; من الحياة: تأملات في التغيير | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة: تأملات في التغيير

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2007

مشاهدات 69

نشر في العدد 1761

نشر في الصفحة 57

السبت 21-يوليو-2007

إن المتدبر في التاريخ والأحداث لا يشك لحظة في أن التغيير هو طريق النجاح والرقي، سواء أكان ذلك للفرد أم للمجتمع. وأفضل من غير في العالم هو محمد صلى الله عليه وسلم  الذي حمل الرسالة إلى المجتمع البشري قولاً وعملاً، وتوجيهاً وسلوكاً. فعدل بها موازين الحياة التي كانت مختلة آنذاك، فبدل مكان السيئة الحسنة، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد فعدل مجرى التاريخ، وغير مجرى الحياة في عالم البشر، ولا يمكن إدراك حجم التغيير الإيجابي الذي حققه هذا الرسول العظيم والنبي الكريم، إلا إذا قارنا بين ما آلت إليه البشرية بمقدم هذا النور المبين، وبين البيئة التي سبقت مقدمه صلى الله عليه وسلم  .

بم بدأ صلى الله عليه وسلم؟

عندما بعث رسولنا العظيم كانت لديه الإرادة القوية في التغيير، وحسبه دافعا إلى ذلك أن ينفذ أوامر ربه ويبلغ رسالته، فبأي شيء بدأ التغيير؟ لقد بدأ رسول الله بتغيير الأفكار، وتنقية العقل من الخرافات، ورده إلى جادة الصواب بعد الشطط.. لم يهتم رسولنا الكريم في بداية التغيير ببناء العمارات وناطحات السحاب، ولكنه بدأ بتغيير البشر، وكانت بدايته مع البشر. هي تغيير العقل والفكر، ذلك أن الاستثمار في البشر لا يقارن أبدا بالاستثمار في الحجر، فالاستثمار في البشر أغلى ثمنا وأعظم قيمة، لأن هؤلاء البشر إذا تغيروا فإنهم يستطيعون بناء الحجر وركوب البحر وتغيير العالم بأسره، أما الحجر، فماذا يصنع بالبشر؟ هل يستطيع الحجر أن يغير البشر ؟!! إن تغيير فكر أمة هو التحدي الذي يواجه أي مريد للإصلاح، وهذا ما صنعه رسول الله ، وخاصة إذا كان فكر الأمة قد انحرف بها عن الهدف من خلقها، لذا كان الشغل الشاغل لرسول الله هو أن يبني عقولاً مفكرة، وينقي ما بها من فكر زائف، ويحيي قلوبا قد ماتت وتبلدت، ويصنع رجالاً يفتحون الدنيا بنور الإسلام والإيمان

بين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام:

كلا النبيين إبراهيم عليه السلام ومحمد سعى إلى التغيير، بيد أن إبراهيم عليه السلام لما يئس من حواره مع قومه قام بتكسير الأصنام بنفسه. وحدث ما حدث ولندع القرآن الكريم يقص علينا ما دار بينه وبين قومه ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ  إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ  قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ  وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ  فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ  قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ  قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ  ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ  أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ  قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [الأنبياء 51:70] أما محمد فقد بدأ بتغيير فكر الذين كانوا يعبدون الأصنام أولاً، ولم يتعجل في تكسيرها بيده، فلما رباهم وصحح فكرهم، وغير عقولهم.. قاموا هم أنفسهم بتكسير هذه الأصنام بعد اقتناع، فقد شارك في تكسيرها عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وأبو سفيان، وهم أنفسهم الذين شاركوا في تشييدها بالأمس واليوم هم الذين يكسرونها بأيديهم بعد أن غير النبي أفكارهم وأعاد عقولهم إلى صوابها وفطرتها. من هنا يجب على قادة الفكر والإصلاح والتربية أن يتعلموا من رسول البشرية، وأن يبدأوا كما بدأ خير الأنام ومصلح البشرية ومنقذها ، فإنك إذا شيدت برجا فخما فيه جميع الإمكانات والأجهزة وسكنه متخلفون لم تتغير أفكارهم ولم تتطور عقولهم... فإن مصير هذا المبنى المشيد معلوم ومعروف.. إلى تخريب ودمار.

تفاءل ولا تيأس:

وينبغي للقادة والمصلحين وأرباب التربية ألا ييأسوا فالتغيير الفكري يحتاج إلى صبر وقوة، ويجب أن يدركوا حجم التبعات والمسؤوليات الواقعة على كاهلهم، وأنهم أجدر من يقوم بهذا التغيير، كما يجب عليهم أن يوقنوا بأنهم إذا لم يصبروا حتى يغيروا .. فليس غيرهم يقدر على هذا التغيير فيهم يناط التغيير والتطوير، وعليهم أن يعلموا أن طريق التغيير محفوف بالمكاره والصعاب، وأنه ستواجههم عقبات كؤود، وأن كثيرا من العامة والجهلاء وأصحاب المصالح الشخصية سيتصدون لهم، كما أن غيرهم ربما يخالفهم في الرأي، ومن هنا وجب عليهم أن يستعدوا لذلك كله بصبر جميل وعزم شديد، وإرادة قوية واحتساب للأجر والثواب عند الله الوهاب إن التفاؤل من أهم عوامل النجاح في التغيير، فهو وقود الإصرار والعزم، والقائم بالتغيير إذا أصيب بالإحباط فلن يغير شيئا.

احذر مثبطات التغيير:

إذا كنت من الراغبين في تغيير ذاتك، أو من هم حولك... فاحذر مثبطات التغيير ومفسداته، ومن أهمها :

١-عدم تشخيص الواقع ورفعه بدقة.

٢-الشعور بالشك وعدم الارتياح للتغيير، ومن الأخطاء الشائعة في ذلك ، ليس بالإمكان أفضل مما كان .. فهذه مقولة القاعدين الكسالى المخلدين إلى الأرض. 

٣-الخوف من المجهول الذي قد يأتي به التغيير، أو ضعف الثقة في ضمان النتائج الإيجابية، وهذا الخطر يعالج بالتفاؤل والأمل، وحسن الدراسة والتخطيط والتنفيذ.

٤-الخوف من فقدان العلاقات الاجتماعية أو المناصب الحالية، ويعالج ذلك بتقوية العقيدة وتصحيحها.

٥-الشعور بالعجز وإدمان الشكوى وقلة العمل، فكثير من الناس لا يحاول التغيير لشعوره بالعجز فيركن إلى الشكوى دون مبادرة لإصلاح واقعه وتغييره، لذا فقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم  في دعائه المأثور الذي جاء فيه وأعوذ بك من العجز والكسل …

الرابط المختصر :