العنوان من الحياة - من العاجلة إلى الباقية انتقل بدرنا
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 25-يوليو-2009
مشاهدات 159
نشر في العدد 1862
نشر في الصفحة 45
السبت 25-يوليو-2009
(*) أستاذ المناهج وأساليب
التربية الإسلامية المساعد
الابتلاء بفقدان
الأحبة قدر مكتوب نافذ بإرادة البارئ لا محالة، والإيمان به ليس كلامًا يكتب، ولا
أقوالًا تقال، إنما هو سكينة وطمأنينة، وصبر ورضا، ونور يشعر به المؤمن يشع من
القلب إلى سائر الجوارح، فيعصمنا من التخبط، وينقذنا من اليأس والقنوط، ويحصننا من
الضجر والسخط، فيجعلنا صامدين صابرين محتسبين مهما احتدم الخطب وادلهم الأمر
فيحتفظ المؤمن بعقل لا يطيش الكربة، وبنفس راضية غير جازعة، وبإيمان ثابت قوي لا
يتزعزع، وبيقين يرى أن أمر المؤمن كله خير سواء في ذلك السراء والضراء، وأن الله
لا محالة وعده إن احتسب وصبر فسوف يمنحه خيرًا كثيرًا.
قال سبحانه:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ
الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا
إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١٥٧) (البقرة).
ومن هدي رسولنا
الكريم.... ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر (رواه
البخاري).
بيد أن الناس
مفطورون على أن تدمع أعينهم وتحزن قلوبهم على فراق الأحبة، فقد عبر عنها الرحمة
المهداة إلى البشرية جمعاء سيدنا محمد، عندما ابتلي بوفاة ابنه إبراهيم حيث قال:
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا إبراهيم المحزونون...
مع تنفس صبح
الثلاثاء الماضي الحادي والعشرين من رجب ١٤٣٠هـ الرابع عشر من يوليو ۲۰۰۹م، طار
إلينا خبر وفاة الأخ الحبيب الأستاذ الدكتور/ بدر الدين غازي عطية، حيث فاضت روحه
إلى بارئها مع إقبال فجر هذا اليوم المذكور.
لذا، فبادئ ذي
بدء نقول: الحمد لله على ما قدر وكتب..
الحمد لله ما
أخذ ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، الحمد لله إنا لله وإنا إليه راجعون
أقول لنفسي
ولأهله وذويه ومحبيه لنستحضر قلوبنا جميعًا بنفوس راضية مطمئنة واثقة بإجابة
المولى عز وجل لدعائنا، ونتضرع الصاحب الأمر كله اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا
خيرًا منها، اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، اللهم آنسه
في وحدته وفي وحشته وفي غربته، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة
من حفر النار اللهم وسع له في قبره مد بصره، اللهم اجعل فراش قبره من فراش الجنة،
اللهم انقله من مراتع الدود وضيق اللحود إلى جنات الخلود اللهم إن كان مسيئًا
فتجاوز عن سيئاته، وإن كان محسنًا فزد في حسناته، اللهم ارحمه تحت الأرض واستره
يوم العرض، ولا تخزه يوم النشر.. اللهم أفرغ علينا صبرًا، ورضنا بقضائك، واجمعنا
وأهله وولده ومحبيه في الفردوس الأعلى... آمين.
رؤية
البدر
رأيته أول مرة
في مؤتمر عن التعليم في عام ۱۹۸۷م، ولم أكن قد تعرفت عليه سلفا كنت أركز في
الأوراق المعروضة وفعاليات المؤتمر، وإذا بي أرى الرجل يملأ الأرجاء حركة وفاعلية،
ويفيض حيوية وإيجابية، ولفت نظري وجهه المستدير المشرق الذي يشع نورا وقبولا، وبدا
لي اسما على مسمى، لقد لاح بدرًا حقيقيًا، وخاصة أنني كلما وليت وجهي شطره وجدت
باقة من النجوم تلتف حوله، وهؤلاء هم زملاؤه وأحبابه وطلابه يستشيرون الرجل
ويتحدثون معه، وينظرون إليه ويلتفون حوله في إجلال وإكرام.
والحق أن جاذبية
الرجل وحضوره والتفاف الناس حوله قد دفعني دفعا إلى أن أقترب منه وأتعرف عليه،
وخاصة أنني سمعت عنه قبل ذلك كثيرًا كعالم فذ حكيم متواضع، كما كنت قد سمعت عنه
بصفته رئيس نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة، ورئيس المكتب الدائم لنوادي
أعضاء هيئة التدريس بمصر.
ولقد كافح الرجل
ونافح في مطالبته الدؤوبة المستمرة بتحسين أوضاع هيئات التدريس بجامعات مصر، وكنت
واحدًا من هؤلاء الذين عادت إليهم حقوق كانت قد ضاعت، ثم بفضل الله تعالى ثم بصمود
فقيدنا الحبيب ومن على شاكلته من الرجال استردت هذه الحقوق ولقد كان الرجل سببًا في
استرداد هذه الحقوق ودخولها عشرات الآلاف من البيوت في مصر، لذا كان من الوفاء ومن
باب الاعتراف بالجميل والفضل أن أقترب من الرجل وأتعرف عليه، ولا سيما أن الرجل
كان سببًا في انعقاد هذا المؤتمر التعليمي، الذي استفدت منه أيما إفادة، لأنه كان
في مجال تخصصي، فقد كان الدكتور بدر الدين غازي عطية – رحمه الله – مهتما بقضايا
أمته وكان من بين هذه القضايا قضية التعليم، برغم أن تخصص الرجل كان في الفيزياء
الكيميائية، وهي أحد مجالات التخصص بكليات العلوم، ولكنه كان يمهد الأجواء للإسهام
في حلول مشكلات الأمة ويستقدم المتخصصين لهذا الغرض.
مولده
ونشأته
ولد الدكتور بدر
الدين عطية بجمهورية مصر العربية في محافظة المنوفية مركز تلا قرية طبلوها، وذلك
في ١٩٤٣/٧/٩م.
سيرته الذاتية
العلمية عندما عزمت أن أكتب عن د. بدر الدين عطية لمخالطتي له، وتشرفي بجيرته
ومصادقته وعلاقاتنا الأسرية – حرصت على أن أحضر آخر سيرة ذاتية كتبها الرجل بيده،
وعندما قرأتها ازددت معرفة بهذا العالم الفذ رمز التواضع والخلق الرفيع والعقل
والحكمة، وسيرته الذاتية عکست بدقة تواضع الرجل، فعالم في مكانته من حقه أن يضع
إنجازاته وبحوثه وإنتاجه العلمي مفصلاً، ولقد توقعت أن أقرأ عدة صفحات على الأقل
تروي هذه السيرة العلمية العظيمة، لكنني فوجئت بأنها وضعت في صفحة واحدة، وهذا
يعكس إخلاص الرجل وتواضعه، نحسبه كذلك والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا.
وأحسب أن القارئ
يوافقني في رأيي هذا - إذا ما قرأ هذه السطور التالية القصيرة القليلة في حجمها
الطويلة الكثيرة في مضمونها وجوهرها.
الأستاذ الدكتور
بدر الدين غازي عطية أستاذ الكيمياء والفيزياء بكلية العلوم جامعة القاهرة بمصر،
وكان معارًا إلى جامعة الكويت وأستاذًا زائرًا في بعض الجامعات الأمريكية حتى
وفاته رحمه الله.
أما عن سيرته
التعليمية، فقد حصل على بكالوريوس العلوم كيمياء مع مرتبة الشرف الأولى من جامعة
القاهرة عام ١٩٦٥م.
-ماجستير العلوم
كيمياء من جامعة القاهرة عام ١٩٦٩م.
دكتوراه في
هندسة وعلوم المواد من جامعة ولاية بنسلفانيا عام ١٩٧٢م.
- دكتوراه
العلوم (D.S.C)
من جامعة القاهرة ۲۰۰۲م.
مجالات
اختصاصاته البحثية
التآكل العام
والموضعي والتآكل الانتقائي وكذلك التآكل الإجهادي الشرخي، والتآكل الناجم عن
نفاذية الهيدروجين، فضلًا عن دراسة مثبطات التآكل – كيناتيكية الأقطاب وخصوصًا
المسامية – النماذج الرياضية – معالجة المياه – الامتزاز.
أهم
الجوائز والإنجازات
-جائزة الدولة
في العلوم عام ١٩٧٧م من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا – مصر.
-جائزة الكويت
في العلوم التطبيقية (التآكل) عام ١٩٨٥م.
-أنشأ وأدار
معمل التشخيص بالأشعة السينية في جامعة القاهرة من عام ۱۹۹۰م إلى عام ١٩٩٧م.
- منحته هيئة
فولبرايت (بالولايات المتحدة الأمريكية) منحة كعالم عام ١٩٩٣م.
-أستاذ زائر إلى
مركز أبحاث ستانفورد بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية.
-أستاذ زائر إلى
قسم علوم المواد بجامعة ولاية بنسلفانيا في صيف ۱۹۸۹م، ومن عام ١٩٩٤م إلى عام
٢٠٠١م.
إشرافه
على الرسائل العلمية:
أشرف على (٣٥)
خمسة وثلاثين رسالة ماجستير ودكتوراه في مصر وفي الولايات المتحدة الأمريكية.
•
الجمعيات العلمية:
-عضو بجمعية
الكيمياء الكهربية الأمريكية إلى أن توفي رحمه الله.
-عضو المؤسسة
الأمريكية للمهندسين الكيميائيين.
-عضو مجلس إدارة
الجمعية المصرية للتآكل.
-عضو الجمعية
الكيميائية الأمريكية.
ملامح
الإصلاح والصلاح في شخصيته
۱ – اهتمامه
بأمور أمته ودعوته كان – رحمه الله – مهتمًا بأمور دعوته، ساهرًا عليها، مدافعًا
عنها، داعيًا إلى فكرتها بالحكمة والموعظة الحسنة ودمائه الخلق والسلوك، بل كان
مهتمًا بأمور الأمة بأسرها، مشغولًا بإصلاحها وتطويرها.
۲ – مؤازرته
للحق: قضى حياته – رحمه الله مدافعًا عن الحق وأهله، وكان له منهج متميز في مقاومة
الباطل وتقويمه.
٣- عبادته كان
صواماً قواماً، بكاء عند تلاوته القرآن الكريم أو الاستماع إليه، وكان يبكي
مستمعيه عندما يتلو القرآن الكريم في خشوع متميز ونبرات معبرة مؤثرة.
٤- إنفاقه
وتصدقه كان لا ينفق فقط على من يعرف من المحتاجين واليتامى والفقراء بل كان يتحرى
السؤال عنهم، ليعرف الجديد منهم فيعطيهم، وأبى إلا أن يختم حياته معطاء سخيًا ففي
فترة مرضه كان دؤوبًا في البحث عمن يعرفون مثل هذه الأسر المحتاجة فيعطي من روافد
متعددة، ويحرص على ألا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، بل كان ينوع في أنواع العطاء
بين المادي والمعنوي، ويكفكف دمعة اليتيم، ويمسح على شعره، ويدخل السرور عليه،
ويزيل البؤس عن د. بدر الدين غازي – البائسين.
٥- مواظبته على
الصلوات الواجبات كان حريصًا ألا تفوته صلاة الجماعة في المسجد وحتى في أيام
اشتداد المرض عليه لم تفته صلاة برغم سوء حالته الصحية وتدهورها، وهكذا كان حاله
في سائر الواجبات.
٦- حرصه على سنة
النبي عندما اشتد عليه المرض، وفي إحدى زياراتي له طلب مني أن أبلغ أصحابه ومعارفه
أنه لا يستطيع استقبال الزوار بالمستشفى، ولا تسمح ظروفه الصحية بالرد على
المكالمات الهاتفية، وفي اليوم التالي اتصل بي هاتفيا، وبدا على صوته العناء
الشديد ثم قال لي: أخشى أن أكون قد عطلت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي زيارة
المريض، لذا فقد عدلت عن رأيي، فمن أراد زيارتي فأهلاً وسهلًا به.
٧- أسره لقلوب
من حوله كان الرجل – رحمه الله – يأسر قلبك من أول لحظة تراه أو تحادثه، يستوي في
ذلك الأطفال والشباب والشيوخ، وبحكم جواري له في السكن كنت أرى الجميع يلتفون حوله
فور خروجه من المسجد ويعرف الأطفال والشباب بأسمائهم، ويسألهم عن أحوالهم،
ويمازحهم، وكنت أقرأ في أعين الجميع حبهم له، حب الأخ والأب والجد والصاحب والصديق
والأستاذ والمربي.. ولقد ذهبت بعد وفاته – رحمه الله – لقراءة عداد الكهرباء، فلما
ناديت الحارس وراني – وهو يعرف أني صديقه بكى بكاء شديداً وأخبرني بأنه مريض منذ
بلوغه الخبر، ثم أنهى حديثه بقوله: ما رأيت ساكنًا طوال حياتي مثل هذا الرجل!!
٨- اهتمامه
بصحته وجسده كان يواظب على الكشف الصحي الدوري والفحوص الطبية كل ستة أشهر، وقد
شاركته في مباراة كرة قدم في الفصل الدراسي الأول قبل مرضه، وكان عمره آنذاك ٦٦
عامًا.
٩- إيثاره في
فبراير ٢٠٠٩م في أثناء عطلة نصف العام الدراسي كنت أراجع طبيبي في القاهرة، وأصر
أن يرافقني، وجاءني – برغم ضيق وقته – ويسر كثيرًا علي، وكان في أثناء زياراته
لمصر حريصًا في كل مرة أن يأخذ فحوصي معه، وأن يلتقي بطبيبي وهو صديق له ويهاتفني
وهو معه، ويتيح لي الفرصة كي أتحدث مع الطبيب ويتابعني، وقد ظل كذلك إلى آخر زيارة
له إلى مصر، وقد ذهبت للطبيب ساعتها لفحصه بعد أن تطور مرضه، واشتد عليه، ولكنه
يصدق فيه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾
(الحشر: ٩)، وهكذا كانت حاله مع جميع من يلقاهم.
۱۰ – زهده
وتواضعه وورعه كان زاهدًا في الدنيا، ترى ذلك في كل مظاهر حياته، في مطعمه ومشربه،
وملبسه ومسكنه وحديثه وكان متواضعًا، فعندما قرأت سيرته الذاتية تأكدت أنني أمام
عالم عالمي أبي إلا أن يعمل في صمت، وحرص أن يتجنب تماما الحديث عن نفسه، وأن ينأى
بنفسه عن الشهرة، فلم يعرفه إلا من اقترب منه، أما عن ورعه فحسبي أن أذكر هنا آخر
مواقفه معي في حياته، عندما كنا في انتظاره ليلا لنصحبه إلى المطار في رحلة علاجه
الأخيرة إلى ألمانيا، فلما رآني قال: أين سيارتك؟ أريد أن أركب معك، وكانت سيارتي
بعيدة قليلًا لازدحام المكان بالسيارات فجريت أحضرها فسبقني أحد أحبابه واصطحبه في
سيارته فلما دخلنا المطار أشار إلي أن أجلس بجواره في العربة التي ستنقله كمريض
إلى مكان وزن الأمتعة، فلما جلست بجواره كلفني ببعض أعمال البر لتكون له صدقة
جارية، ثم أعطاني مبلغا لإنهاء بعض متعلقاته، فلما طلبت منه أن يتيح لي فرصة إنهاء
المتعلقات ثم أحاسبه بعد ذلك نظر إلي نظرات لمحت فيها معاني كثيرة، أولها أنه
يودعنا، ثم قال لي: أتريد أن تشحن لي أغراضي بديون تكون عبنا علي، إني أحملك
الأمانة أمام الله ألا يدينه أحد بفلس واحد!! عندها ذرفت الدموع من عيني، وأحسست بأني
أودع الرجل ويودعني، وقد شاء الله تعالى ذلك.
كلمة
أهل قريته في وداعه
رحم الله هذا
العالم القمة، وذلك المربي المتميز، والأب الحنون، وجد أولادي الروحي – كما أسموه
هم وهم لم يروا جدهم لأبيهم ولا جدهم لأمهم – والذين وجدوا منه رعاية وحناناً ليس
لهما مثيل، وحزنوا عليه حزنا شديدًا، ولقد رأيت أن أختم مقالي بما سجله أهل قريته
قرية طبلوها بمركز تلا بالمنوفية في مصر في موقعهم على الإنترنت، حيث وضعوا صورته،
وكتبوا كلمات لا تملك عندما تقرأها إلا أن تبكي وهي: طبلوها حزينة على فراقك حزنا
شديدا، فنم اليوم في أحضانها، لعل الأم الثكلى يجف دمعها وإنا لله وإنا إليه
راجعون...