; من أعلام الصحابة ومن هنا نستفيد من ابن تيمية | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الصحابة ومن هنا نستفيد من ابن تيمية

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1983

مشاهدات 62

نشر في العدد 649

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 13-ديسمبر-1983

منبر المجتمع

بقلم: إسماعيل الشطي

لعلنا نحتاج بين الفنية والفينة أن نتذكر سيرة أعلام هذه الأمة، ولعلنا نحتاج دائمًا أن نستهدي بسلوكهم ومنهجهم، ونحن نحمل عبء هذه الدعوة في طريق الأنبياء والصالحين والشهداء، وفي أحيان كثيرة تضفي سيرة أولئك الأعلام علينا سمتًا ربانيًا نتلمسه ونحن نصارع الباطل...

ولعلني أكون مصيبًا عندما أخترت شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية، لأسلط الأضواء على سيرته، فهو موضع اتفاق في الإعجاب والتقدير عند العاملين في الدعوة الإسلامية، ولعل أول ما يلفت النظر حول سيرة هذا الإمام المجاهد أنه كان:

* رجل مبدأ وصاحب فكرة:

لم يكن ابن تيمية عالمًا هامشيًا في صفحات التاريخ، ولم يكن همه الدنيا بل كانت فكرته هي همه الأول، وتلخصت فكرته المبسطة بالعودة إلى المنبع الصافي «الكتاب والسنة»، وتجريد الإسلام من رواسب القرون التي علقت به، نتيجة لتسرب فلسفة اليونان ومنطق الفرس، ولا شك أن تلك الرواسب كانت مسلمات عند بعض معاصريه...

وكأي مجدد كان لا بد أن يواجه لأداء المقاومة وعنت الرفض، وكان لا بد أن يتحمل كيل التهم المتنوعة والتشكيك الظالم، وهذه هي السنة الجارية عندما يبزغ الصواب بين ركام الخطأ.

كان ابن تيمية يستطيع أن يريح نفسه من جهد الخصومة، ومشقة المعارك، وكان يستطيع أن يشتري رضاء الجامدين بتخليه عن فكرته، والإشادة والدفاع عن مسلكهم، وكان يستطيع بهذا أن يتربع على الكراسي ويوضع بين المصاف، ولكن صاحب الفكرة يأبي أن تذل فكرته، ومن هنا نستفيد من ابن تيمية.

* رجل الصلابة:

لقد كان ابن تيمية يمثل الصلابة  في الحق، والصمود في مواجهة الباطل، بل كان مدرسة لهذه المعاني، الصلابة في قضية «حماة» يوم اجتمع بالقاضي إمام الدين إبان تلك المحنة، الصلابة أمام الذعر الذي استولى على قلوب الدمشقيين، عندما تردد السلطان في الدفاع عن دمشق إبان هجوم التتار، الصلابة أمام وشاية العلماء أمام القاضي الشافعي، والصلابة في محنته بالسجن عام 705ه، والتي استمرت زهاء عام واحد، والصلابة في محنته عام 707ه، عندما سجن في حبس القضاة بسبب وشاية الصوفيين، والصلابة في محنته عام 720ه، عندما سجن بسجن القلعة بأمر من نائب السلطان، الصلابة في محنته التي انتقل إلى رحمه ربه فيها وهو في السجن عام 728ه.

إن صلابة ابن تيمية تشدني وتعبئ روح التحدي في نفسي، لكل مسلك خطأ ومنهج باطل... ومن هنا نستفيد من ابن تيمية.

* رجل الصمود:

لقد كان صامدًا أمام الباطل، قاتله في موقعة «شقحب» في رمضان 702ه، عندما قاتل التتار، وأبلى بلاء حسنًا طوال أربعة أيام من القتال، حتى جاء نصر الله وانهزم التتار.، ولقد قاتل الباطل في جبال «كسروان» عندما شهر سلاحه أمام النصيريين، فقد كان يعتبرهم عيونًا وجواسيس لأعداء الإسلام..

إن صمود ابن تيمية يذكرني برخص هذه الدنيا وضآلتها، كما ينبهني إلى وعي ابن تيمية السياسي، عندما قاتل النصيريين منذ أكثر من خمسمائة عام، ومن هنا نستفيد من ابن تيمية.

* صداع بالحق:

لقد كان واضحًا أمام أول حركة علمانية في تاريخ المسلمين، عندما أراد التتار الذين دخلوا الإسلام وتسموا بأسماء المسلمين، أن يتحاكموا إلى دستورهم التتاري «الياسا» وقف بصلابة أمام السلاطين، وأعلن كفر من يتحاكم لغير القرآن، وكفر من يعين على ذلك، لقد كان الإسلام واضحًا أمامه، لم يدجن أفكاره بمغالطات السلاطين، ولم يتخوف من بطشهم، فالقضية قضية إسلام وليست قضية أشخاص، ومن هنا نستفيد من ابن تيمية.

* الاعتدال والاتزان:

لقد ناقش ابن تيمية آراء معظم الفرق الإسلامية، وبرع في الرد عليها، فقد أجاد دراسة المنطق، ليتسلح بسلاح الفلاسفة وبسلاحهم يحاربهم، كما نازل القبوريين والصوفيين المنحرفين أشد منازلة، وأخذ يكشف اتصالهم بالتتار، كما حارب فكرة يونانية وثنية «وحدة الوجود»، رغم أن الهيمنة المشيخية آنذاك كانت للصوفيين، كما هاجم أفكار الفلاسفة التي دخلت على العلوم الإلهية، ورد عليهم بكل ثبات وقوة، ورغم كل هذا ظل ابن تيمية متزنًا في آرائه، ومعتدلًا في أفكاره، يهاجم الانحراف ويبين مواضع الخطأ، ويصحح، ولكنه لا يكفر أحدًا نطق بالشهادتين وعلم بمضمونهما، ولم يخرج عالمًا من علماء الأمة عن دائرة أهل السنة والجماعة ما دام متمسكًا بأصول التوحيد، ولم يتهم أحدًا من العلماء المعتبرين بالزندقة أو الضلال، كان ينصف العلماء ويوقرهم ويقدر أعمالهم، ويجل خدماتهم للدين، ويتعرض لأخطائهم في الاجتهاد أو السلوك بصورة لائقة، كيف لا؟ وقد تربى على أيدي ما يزيد على أكثر من مئتي عالم، أدبوه بأدب الإسلام وسمته في تلقي العلم، ومن هنا نستفيد من ابن تيمية.

* التحرر من تعظيم الرجال:

لقد كان ابن تيمية- رحمه الله- حنبليًا، ولقد درس المدارس الحنبلية ودرس فيها، ولم يمنعه اتباعه لمدرسة ابن حنبل الفقهية أن يخالفه في الرأي والاجتهاد، لقد كان يحمل تقديرًا كبيرًا لإمام أهل السنة ابن حنبل، وكان ابن تيمية يعتبر نموذجًا في عصره، في الاجتهاد وقد أثرى المكتبة الإسلامية بإنتاجه العلمي ومن هنا نستفيد من ابن تيمية.

وأخيرًا... أعتقد أن تلك الثروة الضخمة التي خلفها ابن تيمية في العقائد والتفسير والفقه، تعتبر فائدة جمة لمن أراد أن يستفيد من ابن تيمية.. رحم الله ابن تيمية وجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.

الرابط المختصر :