العنوان خطورة الشائعات على الأفراد والجماعات
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 2010
نشر في الصفحة 60
السبت 07-يوليو-2012
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ قد بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما آتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسولَ رسولِ الله ﷺ فرجع الوليد ظناً منه أنهم يريدون قتله، فقال يا رسول الله: إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضباً شديداً، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا يا رسول الله، إنا بلغنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإن خشينا إن ما ردّه كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله تعالى آية الحجرات: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)
إن هذا الموقف يذكرنا بالحكمة الهولندية التي تقول: «الحرية هي امتلاكنا السيطرة على أنفسنا.
والموقف أيضاً يجسد خطورة الشائعات بقصد أو بغير قصد، فالوليد بن عقبة في الموقف السابق لم يكن ليقصد أبداً إثارة شائعة، ولكنه نتيجة عدم تثبته وتيقنه كاد أن يتسبب في حرب، فما بالنا بمن يخطط للشائعات وينهجها بقصد إثارة اضطراب الأفراد والمجتمعات والأمم، وإشعال نار الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد ومؤسساته.
إن كثيراً من مثيري الشائعات وناقليها يحرقون البد والعباد لمجرد إشباع رغبات الحقد ونوازع الكراهية في نفوسهم وقلوبهم، فهم يتلقون أي شك أو ريبة بفرح، ثم يبذلون في سبيل نشرها كل جهد لينتقموا من منافسيهم، أما إن رأوا من منافسيهم خيراً كتموه ودفنوه، وما أروع قول الشاعر في هؤلاء:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً منِّي وما سمعوا من صالح دفن وا
صُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أُذنُ
وناقل الإشاعة لا يقل خطورة عن مؤلفها ومبتدعها، إذ بها تحدث مفاسد كثيرة. قال تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 83)
يقول الشهيد سيد قطب في معاني هذه الآية: الصورة التي يرسمها هذا النص هي صورة جماعة في المعسكر الإسلامي لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر، وفي النتائج التي تترتب عليها، وقد تكون قاصمة، لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولم يدركوا جدية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان قد تجرُّ من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال، وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال!!
أو ربما لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر، وهكذا لا يعنيهم ما يقع له من جرَّاء أخذ كل شائعة، والجري بها هنا وهناك، وإذاعتها، حن يتلقاها ي لسان عن لسان، سواء أكانت إشاعة أمن أم إشاعة خوف، فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمرة!! فإن إشاعة أمر الأمن مثلاً في معسكر متأهب مستيقظ متوقع لحركة معلى الأفراد والجماعاتن العدو.. إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تحدث نوعاً من التراخي.
وما أعظم المثل العربي القائل: «حدِّث العاقل بما لا يُعقل، فإن صدَّق فليس بعاقل ». وثمَّ مثل آخر يقول: «إذا كان المتكلم مجنوناً، فالمستمع يجب أن يكون عاقلاً».
إن لآفة الشائعات أضرارها وأخطارها، فهي تعد من أخطر وسائل الحرب النفسية التي يشنها العدو ضد الفرد أو البيت أو المجتمع أو الجيش.
ماهية الإشاعة
ويعرف علماء النفس الإشاعة بأنها: «أخبار مجهولة المصدر غالباً، تقوم على تزييف الحقائق، وتشويه الواقع، وتتسع هذه الأخبار بالأهمية والإثارة والغموض، وتهدف إلى إحداث اضطراب وقلق وشك في صفوف من توجه ضدهم الإشاعة ».
الإشاعة إذن هي خبر أو قصة أو حدث يتناقله الناس دون تمحيص أو تحقق من صحته، وغالباً ما يكون غير صحيح، أو يكون مبالغاً فيه بالتهويل أم بالتقليل.
وناشر الشائعات خائن كذاب مُغْرض، ومصدقها ساذج وغبي، ومروجها بقصد إنما هو حاقد بغيض، وكلهم مغموس في الإثم والمعصية، لذا أمرنا القرآن الكريم بالتثبت والتبن عند سماع الخبر أو الشائعات، وذلك ي في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)
تجربة صينية في مقاومة الشائعات
وترتبط الإشاعات بالأحداث والموضوعات الساخنة، ويزداد اشتعالها.. ويمكننا أن ندرك خطورة الشائعات إذا علمنا أن بلدية «شونكينغ » فرضت 630 دولاراً غرامة على كل من ينشر على الإنترنت تعليقاً أو ملاحظات تشهيرية أو يشن هجوماً شخصياً أو يحاول الإضرار بسمعة الآخرين: فخطر الإشاعات عظيم قد يدمر الأسر، ويشرد الأولاد، ويدنس الكرامة، والسمعة، ويشوه صورة الأنقياء، الطاهرين، وقد تُخترق الصفوف فتنهزم الجيوش، وتنقلب العروش، وقد تثير الإشاعة الخوف والذعر والقلق في نفوس الناس. وفي ذلك يقول رسولنا الكريم ﷺ: «بئس مطية الفتى زعموا » رواه أحمد وأبوداود، والمقصود ب «زعموا » نقل ما لم يُتحقق من صحته.
وقفة مع حديث الإفك
لقد أشاع عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق والمنافقين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها زوج رسول الله ﷺ، وابنة أحب الناس إليه، أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنها ارتكبت الفاحشة، وتلقف الأعداء هذه الإشاعة، فسعوا لنشرها، بكل ما أوتوا من قوة، ولقد خاضت ألسنة بعض الصحابة في هذا الشأن، إلى أن نزل الوحي يبرئ السيدة عائشة رضي الله عنها من فوق السماوات السبع، ولقد هدد اللهُ عز وجل هؤلاء بعذاب عظيم لولا رحمته تعالى بعباده، وسجل القرآن الكريم هذا الحدث في سورة النور، قال عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ (11) لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ (12) لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ (13) وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ (15) وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ (16) يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) ﴾ النور.
يقول صاحب الظلال في قوله تعالى: ﴿ إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ﴾. هي صورة فيها الخفة والاستهتار وقلة التحرج، وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام: ﴿إذً تّلّقَّوًنّهٍ بأٌّلًسٌنّتكٍمً﴾.. لسان يتلقى عن لسان، بل تدبر ولا تروّ ولا فحص ولا إنعام نظر، حتى لكأن القول لا يمر على الآذان، ولا تتملاه الرؤوس، ولا تتدبره القلوب: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ﴾ بأفواهكم لا بوعيكم، ولا بعقلكم، ولا بقلبكم، إنما هي كلمات تقذف بها الأفواه، قبل أن تستقر في المدارك، وقبل أن تتلقاها العقول ».
أسباب رواج الإشاعة
ثمة أسباب تؤدي إلى سرعة انتشار الشائعات واتساعها، ومن ذلك: حب الفضول، والدافع الغريزي من المستمعين، والشعور بالنشوة من ناقل الإشاعة عندما يرى إصغاء السامعين له، والتلهف والتشوق لكل كلمة يقولها، وضعف الوازع الديني عند نقل الإشاعة، وعدم محاسبة النفس وعدم تفقدها.
نموذج من التثبت
عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدَّة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس. فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال: مثل ما قال المغيرة فأنفذه لها أبوبكر الصديق، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها، فقال لها: ما لك في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قُضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئاً، ولكنه ذلك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها » رواه الإمام مالك في الموطأ. فهذا الموقف يؤكد تبن أبي بكر ي الصديق رضي الله عنه وحرصه على تحري الحق، وسؤال غيره.
ومن أقوال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: «قال بعض الوزراء الصالح ن ي لبعض مَنْ يأمر بالمعروف: «اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسم، وأولى الأمور ستر العيوب »، لذا كانت إشاعة الفاحشة مقترنة بالتعبير، وهما من خصال الفجار، لأن الفاجر لا غرضَ له من زوال المفاسد، ولا في اجتناب المؤمن للنقائص والمعايب، إنما غرضه في مجرد إشاعة العيب في إنسان أو جماعة أو مؤسسة أو مجتمع، فهو يعيد ذلك ويظهره لإظهار مساوئ الناس، ل إضرار بهم في الدنيا، إنها صفة الإيذاء، وهي صفة من صفات إبليس، الذي يزين لبني آدم السوء حتى يكونوا معه في نار جهنم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ فاطر.
ولذلك لما ثقل الدين على ابن سيرين وحُبس به، قال: «إني لأعرف الذنب الذي حمل عليّ به الدين ما هو؟ قلت لرجل من أربعين سنة: يا مفلس ». أخرجه أبونعيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 233
70
الثلاثاء 21-يناير-1975