العنوان من الحياة.. العمرة الصيفية .. وثمارها الأسرية
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 10-يوليو-2010
مشاهدات 40
نشر في العدد 1910
نشر في الصفحة 54
السبت 10-يوليو-2010
د. سمير يونس
dr_samiryounos@hotmail.com
أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.
حلت بنا العطلة الصيفية، بعد أن انتهى العام الدراسي، بما فيه من عناء ودراسة وبدأت الأسر والبيوت تتساءل: كيف نقضي هذا الصيف؟ هل سنسافر؟ وإلى أين؟ هل سنقضي الصيف على الشواطئ؟ هل سنبقى دون سفر ونتابع مباريات كرة القدم. أم نقضي أوقاتنا بين مواقع الإنترنت والمنتديات والفضائيات؟ إن عطلة الصيف أيام طويلة كثيرة، وهي جزء من عمر الإنسان الذي سيحاسبه عنه ربه كما جاء في حديث النبي صلي الله عليه وسلم لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه ؟ وعن علمه ما عمل به (رواه الترمذي). لا أعنى بكلامي هذا أن يحبس الناس أنفسهم وأولادهم داخل الجدران، بل أريد أن يستثمر الآباء العطلة الصيفية فيما يفيد أفراد البيت المسلم، حتى إن خرجوا أو سافروا للتنزه والسياحة والترفيه، فرحلات الصيف ونزهاته إنما هي استشفاء بعظيم صنع الله في الطبيعة من ماء وهواء وشمس ومناظر طبيعية خلابة، وما أعظم الرحلات التي يستمتع فيها الإنسان ويرفه عن نفسه وفي الوقت ذاته يستفيد تربويا وإيمانيا، ومن أعظم رحلات الصيف وأمتعها شعيرة العمرة وهي موضع حديثنا.
● عمرة الصيف تربية وسياحة
من أعظم الاستثمارات الأسرية أن يكون ضمن البرنامج الصيفي للأسرة عمرة، وأن يوضع لهذه الرحلة المباركة برنامج، ففي مثل هذا البرنامج صقل لشخصيات أفراد الأسرة وغرس للقيم والمثل في نفوسهم، ذلك أن العمرة هي تربية بالحدث، ولرؤية البيت الحرام مهابة وإجلال. كما أن برنامجا لهذا في رحلة العمرة يكسب أفراد الأسرة جميعا مفاهيم دعوية وأخلاقا إسلامية نحن في أشد الحاجة إليها.
إن في رحلة العمرة لفرصة عظيمة المعايشة الوالدين لأولادهم، وتوطيد العلاقة بهم، والاهتمام بمواهبهم وقدراتهم. وعلى قدر الجهد المبذول في تخطيط برنامج الرحلة ووضع خطة جيدة.. تكون الفائدة التربوية العائدة على الأسرة. ولكي تنجح الأسرة في وضع خطة جيدة للعمرة يجب أن تضع في حسبانها عدة أمور أهمها :
● (أ) تحديد مستوى أفراد الأسرة
فيجب على من يخطط برنامج العمرة أن يجيب عن عدة أسئلة، وذلك لتحديد مستوى أفراد المستفيدين من برنامج العمرة وأهم هذه الأسئلة ما يلي:
1 - ما أعمار الأفراد المشاركين في العمرة؟
۲ - ما نقاط الضعف المستهدف علاجها ؟
ما نقاط القوة التي يجب دعمها ؟
٤- ما الأهداف المرجو تحقيقها من برنامج
العمرة؟
ه - ما الوسائل والأنشطة المناسبة المحققة
لأهداف البرنامج؟
وغير ذلك من الأسئلة التي تلامس واقع أفراد الأسرة.
● (ب) صياغة الأهداف:
كثيراً ما نقرأ أهدافاً لمثل هذه البرامج فنجدها أهدافاً جميلة، لكنها صعبة التحقيق، وصعبة القياس، وأحيانا نجدها غير محددة، وليست واضحة..
والأهداف هي البوصلة التي ينبغي أن نهتدي بها في مثل هذه البرامج، فالمربي الناجح هو الذي يصوغ الأهداف بوضوح ودقة، بحيث يمكن تحقيقها وملاحظتها
وقياسها، وأن تكون هذه الأهداف واقعية لا خيالية، فقد نطالع هدفا صيغ كما يلي:
رفع إيمانيات أفراد الأسرة».
فهذا هدف جميل وعظيم، ولكنه صعب القياس، لذا ينبغي أن يجزأ إلى عدة أهداف بحيث يسهل تحقيقها وقياسها، كما يلي:
- أن يحافظ على صلاة الفجر في المسجد الحرام.
-أن يواظب على ترديد الأذكار.
- أن يمكث في المسجد الحرام حتى صلاة الضحى.
- أن يحرص على صلاة الضحى.
- أن يواظب كل فرد على ورده القرآني.
- أن يصلي ثماني ركعات قيام في الحرم.
- أن يواظب على أداء جميع الصلوات بالمسجد الحرام.
- أن يكثر من النظر إلى الكعبة والمسجد الحرام.
- أن يكثر من التفكر في قدرة الله تعالى. - أن يتفاعل وجدانيا مع المواقع التاريخية التي شهدت جهاد النبي وأصحابه رضي الله عنهم.
فالهدف الواحد الذي صيغ أولاً (رفع إيمانيات أفراد الأسرة) هو هدف جميل وعظيم، ولكنه صعب القياس، فلما جزأناه إلى أهداف - كما أوضحنا أنفا - صار قياسه
أيسر وأسهل.
● مراحل البرنامج ومكوناته
● (أ) المرحلة الأولى: (ما قبل العمرة)
فعلى المربي في هذه المرحلة أن يؤدي
عدة أدوار مهمة، وهي:
1 - تهيئة الأفراد ذهنياً وروحياً
ففي الجانب العقلي ينبغي أن يقوم المربي بتدريس أحكام العمرة لأفراد الأسرة قبل السفر بفترة كافية، ويفضل هنا أن يستخدم الصور أو مقاطع الفيديو التي توضح ذلك وإجراء مناقشة حول هذه الشعيرة، بعد قراءة أفراد الأسرة لبعض الكتيبات التي تتناول فقه العمرة.
ويحسن بالمربي عند تهيئته لأفراد أسرته قبيل العمرة أن يحفزهم لأداء العمرة فيذكرهم بأجرها العظيم، كقول رسول الله صلي الله عليه وسلم العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما (رواه البخاري)، وكقوله صلي الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه (رواه أحمد وابن ماجه). - توزيع كتيب صغير على أفراد الأسرة ليكون مرجعا لكل فرد عند الحاجة. توزيع المهام والتكاليف على أفراد الأسرة، لاستثمار طاقاتهم ومواهبهم، فمنهم من يكلف بإعداد المسابقة مثلا، ومنهم من يعد برامج السمر، ومنهم من يكلف بخدمات الطعام، ويكلف القادر منهم بإعداد بعض الخواطر الإيمانية أو التاريخية.. وهكذا.
● (ب) المرحلة الثانية في الطريق إلى العمرة
لهذه المرحلة . أهميتها، وخاصة إذا خطط لها جيدا، ويمكن تضمين هذه المرحلة بعض المناشط المؤثرة كسماع شريط به موعظة من داعية مؤثر، أو سماع قصة من أحد أفراد الأسرة، أو سماع خاطرة من أحدهم، وترديد التسبيح والاستغفار والدعاء، وتلاوة الورد القرآني، وإنشاء الأناشيد الدينية، وإجراء مسابقة والتعريف بالأماكن التاريخية التي تحمل ذكريات إسلامية مؤثرة في تربية الأفراد.
● (جـ) المرحلة الثالثة في أثناء العمرة)
تستثمر هذه المرحلة في
١- تعويد أفراد الأسرة تحمل المسؤولية، والعمل من خلال فريق وروح الجماعة وحسن الطاعة.
٢ - وضع شعار لكل يوم يحمل قيمة معينة أو خلقا محددا ، أو عبادة ما ، ومن هذه الشعارات على سبيل التمثيل لا الحصر
- يوم الصدق ويوم الإيثار، ويوم الاستغفار، ويوم الذكر. إلخ، ومن المفيد تعليق لوحات معدة بإتقان يكتب فيها آيات قرآنية، وأحاديث نبوية وحكم ومأثورات ثرية تتناسب مع أهداف اليوم، وتعلق هذه اللوحات في المكان الذي يسكن فيه أفراد الأسرة، ويذكر أفراد الأسرة بعضهم بعضا بهذه المعاني، ويمكن عقد حلقات مدارسة لهذه المعاني، ويسهم في المناقشة كل فرد في الأسرة، ويديرها أحدهم، وفي ذلك تدريب لهم على الحوار، والتحدث وإدارة الندوات وحلقات المناقشة، وهي مهارات مهمة في الدراسة وفي شتى مواقف الحياة.
٣- حضور المعتمرين بعض دروس العلم والمحاضرات، وتلخيصها، ومناقشتها، يراعى أن تتنوع لتناسب احتياجات أفراد الأسرة بمختلف أعمارهم ومستوياتهم. ٤- مهاتفة ذوي الأرحام بنية صلة الرحم والاطمئنان عليهم، وإخبارهم بالدعاء لهم في العمرة.
٥- زيارة الأماكن التي تحمل ذكريات الإسلام، والنبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم، والتذكير بأيام هذه الأماكن بهدف أخذ العظة والعبرة، واستخلاص الدروس المستفادة، ومن هذه الأماكن مثلاً : بدر، وأحد وخيبر، والبقيع، وعرفة، وغيرها، فمن ثمار ذلك جعل المسلم يعتز بدينه، ويفخر بنبيه صلي الله عليه وسلم ويزداد تمسكا بسنته، وتعظيم جهاد النبي صلي الله عليه وسلم وصحبه، الذين جاهدوا في سبيل الإسلام، حتى أوصلوا لنا هذا الدين القيم.
● (د) المرحلة الرابعة: (ما بعد العمرة)
ثمة أمور مهمة يجب أن ينتبه إليها الآباء، ومن أهمها:
1- تقويم رحلة العمرة تقويماً شاملاً شفهيا وكتابيا لمعرفة الإيجابيات ونقاط القوة، وتحديد السلبيات تمهيدا لتلافيها وعلاجها في المرات السابقة.
٢- على الآباء أن يحددوا القدرات التي اكتشفوها في أفراد الأسرة، والسعي إلى تنميتها وتطويرها.
٣- تحقيق التسامح والتغافر بين أفراد الأسرة، وتوصية بعضهم بعضا أن يظلوا على هذا المنهاج باستمرار.
● أسس نجاح العمرة الأسرية
لكي تنجح العمرة الأسرية ينبغي للآباء مراعاة بعض الأسس أهمها:
1- إتقان التخطيط وحسن الاستعداد والتهيئة قبل تنفيذ العمرة.
٢- توزيع المهام على جميع أفراد الأسرة كل حسب ميوله وقدراته.
٣- إشراك القادرين من أفراد الأسرة في إدارة بعض الفقرات أو الأنشطة.
٤- حسن إدارة الوقت، والمهارة في إدارة الفقرات.
٥- تزويد كل فرد من أفراد البيت بنسخة من برنامج العمرة، وتعليق البرنامج في مقر السكن، فذلك يساعد الفرد على حسن الاستعداد والمواظبة على جميع الأنشطة والفقرات.
٦- الاهتمام بالزيارات الميدانية للأماكن المقدسة والتي تذكر بتاريخ الإسلام، ومدارستها باهتمام، لأخذ العظة
والعبرة والدروس المستفادة منها ، وكذلك من المفيد زيارة المؤسسات التربوية والخيرية الحديثة، كمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ومراكز تحفيظ القرآن الكريم.. وغيرها.
٧-تضمين البرنامج أنشطة ترفيهية كالسباحة، والتسوق، أو ممارسة رياضة معينة على أن يكون حجم هذه الأنشطة معتدلا دون إسراف.
٨ - الحرص على تقويم كل يوم من أيام العمرة، وليكن ذلك في آخر اليوم مساء والاستفادة من التغذية الراجعة لهذا التقويم في تلافي نقاط الضعف في الأيام التالية.
٩- الحرص على تقارب الوالدين من الأولاد، والتعايش معهم فترات طويلة.
۱۰ - استثمار شعيرة العمرة في التسامح والتغافر بين الزوجين، وكذلك بين جميع أفراد الأسرة بعضهم بعضا، وبينهم وبين ذوي الأرحام.