العنوان من الحياة: رُبَّ ضارَّةٍ نافعة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 17-أكتوبر-2009
مشاهدات 55
نشر في العدد 1873
نشر في الصفحة 55
السبت 17-أكتوبر-2009
بينما كانت السفينة تسير آمنة في عرض البحر .. هبت عاصفة شديدة عليها فأغرقتها، وغرق بعض من كان على متنها ونجا البعض الآخر.
كان من بين الناجين رجل، إذ وجد نفسه مستقرًا على أرض جزيرة بالبحر، وكان متعبًا وبدا عليه الإعياء الشديد، ولكنه استجمع قوته، وسجد شاكرًا فضل ربه عليه، وحمد وأثنى عليه.
مرت على الرجل أيام عجاف شداد، لم يدق فيها طعامًا ولا راحة، فجال في الجزيرة لعله يجد ما يقتات به، أو ينال صيدًا يطهوه ويأكله، بيد أنه عاد بعد يوم شاق من السعي والمكابدة ولم ينل شيئًا !!
جلس الرجل ليلاً، وكان الجو باردًا، فأوقد نارًا يتدفأ على حرارتها ، فداعبه نعاس سريع خفيف سرعان ما أفاق منه، وإذا به ينظر إلى كوخه الذي بناه ليسكن فيه ويبيت وقد اشتعلت به النار، وسرعان ما احترق احتراقًا !!
حزن الرجل حزنًا شديدًا، فقد كان الكوخ يمثل أحد صمامات الأمن والسلامة له، إذ يحميه من حرارة الشمس، وبرودة الجو، ومن خطر العدوان عليه في جزيرة هو حديث عهد بها ، لا يدرك ما بها من أخطار قد تهدده بين الفينة والأخرى.
وبينما الرجل في تفكيره العميق، يبحث عن مخرج له من الأزمات التي تلاحقه، إذًا بسفينة قادمة تقصد المكان الذي يسكن فيه، ونزل منها بعض ركابها، فأوجس الرجل منهم خيفة في بداية الأمر، ولكن سرعان ما ذهب الخوف عندما رأى سماحة هذه الوجوه وبشاشتها، يكسوها النور والإشراق وتبدو عليها علامات الخير والكرم والصلاح فسألهم الرجل: هل تترددون على هذا المكان ؟ قالوا: لا، فقال لهم، وما الذي جاء بكم إلى هنا ؟ قالوا أنت، فقال، وما أدراكم أني هنا؟ فأجابوه الذي أرشدنا إلى مكانك هذا الدخان المتصاعد من الكوخ المحترق، فدلنا على وجود بشر في هذا المكان، ونحن نعرف أن المكان قفر، ليست به من وسائل العيش والحياة ما يجعل الحياة تستمر فيه، فجئنا عسى أن نكون سببًا في إنقاذ من به !!
فقال الرجل: سبحان الله القائل: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحْبُوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ (البقرة).
ولله در من قال: «رب ضارة نافعة».
فقد كرهت احتراق كوخي، وحزنت لذلك حزنًا شديدًا، وحسبت أن في ذلك هلاكي لكن الله عز وجل جعله سببًا لنجاتي !! إن كثيرًا من الناس يخطئ عندما ينقص إيمانه، ويحسب الخير شرًا والشر خيرًا، وما ذلك إلا لقصور في نظره، وضعف في رؤيته للأمور، وقلة في خبراته بالحياة.
ولنا في يوسف عليه السلام - وهو النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم - يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فلقد قضى مراحل حياته الأولى وهو يخرج من ضائقة ليدخل في أختها، حيث فقد أمه وهو طفل، ثم تآمر عليه إخوته، فاختطفوه من أحضان أبيه وانتزعوه من حنان الأب ورموا به في البئر، ليلقى في ظلماتها مصيره المجهول !! فساق الله إليه بعض السيارة لينقذوه، ثم يصير عبدًا ، ثم باعوه في سوق الرقيق بثمن بخس دراهم معدودة، ثم اشتراه ملك مصر، ليعيش في قصره، لكن هذا العيش لم يدم، فسرعان ما حيكت له مؤامرة ماكرة فاتهمته امرأة العزيز في خلقه وأمانته، وهو العفيف الشريف النقي التقي البريء، ومع ذلك سجن بضع سنين لا أيامًا أو شهورًا.
ولو أن شخصًا محبطًا يائسًا حدث له ما حدث ليوسف عليه السلام، لوجد نفسه مثقلاً بالأحزان والآلام، ولضاقت به الأرض وتنكر للسماء، ولكنه عليه السلام ظل قوي الثقة بربه، متألق اليقين، يملؤه الأمل ويرتقي فوق اليأس والإحباط، برغم أنه خلف جدران السجن، يذكر بالله من جهلوه ويبصر بفضله من جحدوه.
قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام ﴿يَا صَاحِبِي السِّجْنِ أَرْبَابٌ مُتَفَرَّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الواحدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم ما أَنزَلَ الله بها من سُلْطَان إن الحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولكن أكثر النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40)﴾(يوسف: الآيات 39 40).
وأنت إذا نظرت في حياة هذا النبي الصابر المتفائل الذي لا يعرف اليأس إلى نفسه طريقًا، لوجدت أن كل محنة مر بها كانت تحمل له في طياتها نجاة، وكأن كل شدة كانت خطوة تقربه من الخير، وكأن تكاثر المصائب إشارة إلى ما يرشح له المرء من خير وما يراد له من كرامة.. بل إن الدين يعلمنا - وكذلك أحداث الحياة - أن الآلام كثيرًا ما تكون طهورًا يسوقه الله لعباده وأحبابه المؤمنين، حتى لا يركنوا إلى الدنيا، أو يخدعوا بها، و رب ضارة نافعة.
يقول الشيخ محمد الغزالي - يرحمه الله - في كتابه «خلق المسلم» «التريث والمصابرة والانتظار خصال تتسق مع سنن الكون القائمة، ونظمه الدائمة، فالزرع لا ينبت ساعة البذر، ولا ينضج ساعة النبت بل لابد من المكث شهورًا حتى يجتني الحصاد المنشود، والجنين يظل في بطن الحامل شهورًا حتى يستوي خلقه» ..
وذاك شاعر من الطامحين إلى أمجاد الدنيا، الصامدين أمام نكباتها، يغالب الآلام ويواجهها، ويجعلها علامة وسمة من سمات أفاضل الناس، حيث يقول:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن *** يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
وما رأيناه في حياة الأنبياء والصالحين والدعاة والمجاهدين ليؤكد أن عظم المنزلة مع ثقل الأحمال ومعاناة الشدائد، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)﴾ (الشرح: الآيات 6 7).