; من أقوال دعاة الإسلام عن رمضان | مجلة المجتمع

العنوان من أقوال دعاة الإسلام عن رمضان

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005

مشاهدات 72

نشر في العدد 1673

نشر في الصفحة 44

السبت 15-أكتوبر-2005

  • الشيخ جاد الحق: الصوم زكاة للنفس وداع للبر.. وهو للفرد وقاية وللمجتمع صيانة إذ إن في جوع الجسد صفاء القلب.

  • الإمام البنا: شهر الحرية الصحيحة والروحانية الفاضلة والمشقة اللذيذة التي هي أحلى من الحياة.

  • الشيخ محمد عبد الله دراز: التقوى هي الهدف الذي إن أصبته جاءت من ورائه كل الثمرات راغمة.

شهر رمضان يعتبر مقياسًا صادقًا لأخلاق المسلمين، واختبارًا عمليًّا لدرجة إيمانهم، إذا حل هذا الشهر الكريم ظهر الناس على حقيقتهم فكانوا أصنافًا أربعة، الأول: صنف مستهتر متمرد على الله لا قيمة لرمضان عنده أقبل أو أدبر، وليت الجريمة تقف عند هذا الحد، بل تصل أحيانًا إلى درجة البذاءة والاستخفاف بالطاعات، فهو في النهار يجاهر بالإفطار علنًا لا يخشى الله ولا يرعى شعور المسلمين.. وهذا الصنف هو المقصود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين». 

الثاني: صنف يستحيي من الناس ولا يستحيي من الله، فهو أمام الناس يتصنع الصوم ويتكلف الورع، السبحة في يده والتمتمة على شفتيه، فإذا خلا بنفسه باشر كل المتع والملذات، وهذا الصنف هو المعني بقول الله -عز وجل-: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (النساء: 108) وهو في الواقع يسخر من نفسه، وكأنه المعني بما جاء في الأثر: «من عصاني وهو يعتقد أني أراه فقد جعلني أقل الناظرين إليه، ومن عصاني وهو يعتقد أني لا أراه فقد كفر».

الثالث: صنف جاهل يفهم الصوم على أنه إمساك عن الطعام والشراب طوال النهار وحسب، ويفهم الصوم على أنه تسلية وفوازير وسهرات وترف ومظاهر، ولم يفقه أنه فرصة للتخلص من هذه النقائص والأمراض، وهو المعني بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش».

الرابع: صنف عاقل حازم يفهم الصوم على أنه مدرسة للتربية والسمو، تربية للعقول والأرواح وغرس للتقوى في النفوس ثم حراستها حتى يتربى الضمير الحي والشعور المرهف والنفس اللوامة، يأخذ الصوم على أنه مدرسة تربي في المسلم الإرادة الحازمة التي تجعله يستعلي على الضرورات إيثارًا لما عند الله من الرضا والرحمات، فالصوم عنده رحلة ربانية ميقاتها شهر تبدأ باسمك اللهم صمت عن كل شيء إلا طاعتك وتختم باسمك الله أفطرت، وفيما بينهما يقوم لله قانتًا مسبحًا، وهذا الصنف هو المعني بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله ما تقدم ما ذنبه».

هذه هي أصناف المسلمين في رمضان.. فانظر يا أخي من أي هذه الأصناف أنت، فإن كنت من خيرها فلتحمد الله عز وجل، وإن كنت غير ذلك فجاهد نفسك حتى تكون على الجادة إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوی.

رمضان جامعة الإسلام الكبرى

النصر له قانون ثابت لا يتغير ولا يتبدل بل هو نفسه هدف ثابت لا يتنزل ليعانق الناس، لكن على الذين يريدونه أن يصعدوا إليه والصعود -على درج الإيمان لا على أسنة الرماح ولا حتى رؤوس الصواريخ– قانون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

يُقبِل رمضان من كل عام فينساب في قلوب المؤمنين نور، وتتجدد في نفوسهم مشاعر وتحيا آمال، إنه يذكرهم برسالتهم الخالدة ويبين لهم حاجة البشرية إليها، وهي أهم وأولى من حاجتهم إلى الهواء والغذاء والكساء والدواء، ولن تتقدم البشرية أو يروي ظمأها اكتشاف المناجم أو آبار البترول أو قوى الذرة ووسائل الحضارة؛ لأن غذاء الروح روح وغذاء الطين طين.

وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا أقبل رمضان يقول: «أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإليك أخي القارئ ما قاله بعض دعاة الإسلام عن شهر رمضان:

رمضان شهر الحرية

قال الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله-: 

ها هو ذا السحاب ينقشع والغيم ينجاب ويتكشف، والسماء تبتسم عن غرة الهلال، إنه هلال رمضان مرحبًا بك يا شهر الخير مرحبًا بك يا شهر الإنسانية الكاملة، مرحبًا بك يا شهر الروحانية الفاضلة، مرحبًا بك يا شهر الحرية الصحيحة، مرحبًا بك يا شهر رمضان أقبِل. 

أقبِل وأقم طويلاً في هذه الأمة الطيبة المسكينة، وألق عليها درسًا من هذه الدروس البليغة، ولا تفارقها حتى تزكي أرواحها وتصفي نفوسها، وتصلح أخلاقها وتجدد حياتها، وتقيم موازين التقدير فيها، فتعلم أن المطامع أساس الاستعباد، وأن الشهوات قيود الأسر، وأن أساس الحرية الاستغناء، وأن الاستغناء يستتبع المشقة، ولكنها مشقة عذبة لذيذة؛ لأنها ستنتج الحرية، والحرية أحلى من الحياة.

الصوم تربية وتزكية

كتب الأستاذ مصطفى مشهور مرشد الإخوان المسلمين -رحمه الله- عن فوائد الصوم: 

الصوم يربي الجوارح ويهذبها شهرًا كاملًا، فتعتاد ذلك، فلا يقتصر الصوم على شهوتي البطن والفرج، ولكن الصوم الصحيح أن تصوم الجوارح كلها عن كل ما حرم الله، العين والأذن واللسان واليد والرجل بجانب الفم والفرج.

وهذا جانب تربوي مهم في شخصية المسلم، والصوم يكسب صاحبه فضيلة الحلم على الجاهلين، فإذا خاصمه أحد أو سابه واستثاره كظم غيظه وحلم وقال: إني صائم... إني صائم، وما أحوج الداعين إلى الله إلى هذا الخلق من ضبط النفس وسعة الصدر، وعدم الغضب للنفس، وفي هذا كسب لصالح الدعوة.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾(آل عمران:159).

وفي هذا أيضًا توفير للوقت والجهد لصالح الدعوة والإنتاج بدلًا من أن يضيع الوقت والجهد نتيجة الغضب في جدال وخلافات وتحقيقات ومصالحات، ويكون الضحية الدعوة والإنتاج والعمل لها، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: 34).

دروس من صوم رمضان

يقول فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر جاد الحق على جاد الحق: 

وإن الصوم في الإسلام طريق للتهذيب وحسن الاستقامة، وكف للنفس عن الإقدام على متطلبات الغرائز المعوجة كالأنانية والإفراط في تحصيل الرغبات دون نظر إلى ما قد تجر إليه من آثام وأضرار. 

هذا الصيام زكاة للنفس ورياضة، وداع للبر، فهو للفرد وقاية وللمجتمع صيانة، إذ إن في جوع الجسد صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة، فدوام الشبع يورث البلادة ويعمي القلب، فأحيوا القلوب بكثرة الذكر والتفكير وقلة الشبع، وصونوا الأسماع عن كل لغو، وغضوا الأبصار عن كل لهو، ولا تبسطوا الأيدي إلى محظور، ولا تخطوا بأقدامكم إلى ممنوع في الشرع ومنكور في طيب العرف.

رمضان شهر الرجولة المستعلنة

يقول فضيلة الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله-: 

الصوم وسيلة لتربية إرادة الأمة تربية حازمة، فما الصائم إلا رجل يمارس في نفسه التغلب على اللذة المباحة حتى يستطيع التغلب على اللذة الآثمة، ويتعهد نفسه بالامتناع عن المأكل والمشرب مختارًا حتى يستطيع الصبر على الجوع والعطش حين يضطر إلى ذلك اضطرارًا.. ورمضان شهر الرجولة المستعلنة التي تكبح جماح غرائزه، وشهر الإرادة المستعلية التي تأخذ باختيار وتدع باختيار، فما أجمل أن يشمل رمضان الناس جميعًا.

لعلكم تتقون

قال فضيلة الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز -رحمه الله-:

ليس هدف الصوم هو هذا الألم البدني، وإن كان هذا الألم قد يقع في طريقه إن الله عز وجل حين قال لنا: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ) لم يقل لعلكم تتألمون أو تصحون أو تقتصدون، وإنما قال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فجعل الصوم اختبارًا روحيًّا وتجربة خلقية، وأراد منه أن يكون وسيلتك إلى نيل صفة المتقين، وأدائك في اكتساب ملكة التقوى.

التقوى: هذا هو الهدف الحقيقي الذي إن أصبته جاءت من ورائه كل الثمرات مكرهة راغمة، وإن أخطأته فقد أضعت عملك سدى.

قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (الشورى: 20).

الصوم درعك الواقية

قال الإمام عمر التلمساني المرشد الثالث للإخوان المسلمين -رحمه الله-:

يا شباب.. الصوم جنتك ووقايتك وحمايتك، درعك الواقية من كل ما يغضب عليك مولاك، الدعامة التي تقيمك رجلًا في ميادين الجهاد حتى لو اقتضاك الموقف أعز ما يحرص عليه الناس.

أيها الشاب: اخرج من رمضان على غير ما دخلت به فيه، واجعل شغلك الشاغل هذه الدعوة، إنك إذا شغلت نفسك بها جادًّا مخلصًا كفاك الله كل ما يهم الناس في الحياة فيشغلهم عن ربهم.

كُن في عون عباد الله عامة والمجاهدين خاصة يكُن الله في عونك، وقارن في اتزان بين ضآلة عونك لإخوانك وضخامة عون الله لك، تر الربح الرابح الذي امتنَّ الله به عليك.

أنكِر السيئة، وامحها إن استطعت أو تول علاجها راحمًا، ركز على الإساءة ولا تركز على المسيء، فالإنسان قد يصبح على غير ما أمسى عليه، وقد يمسي على غير ما أصبح عليه، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، إن هذا باب من أبواب الخير يفتحه لك رمضان يسهل عليك نشر الدعوة فيحبك الجميع ويستطيبون عشرتك ويستمعون لكلمتك وتدخل يوم القيامة من باب الريان. إن رمضان معهد علم وتربية.. وعبادة ومعاملة.. فأين أنت منه؟

مرحبًا بشهر الهدى والبينات

وكتب فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ عمر التلمساني -رحمه الله- أيضًا يقول:

قال بعض سلفنا الصالح: الصوم صومان: الصوم الظاهر، وهو ما أمر الله بالإمساك عنه مع النية وإنما الأعمال بالنيات، وهذا الصوم هو الذي يراه الناس ويحاسب عليه ولي الأمر القائم بتنفيذ حكم الله.

وهناك صوم آخر لا يعلمه إلا الله وهو حقيقة الصوم فعلًا، وهو المقصود من هذه الفريضة أصلًا، أن تحمل قلبك الإمساك عن كل الآفات، وتسأل الله منها السلامة والنجاة، صم عن كل هذا، وامش إلى ربك ثابت الخطى، صادق العزم، مستمسكًا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، ودع ما عدا ذلك لله، فله الأمر من قبل ومن بعد، لله عاقبة الأمور.

يا شباب المسلمين: طريقكم وعر، وبحركم غمر، والصيام لكم جنة وعتاد، ولا يقوى عليها إلى القوي الأمين الحذر اليقظ الجاد الصامد المضحي الذي يذوب فرقًا، خشية أن يطلع الله من دخيلته على ما لا يحبه ويرضاه لعباده المقربين.. أصحاب الروح والريحان وجنة النعيم.

إن الصوم الظاهر ينتهي بانتهاء اليوم بغروب الشمس، فيعود الصائم إلى وضعه في الحياة بفرحته عند فطره، ويتساوى في هذا الأكثرية الكاثرة من الصائمين،

أما صوم الخلص المتقين فلا نهاية له، لا ينتهي بغروب ولا يبدأ بشروق ولا تعد معه الساعات ولا تحدد فيه الأوقات.

المراقبة

يقول الأستاذ الإمام محمد عبده -رحمه الله-:

إن الصوم يحدث لصاحبه ملكة المراقبة لله تعالى، والحياء منه سبحانه، وفي هذه المراقبة أكبر مُعدٍّ للنفوس، ومُهيئ لها السعادة في الآخرة والاستقامة في الدنيا. 
انظر هل يقدم من صدق مع الله في صومه وراقبه فيه مخلصًا؛ على غش الناس ومخادعتهم؟

هل يسهل عليه أن يراه الله آكلًا لأموالهم بالباطل؟ هل يحتال على الله في منع الزكاة؟ أم هل يحتال على أكل الربا، هل يقترف المنكرات جهارًا أو يسدل بينه وبين الله في المعاصي ستارًا؟ 

كلا إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله، وإذا نسي وألم بشيء منها كان سريع التوبة قريب الأوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف:201).

مسؤولية الأخت المسلمة

كتبت الداعية المسلمة الحاجة زينب الغزالي -رحمها الله-:

أيها المسلمون.. إنه شهر القرآن قد أظلكم.. فهل أنتم أهله؟ فإن كنتم.. فابحثوا فيه لمن العزة في الأرض اليوم؟ فإن وجدتموها لغيركم فاسألوا أنفسكم لماذا لا تعود إليكم من جديد؟ وهل آن لنا -رجالًا ونساء في شهر القرآن- أن نستيقظ من غفلتنا تلك التي جعلتنا نعيش في عالم متخلف؟ 

هل آن للأمهات أن يعلمن أنهن مسؤولات عن ذلك التخلف؛ لأنهن بانيات الرجال والنساء، إلى متى سيظل البناء بغير أساس؟ إن رمضان شهر عزيز على النفس المؤمنة حبيب إلى القلب الصالح، وهو كذلك له کرامته وهيبته لدى عامة المسلمين، إنه شهر كريم فيه تحلو الذكريات ذكريات النصر والاستبسال، فهيا أهل الإسلام كونوا عباد الله إخوانًا، وخذوا الشهر بقوة واجعلوه شهر نسك وزهد وفضيلة ورجعة وتوبة:

﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف: 170)، فعلينا أن نأخذ رمضان شهر جهاد ومصابرة ودراسة مدققة لنعلم كيف نعيد الأمة الإسلامية بمنهجها القرآني في تلك الدنيا التي أصبحنا فيها عبيدًا بعد أن كنا سادتها.. فكيف نتحرر؟

هذا سؤال أوجهه إلى كل الأمهات المسلمات لعلهن يدركن مسئولياتهن فيرجعن إلى الله رجعة عاقلة تحت شهر الرحمة والمغفرة. 

د. مجدي الهلالي - quraann@hotmail.com

حدد هدفك .. ماذا تريد من رمضان ؟

إحياء القلب وملؤه بالإيمان واستمرار الاستقامة بعد رمضان

السلوك الصحيح والعمل الصالح في كل الاتجاهات والأوقات من مظاهر النجاح

ها هي الأيام تمضي، وها هو رمضان قد أتانا حاملًا معه -كما عودنا- بشريات كثيرة، ومنحًا عظيمة ما بين مغفرة للذنوب وعتق من النار، ورفع للدرجات ومضاعفة للحسنات.

فماذا عسانا أن نفعل معه ؟!

إنها فرصة لا تتكرر إلا مرة كل عام، وما يدريك أين تكون في العام القادم؟!!

فهيا بنا نحسن الاستفادة من هذه المنحة...

هيا بنا نغتنم الفرصة، ونتعرض للنفحة ونتسابق في الخيرات.

ولكن قبل أن نبدأ السباق لا بد أن نحدد هدفنا الرئيس الذي نريد أن نبلغه في هذا الشهر حتى نضع الوسائل المناسبة لتحقيقه.

قبل أن نبدأ:

قبل أن تحدد هدفك تذكر هذه الأمور: 

  • أننا نريد أن تستمر عرى الاستقامة والهمة العالية لفعل الصالحات بعد رمضان.

  • الاستمرار على الاستقامة بعد رمضان يستلزم زيادة حقيقية للإيمان في القلب. 

  • أن الرجلين يكون مقامهما في صف الصلاة واحدًا، وبين صلاتهما ما بين السماء والأرض، وليس ذلك لاختلاف حركات البدن، ولكن لاختلاف ما في قلبيهما من إيمان وخشوع.

  • أن الله عز وجل يحب منا أن يحضر القلب أثناء الطاعة: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الحج: 37).

  • أن حضور القلب مع الطاعة أكثر ثوابًا بمشيئة الله من عدم حضوره.

  • لو أن ملكًا من الملوك أهدى إليه أحد رعيته جواهر كثيرة مقلدة ورديئة، بينما أهدى إليه آخر جوهرة واحدة حقيقية.. فأيهما سينال حب الملك.. وأيهما سيقرب منه ويجزل له العطاء؟ 

لعلكم تتقون: فإن كان الأمر كذلك فماذا ينبغي أن يكون هدفنا من زيارة رمضان؟

ألا توافقني -أخي الكريم- أن الهدف الأسمى هو إحياء القلب وملؤه بالإيمان لتدب الروح في الأعمال وتستمر الاستقامة بعد ذهاب رمضان!

ألم يحدد لنا القرآن هذا الهدف في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

وهل التقوى إلا صورة ومظهر عظيم لحياة القلب وتمكن الإيمان منه؟!

فلنرفع علم التقوى ولنضعه نصب أعيننا ولنشمر للوصول إليه خلال هذا الشهر الكريم.

مظاهر النجاح

ومظاهر نجاح الواحد منا في الوصول إلى هذا الهدف هو تغيير سلوكه، فعندما يحيا القلب ويزداد منسوب الإيمان فيه، فإن هذا من شأنه أن يدفع صاحبه للسلوك الصحيح والعمل الصالح في كل الاتجاهات والأوقات بتلقائية ودون تكلف.. ألم يقل سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32)؟!

وعندما سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامات ومظاهر دخول النور القلب وإحيائه له قال: «التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله» (أخرجه الحاكم).

ومن مظاهر التجافي عن دار الغرور: قلة الاهتمام بالدنيا، وعدم التلهف في تحصيلها وعدم الحزن على فواتها، وترك التنافس من أجلها، وعدم حسد الآخرين عليها، والرضا بالقليل. 

أما الإنابة إلى دار الخلود فتظهره المسارعة إلى فعل الخيرات وشدة الورع، وتقديم مصلحة الدين على جميع المصالح الدنيوية عند تعارضهما. 

ومن مظاهر الاستعداد للموت قبل نزوله التحلل من المظالم، ورد الحقوق ودوام الاستغفار والتوبة، وكتابة الوصية.

الوسائل

ووسائلنا لتحقيق هدفنا العظيم هي الوسائل المعروفة لدينا، والتي مارسناها من قبل، ولكننا سنتعامل معها بطريقة تهتم بكيفية تفعيلها وتحري القلب معها.

وأعظم وسيلة تقوم بإحياء القلب وزيادة الإيمان فيه هي القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: ۳).

والأمر اللافت للانتباه أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين رمضان والقرآن؛ فرمضان هو الشهر الذي فضله الله عز وجل واختصه بنزول أعظم المعجزات فيه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة:١٨٥).

إن القرآن له تأثير عظيم على القلوب: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الرمز:23).

معنى ذلك أننا لا نستطيع أن نصل إلى هدفنا بدون القرآن وأعظم وأهم وقت يستفاد فيه من القرآن هو رمضان، بل قل: إنه موسم القرآن الخاص لذلك ينبغي أن يكون معنا القرآن كل يوم... في تلاوتنا في الصلاة وفي تلاوتنا خارج الصلاة.. وفي مدارستنا لبعض سوره وآياته، وفي استماعنا في صلاة التراويح والتهجد، ولكن لا ينبغي أن يكون همنا كم ختمة سنختمها؟ بل سيكون همنا كم مرة تأثر القلب واقشعر الجلد وبكت العين؟ وهذا يستلزم منا قراءة متأنية مترسلة بترتيل وتباك وأن نعمل عقولنا في فهم ما نقرأ من آیات.

العمل الصالح

ومع القرآن تأتي الأعمال الصالحة التي تزيد الإيمان وترفعه، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: ۱۰)، والأعمال الصالحة المتاحة أمامنا في رمضان وغيره كثيرة فهناك الدعاء والذكر والعمرة والاعتكاف وصلة الرحم والإحسان إلى الجار والدعوة إلى الله وقضاء حوائج الناس و......

وكلما استفاد المرء من إيمانه الذي أنشأه القرآن في قلبه وذلك بإلحاقه بالعمل الصالح، فإن هذا من شأنه أن يعود بأثر عظيم على القلب فتزداد حياته ومستوى الإيمان فيه فالعمل الصالح بمثابة الماء للبذر والزيت للسراج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ (فاطر: 29).

والله الموفق وهو المستعان وعليه التكلان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 71

133

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

من يصلح للإرشاد؟

نشر في العدد 400

85

الثلاثاء 20-يونيو-1978

وجاءت سكرة الموت

نشر في العدد 321

76

الثلاثاء 19-أكتوبر-1976

التعليق الأسبوعي (321)