; من أوراق أخصائية اجتماعية: من أخطاء التربية | مجلة المجتمع

العنوان من أوراق أخصائية اجتماعية: من أخطاء التربية

الكاتب نادية البراك

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993

مشاهدات 29

نشر في العدد 1062

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 17-أغسطس-1993

إيمان فتاة مرحة في الثامنة عشرة من عمرها، طالبة خلوقة ومؤدبة ومتفوقة في دراستها، الكل كان يحبها من مدرسات وطالبات، ولذا؛ فلم أكن أتوقع أن تواجهني يومًا ما مشكلة بخصوصها، لكن هذا ما حدث!

- ذات يوم- حضرت والدة «إيمان» لزيارتي وكنت قد اعتدت على رؤيتها في لقاء الأمهات بين فترة وأخرى، وكان لقائي بها في كل مرة قصيرًا متعجلًا فإيمان كما ذكرت طالبة خلوقة متفوقة وبالتالي لم تكن والدتها قلقة بشأنها حول هذا الأمر، لكن حديثنا في ذلك الصباح كان مختلفًا تمامًا!

قالت الأم تسرد مشكلتها:

أنت تعرفين «إيمان» ابنتي جيدًا، الجميع يثني على أخلاقها وتفوقها، لكنني جئت لأمر آخر اليوم، أمر بات يؤرقني في الأيام الأخيرة ويثير ألمي وحزني.

- خيرًا -إن شاء الله-

قالت بِأَسى:

- مشكلتي مع ابنتي ليست في أمر أخلاقي فهي ابنة مؤدبة مطيعة محبة لي ولوالدها وإخوتها.

تساءلت بدهشة:

  • أين المشكلة إذن؟

- أجابت بضيق:

المشكلة تكمن في العلاقة العاطفية بيننا كأم وابنة.. أشعر بابنتي قريبة منِّي وبعيدة عني في نفس الوقت.. بمعنى أدق أشعر أن هناك جفاءً في علاقتنا رغم ما يسودها ظاهريًا من مرح وحب وتفاهم.. نعم أشعر أن ابنتي تحبني كثيرًا، لكنها لا تعبر عن هذا الحب صراحة لا تكاشفني بما في نفسها عن عواطفها تجاهي، بل مع الأسف أشعر أن هناك نوعًا من الجفاء أو الجمود فيما بيننا، أشعر أنها ترتاح لشقيقتي الصغرى أكثر منِّي، تبوح لها بأمور كثيرة منها المهم ومنها التافه، وكنت أتمنى لو أنها جلست وحكت لي هذه الأمور لكنها أبدًا لا تفعل.. أشعر بأن علاقتي بها رسمية إلى حد ما.. لا أشعر أنني قريبة منها عاطفيًا ونفسيًا.. -بصراحة- هذا شيء يؤلمني، يهمني جدًا أن أكون أقرب شخص إلى قلبها، لو كانت «إيمان» فتاة غير اجتماعية، منطوية لقلت إن هذا قد يكون سببًا لكنها كما تعرفين فتاة اجتماعية مرحة وعاطفية أيضًا، لكنها معي أنا بالذات جامدة -نوعًا ما!

لقد بات هذا الأمر يقلقني ويحيرني.. ترى هل العيب فيّ أنا؟ أو فيها؟ أو في كلينا معًا؟ لست أدري!

انتهى حديث الأم وكان لابد من معرفة الرأي الآخر في القضية، لذلك لم أتردد في استدعاء «إيمان» إلى مكتبي بعد لقائي بالأم بعد أيام.. جاءت إيمان تسبقها ابتسامتها المرحة وبعد الحديث عن الدراسة والطالبات، تطرقت -شيئًا فشيئًا- إلى الحديث عن أسرتها وراحت تحدثني بحب عن والديها وإخوتها و... إلخ بعد ما يقارب النصف ساعة من حديثنا واجهتها بما دار بيني وبين والدتها من حديث وكنت أتوقع منها نفيًا ودفاعًا عن نفسها، لكني لدهشتي الشديدة صارحتني ببساطة شديدة ودون تردد:

نعم يا أبلة كلام والدتي صحيح.. إنني أشعر حقًا بهذا الجمود الذي يسود علاقتي بها، وهذا الأمر يضايقني كذلك، صدقيني لقد حاولت كثيرًا أن تكون علاقتي بها كما هي مع غيرها مثل خالتي مثلًا لكنني لم أستطع.. حاولت كثيرًا وفشلت.

تساءلتُ باهتمام:

- لكن ما السبب الأصلي وراء هذا الجمود والجفاء؟ قبل أن نبحث عن الحل يجب أن نعرف السبب؟

أرخت «إيمان» بصرها إلى الأرض وقالت: لست أدري بالضبط، لكن ربما الأمر يتعلق بالماضي حين كنا صغارًا، كانت والدتي وقتها تعاملني بشيء من القسوة، لم أكن أستشعر الحنان من أمي وأنا صغيرة، علاقتنا بها أنا وإخوتي كانت جافة -نوعًا ما- يسودها الرهبة والخشية من عقابها إذا ما أخطأنا، لذا فقد اعتدنا على أن تكون علاقتنا بها رسمية -نوعًا ما، علاقة يغلب عليها الخوف أكثر من الحب والحنان.. الآن بعد أن كبرنا صارت أمي أكثر حبًا ولِينًا معنا.. لكني -بصراحة- لا أستطيع أن أنسى معاملتها القاسية لنا في الصغر، اعتدت على الرسميات والجمود في علاقتي بها، وهذا أمر يصعب علي تغييره الآن، إنني أحبها وأدرك جيدًا أن قسوتها تلك كانت بسبب ظروف خاصة مرت بها، أو أنها كانت تهدف لما ينفعنا، لكني ما حيلتي وأنا عاجزة على أن أكون معها كما تريد، حاولت كثيرًا أن أكسر هذا الجمود وهذا الحاجز الذي بيني وبينها فلم أستطع، لم أعتد في الماضي على أن أعبر عن عواطفي لها، لم أتعود على أن أحدثها عن خصوصياتي ومشاعري، اليوم لا أستطيع أن أفعل ذلك أيضًا، لأنني -كما قلت- لم أعتد ذلك.. حاولت كثيرًا وفشلت صورة الأم القاسية التي عرفتها في صغري تكبر وتتضخم إلى جانب صورة الأم الحنونة التي لم أعرفها إلا منذ فترة بسيطة.

انتهى كلام «إيمان»، ولم أجد ما أقوله لها، لكنني ظللت أيامًا عديدة أفكر فيما قالته لي.. ويل للآباء والأبناء من هفوات بسيطة تصدر من أحدهما، فلا يدركون مغبتها إلا في المستقبل.. مسكينة هذه الأم التي أخطأت بحق أطفالها ونفسها -دون قصد- منها، ومسكينة كذلك هذه الابنة التي لم يكن لها يد في ما حصل.

كم من الأمهات تعامل أبناءها بقسوة، لا تراها هي كذلك إطلاقًا، بل تراها من دافع حبها ومحبتها لهم وحرصها على تقويم سلوكياتهم، لكنهم هم يرونها بمنظار آخر غير ما تراه هي.

كم من أم ضربت وعاقبت على أخطاء وهفوات بسيطة! كم من أم صرخت وشتمت فأثارت الرعب في قلوب صغارها دون أن تدري! كم من أم انشغلت بهذا وذاك من الأعمال المنزلية التي لا تنتهي غافلة عن جلسة حب وحنان تجمعها بأطفالها! وفي كل الأحوال يكون الأبناء هم الضحية!


اقرأ أيضًا:

دور البيت ودور المدرسة (من أوراق أخصائية اجتماعية)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 478

86

الثلاثاء 29-أبريل-1980

الرأي الآخر ما زال مضطهداً

نشر في العدد 1311

71

الثلاثاء 04-أغسطس-1998

رأي القارئ(1311)