; من الحياة- حتى لا تضيع ثمار أفئدتنا | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة- حتى لا تضيع ثمار أفئدتنا

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 18-يوليو-2009

مشاهدات 68

نشر في العدد 1861

نشر في الصفحة 56

السبت 18-يوليو-2009

إنه لأمر مؤلم أن ترى ابنك - أو بنتك - ثمرة فؤادك يضيع من يديك، ولا تستطيع أن تستنقذه، فقد يتغير سلوك الابن أو البنت فيضعف الجانب الأخلاقي لديه أو لديها - وقانا الله شر ذلك - وقد يفاجئك ابنك - أو بنتك - ببعض الأفكار الغريبة على ديننا وقيمنا وثوابتنا.. إنه لشديد على النفس أن تجد ثمار الأفئدة تضيع بسبب صحبة سيئة، أو تنجرف في تيارات سلوكية بغيضة، ويُفاجأ الأبوان بأن الأبناء أصبحوا غرباء عنهما، بعد أن تمكنت منهم تلك التغيرات السلوكية المهلكة.

الآباء يشكون

ابني وجهازه النقال:

يقول أحد الآباء كنت أقرأ في وجه ابني اضطرابًا كلما دخت عليه غرفته في ليالي اختبارات الثانوية العامة فالمفترض أن يركز في مذاكرته، غير أني كنت أراه وقد صار أسيرًا لجهازه النقال يتحدث بصوت خافت مريب، ويسرف في إرسال الرسائل الغرامية لفتاة تصغره بأربع سنوات، وكان حريصًا على إخفاء الهاتف لدرجة أنه كان ينام وهو في جيبه، وكم نصحته وحذرته من الأضرار الصحية والنفسية لذلك، ولكن دون جدوى!!

والعجيب أن أم الفتاة كانت تعلم بذلك، وكانت تشجع الطرفين على استمرار العلاقة، والأخطر من ذلك ما ترتب على هذه العلاقة من تغيرات سلوكية في شخصية ابني، لقد صار كثير الكذب بعد أن ربيناه على الصدق، وأصبح يعيش بيننا وأموره ضبابية، لا شفافية في أقواله ولا أفعاله، كل ذلك برغم أنه في الصف الثاني عشر، أي في الشهادة الثانوية، وهي مفترق طرق، وتحديد مصير وبلورة مستقبل!!

كان فائقًا فتأخر دراسيًّا وأخلاقيًّا

وتشكو إحدى الأمهات من تغير سلوك ابنها، فتقول: كنت أنظر في دهشة إلى ما طرأ على تصرفات ابني وسلوكياته، أذكر أنه ظل طوال مسيرته الدراسية أحد عشر عامًا منتظمًا ومتميزًا وفائقًا، إلى أن وصل إلى الصف الثاني عشر، حيث كان يخرج من البيت قاصدًا مدرسته ثم أفاجأ بعدها بساعة أو أكثر باتصال الاختصاصي الاجتماعي بي هاتفيًّا يسألني لماذا لم يحضر ابنك إلى المدرسة؟ وبعد عناء وبحث اكتشفت أنه مع بعض رفاق السوء، وقد اتفقوا على التوجه إلى مكان آخر.

 باختصار شديد، تغير كل شيء في ابني، أصبح لا يعبأ بنصائحنا، ولا يشعر بألمنا، وكأن تبلدًا قد أصابه في مشاعره بعد أن كان يحرص على إرضائنا فلا العظة تجدي، ولا النصح، ولا الأحداث ولا العبر وكان منطقيًّا أن ينخفض معدله الدراسي من 98% إلى أقل من 90%. وأساتذته في السابق كانوا يكثرون الثناء والشكر لنا على إحسان تربيته ومدحًا له على مستواه الدراسي، ولا أدري ماذا حدث له هذا العام؟ لقد أجمع معلموه على أن مستواه الدراسي ينخفض وأن سلوكياته الأخلاقية ومعاملاته تشهد تغيرًا كبيرًا وخطيرًا!!

ابني والمسرحية الهزلية

وهذا أب حزين موجع يقول عشت مع ابني - بمساعدة رفاق السوء – مسرحية هزلية، فكثيرًا ما كان يطلب منا أن يخرج مع أصحابه - حتى في أيام الاختبارات- ثم يعود في ساعة متأخرة ليلا، وكنا نحاول أن نوازن بين رغباته وبين الحفاظ على وقته وأخلاقياته، وذات مرة طلب أن يخرج مع أصحابه فرفضنا، وإذا به يبلغ والدته بأنه خارج لإحضار مذكرة مرتبطة بأحد المقررات من زميله، وظللنا ننتظره حتى تجاوزت الساعة الثانية والنصف قبيل الفجر ونتصل عليه فلا يرد فنتصل على زملائه، فإذا بعضهم يرد بعدم المعرفة، وبعضهم لا يرد!! وبدأ الكدر يملأ صدورنا، والقلق يسيطر على نفوسنا، فاتصلنا بصاحبه من الجيران فأجاب بأنه لا يعرف عنه شيئا لكنه سيخرج الآن للبحث عنه، وإذا به يتصل بعد ربع ساعة بأنه وجده فاقد الوعي في مكان مظلم، بدعوى أنه تدخل لفض نزاع بين بعض الشباب، فضربه أحدهم على رأسه فأغمي عليه، وأبلغنا صاحبه هذا بضرورة الحضور سريعا إلى مكان تواجد الابن!!

لقد طارت عقولنا من وقع الخبر وانهارت الأم، وهرول الأب، ومن شدة وقع الخبر اصطدمت سيارته ببعض الحجارة فذهب زيت الماكينة وهو لا يدري لفجعته على ابنه، وسار إلى أن وصل إليه، وبحكم خبرة الوالد اكتشف من أول لحظة - وتأكد له ذلك بعدها - أنها مسرحية هزلية بطلها ابنه بمعاونة صديق السوء!!

ابني صار يهمل صلاته

 وتلك والدة تشكو من ولدها، فتقول: لم أكن لأصدق يوما أن هذا الابن البريء الذي كان يبكي - وهو طفل في السادسة من عمره - إن فاتته صلاة الجماعة بالمسجد، وأذكر أنه ذات يوم فاتته مقرأة القرآن الكريم بسبب نومه، فظل يبكي طوال ثلاثة أيام كلما تذكر الموقف!!

وفوجئت به منذ شهور يهمل الصلاة لدرجة أنه لا يصلي إلا إذا ألححنا عليه ونشعر في أحايين كثيرة أنه يصلي إرضاء لنا، لا بدافع العاطفة الدينية وأداء الفريضة لله تبارك وتعالى!!

تلك شكاوى قليلة مما تشهده حياة الناس والبيوت، بل يشكو كثير من الآباء والأمهات مما هو أخطر من ذلك، وينطق به واقع المجتمعات من إدمان التدخين والمخدرات، وإدمان زيارة المواقع الإباحية على الإنترنت وعقوق الوالدين وسوء الأدب معهما، ورفع الصوت في حضرتهما، والتمرد والجحود، والميل للعنف، وحب السهر وكثرة النوم بالنهار، والتلفظ بألفاظ خارجة، والفوضوية.. وغير ذلك مما لا يخفى على أحد.

نحو حلول تربوية

بداية - أخي الأب، أختي الأم - يجب أن نعلم جميعًا أن ثمة تغيرات تصحب أبناءنا مع تطور مراحل نموهم، وخاصة مرحلة المراهقة التي تمثل منعطفًا غاية في الأهمية والخطورة، وللأسف الشديد نحن لن نستعد لمواجهة تلك التغيرات إذ يعاني الآباء والأمهات في عالمنا العربي - الآن - قصورًا شديدًا في الممارسات التربوية نتيجة الضعف في الثقافة التربوية وسوء فهم تلك المراحل، وربما لإفراط بعض الآباء وتشددهم مع أبنائهم، وربما لتفريط بعضهم وتسيبهم مع الأبناء.

ويمكن إيجاز المشكلات الواردة في السطور السابقة على ألسنة الآباء والأمهات في القضية التالية: «التغيرات السلوكية السلبية الطارئة على الأبناء».

والسؤال الآن كيف نتعامل مع التغيرات السلوكية السلبية الطارئة على أبنائنا؟

أعلم أن علاج تلك المشكلة أكبر من أن يغطيه جزء من هذا المقال، ولكن حسبي أن أضع بعض التوصيات التي ستسهم -بمشيئة الله - في حل تلك المشكلة، وفيما يلي بيانها:

أولاً: أن ينتبه الآباء والأمهات إلى أن الأولاد من النعم التي يجب أن نشكر المنعم سبحانه عليها، ومن ثم يجب أن نتجهز لإحسان تربية هؤلاء الأولاد، وأن نعطيهم من ثمين وقتنا وجهدنا، حتى لا نراهم يضيعون من بين أيدينا، فقد يكون الآباء والأمهات بإهمالهم لأولادهم بمثابة السكين التي تغرز في ظهور الأولاد، دون أن يدرك الآباء والأمهات ذلك، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول» (رواه النسائي).

وقد بيّن الحق تبارك وتعالى مصير الجاحدين بنعمته سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ﴾ (إبراهيم: 28، 29]

ثانيًا: الاستماع إلى الأبناء، وتجنب الإسراف في النصح المباشر المصحوب بالتوبيخ، وهذا يتطلب ألا نقاطع أولادنا عندما يتحدثون، وأن نتفهم حالتهم النفسية عندما ينفعلون، وألا نتعجل بالترهيب والوعيد والعقاب؛ فالحكمة تقتضي تأخير ذلك، بعد استنفاد كل وسائل الترغيب والتحفيز والثواب، فآخر العلاج الكي.

ثالثًا: إظهار مشاعر الحب باللغة اللفظية (الإعلان عن حبنا لأولادنا) أو باللغة غير اللفظية، كالابتسامة والقبلة، أو الاحتضان والاحتواء وتمرير اليد على الرأس برقة تعكس حب الأبوة وحنان الأمومة.

رابعًا: توفير مناخ أسري دافئ يسوده الهدوء والاستقرار والحب بين أفراد البيت ومصاحبة أبنائنا؛ فحب الأب ينمو مع الطفل بمشاركته له في ألعابه الهادفة، وكذلك ميوله واهتماماته وخيالاته وأفكاره.. والأم كذلك تشارك ابنتها، وتحسن تبادل الأدوار بين الأب والأم، حسب قرب الأب من بناته أو الأم من أبنائها.

 خامسًا: أن يحذر الآباء من طغيان الجانب السلطوي على جانب الصداقة ومصاحبة الأبناء، بمعنى أن يصاحبوا أولادهم، حتى يتخذهم الأولاد أصدقاء ولكي لا يتخذ الأولاد من أقرانهم سلطة مضادة للبيت وحماية من اضطهاد الأبوين لأولادهما.

سادسًا: تبصير الأبناء بمعايير اختيار الصديق، وثمرات الصحبة الطيبة ومضار الصحبة السيئة، وأن يتيح الآباء الفرصة لأولادهم بزيارة أصدقائهم لهم حتى يتعرفوا من قرب عليهم كما على الآباء أن يتقربوا من أولادهم وأن يحترموهم، وأن يتجنبوا إهانتهم لأن المراهقين حساسون، وينفرون من ناقديهم، وإن كانوا آباءهم أو أمهاتهم.

سابعًا: متابعة الأولاد دراسيًّا واستمرار تحفيزهم وتشجيعهم على التفوق، فإن تعثروا مدوا لهم يد العون دون تقريع أو توبيخ، فإن تمادى الأولاد في غيهم وتقصيرهم فليكن العقاب علاجًا، شريطة ألا يكون للتشفي والانتقام، بل حبًّا وعلاجًا.

ثامنًا: بث الثقة في نفوس الأولاد وذلك بتشجيعهم على التحدث في وجود الكبار، وإتاحة الفرصة لهم كي يبدوا آراءهم، وإسناد بعض المسؤوليات - التي يتوقع نجاحهم فيها - إليهم، وتعزيز نجاحاتهم عن طريق تذكيرهم بها.

تاسعًا: مشاركة الآباء للأولاد في بعض الأعمال والمهام، كممارسة التفكير أو إنجاز شيء على الحاسوب، أو الزيارات والرحلات.

عاشرًا: أن يكون الآباء قدوة لأبنائهم فإذا أخطأوا اعتذروا، وعرفوا أبناءهم بأنهم بشر.

حادي عشر: إذا عرض الأولاد على الآباء مقترحًا، أو طلبوا شيئًا لا يوافق عليه الآباء، فلا يكتفي بالرفض بل مناقشة الأولاد في هدوء، كي  نوصلهم إلى أضرار ذلك.

ثاني عشر: تقويم اعوجاج الأولاد بالصبر والحلم، ودع مشاعرك تتحدث معه وتتحاور لإقناعه.

ثالث عشر: لا تجعل ضغوط الحياة عليك ذريعة لكتم أنفاسه والقسوة عليه.

رابع عشر: أسعده بتواجدك بجواره دائمًا، وخاصة في حفلات تكريمه.

خامس عشر: اشغل فراغه بما يفيد وشاركه في ذلك.

سادس عشر: اهتم بتقوية الجانب الإيماني لدى أبنائك وأكثر من الدعاء. ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74).

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

128

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

إلى الأبناء..صرخة ألم

نشر في العدد 2101

1028

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

تلك هي إحدى معجزات هذا الكتاب

نشر في العدد 71

115

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

الأسرة .. خاطرة  من أجل الأبناء