦٠)، وهو سبحانه أيضاً القائل: ﴿أَمَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ (النمل: ٦٢).

قال أحدهم: كنت بارا بوالدي أكرمهما وأفضلهما على أولادي وزوجتي، وأجتهد في خدمتهما ، وكان من عادتي أن أسقيهما الحليب عشاء قبل الجميع، فتأخرت مرة في حقلي، أقلم الأشجار، وأرعى زرعي، ثم رُحْتُ أحلب غبوقهما، وانطلقت لأسقيهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أحدا من الأهل والخدم، والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما ، حتى بزغ الفجر والصبية حولي يتضاغون من الجوع، ويصيحون عند قدمي، وهم أفلاذ أكبادي، ولكني انتظرت حتى استيقظ والداي، وسقيتهما غبوقهما، ثم سقيت أهلي وخدمي ، اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك الكريم ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا، لكنهم لا يستطيعون الخروج. أما الثاني فكان ميسور الحال، وكانت له ابنة عم جميلة، وكان يحبها حبا شديدا، وبذل لها المال لتمكنه من نفسها فأبت، ولكن ألمت بها شدة وحاجة بعد ذلك، فلجأت إليه، مستغلا بؤسها وحاجتها، فأعطاها مائة وعشرين دينارا على أن تمكنه من نفسها، فلما خلا بها، وكانت الشهوة تنتفض في كل جزء من جسده قالت: والدمع يملأ عينيها، والحزن يتملكها : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فترك لها المال وانصرف ابتغاء رضوان الله، ولذلك دعا الرجل ربه أن يفرج عنهم كرب الصخرة متقربا إليه سبحانه بهذا العمل الخالص الذي لا يشوبه رياء، فانفرجت الصخرة ولكنها لا تسمح بخروجهم. إن في قصة هذا الرجل دروسا عظيمة وعبرا بالغة، إنها تعلمنا أن العلاقة اللذيذة السعيدة تلك التي تكون مع الزوجة، فالحلال مريح للنفس، وإيناس للروح، أما الزنا فلذة اللحظة ندم الحياة، وذل الآخرة.

أما الثالث فكان عنده أجراء، أعطاهم جميعا حقهم سوى أجير واحد ، مضى واختفى ثم عاد بعد فترة طويلة، وكان إيمان الرجل قد حركه ودفعه إلى تكثير واستثمار أجر الأجير حتى كثر المال، وكثرت الإبل والبقر والغنم إلى أن جاء الأجير وسأل الرجل عن حقه، فأعطاه هذا كله، فدعا الرجل ربه قائلا : اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون.

وفي قصة هذا الرجل، تربية على قيمة الأمانة، وتقوى الله في أموال الناس، وتجنب أكل الحرام، وأخذ الأموال بغير حق، ومراقبة الله تعالى في ذلك كله.

إنها الطاقة التي تستقر في قلب المؤمن فتدفعه إلى عمل الخير والصالحات من غير رياء ولا نفاق، وإنما ابتغاء وجه الله سبحانه فليتنا نتعلم أن الأعمال الصالحة المخلصة الخالصة لوجه الله تعالى تنجي صاحبها ليس في الآخرة فحسب، وإنما في الحياة الدنيا كذلك.

الرابط المختصر :