العنوان من الكفاح.. إلى الانبطاح (٢ من ۲) دايتون.. ونظرية «السلام عبر الأمن»
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 28-نوفمبر-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1879
نشر في الصفحة 24
السبت 28-نوفمبر-2009
- ضباط صهاينة لـ«دايتون»: كم من هؤلاء الرجال الجدد تستطيع أن تصنع؟ وبأي سرعة؟!
- تحولت قوات الأمن الفلسطينية إلى خامة يشكلها «دايتون» كيفما شاء.. ولا يتم تقديم أي مساعدة ما لم يتم التنسيق بشأنها مع الصهاينة وبموافقتهم!
- في الحرب على غزة تحرك القسم الأكبر من القوات الصهيونية من الضفة.. وهذا يكشف عن ثقة الاحتلال في السلطة الفلسطينية!
كان السؤال: كيف انتقل «مناضلون» من الكفاح إلى الانبطاح.. من الصراع إلى الرضوخ؟ وكيف انتقلت القيادات الأمنية الفلسطينية من المواجهة مع العدو الصهيوني إلى التنسيق الوثيق معه ضد المقاومة؟ وقد عرضنا في الحلقة السابقة جانبًا من الجهد الكبير الذي بذله الصهاينة والأمريكان، ومعهم الأوروبيون لتطويع المناضلين السابقين لحرفهم عن مسارهم مع عرض لرواية المدير السابق للمخابرات المركزية الأمريكية حول الموضوع.
وهنا نعرض لرواية الجنرال «كيث دايتون» المنسق الأمني الأمريكي بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، والتي عرضها أمام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط في مايو الماضي، ويطلق على الفريق الذي يعمل معه اسم «فريق التنسيق الأمني الأمريكي» (USSC)، لكنه في الواقع فريق دولي يضم أمريكيين وكنديين وبريطانيين وأتراك.
بدأ الفريق الأمني عمله بقيادة الجنرال «كيب وارد» في مارس ٢٠٠٥م لكن مهمته تعطلت بسبب الفصل الأحادي في قطاع غزة في العام نفسه، فحل «دايتون» محله في ديسمبر ۲۰۰۵م، وقد جرى التمديد له حتى ۲۰۱۱م ربما بسبب نجاحه في مهمته من وجهة النظر الأمريكية والصهيونية.
عمل «دايتون» في روسيا ملحقًا عسكريًا، وفي العراق مكلفًا بمهمة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، ثم نائبًا لمدير قسم السياسة والتخطيط الاستراتيجي في هيئة الأركان الأمريكية، وبعدها.. أرسل إلى فلسطين المحتلة.
ويعمل الفريق بالتنسيق مع الكيان الصهيوني ومصر «خاصة بشأن المعابر» والأردن وبلدان أخرى، ويتصل بشبكة المبعوثين للمنطقة، مثل فريق رجال الشرطة الأوروبيين المسؤول عن إصلاح الشرطة المدنية الفلسطينية، والممثل الخاص للرباعية «توني بلير» وفريقه، والعميد «بول سيلفا» الذي يتابع خريطة الطريق.
وهناك تنسيق مع مختلف المانحين الدوليين، ومع المنظمات غير الحكومية وموظفي الأمم المتحدة، كما يستعين بخبرات معاهد أبحاث كثيرة بما فيها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط الذي ألقيت فيه المحاضرة.
وهدف فريق «دايتون» الواضح والصريح هو «السلام عبر الأمن».. أي إنجاز استسلام السلطة الفلسطينية وإشراكها في العمل ضد «المقاومة» التي يسمونها إرهابًا «وتهدئة مخاوف «الإسرائيليين» حول طبيعة قدرات قوات الأمن الفلسطينية».
التدريب في الأردن
يتم تدريب الشرطة الفلسطينية تحت قيادة فريق «دايتون» في مركز تدريب الشرطة الدولي في الأردن الكائن خارج العاصمة عمان، ويُعرف اختصارًا باسم (JIPTC). ويشرف على المركز فريق تدريب أمريكي /أردني، يتبع منهاج تدريب أمريكيًا يركز على السيطرة على المظاهرات، والتعامل مع «الاضطرابات والقلاقل»، وهو لا يقدم شيئًا للفلسطينيين ما لم يتم التنسيق بشأنه مع الصهاينة وبموافقتهم.
وبحجة أن الصهاينة يتخذون من عمليات المقاومة ذريعة للتنكيل بالفلسطينيين ورفض وقف الاستيطان جرى إقناع الأجهزة الأمنية الفلسطينية بضرورة التنسيق لوقف عمليات المقاومة، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تعداه لترويض القوات الأمنية، فهي -بموجب التنسيق- تنسحب من الشوارع عندما يخطرها جيش الاحتلال بأنه قادم في مهمة؛ غالبًا ما تكون مهمة قتل أو اعتقال لرجال المقاومة، ثم تجاوز الأمر إلى محاولة ترويض الشارع الفلسطيني، ويبدو أن «دايتون» قد نجح في ذلك نسبيًا، فالمحاولات الأخيرة والمتكررة لاقتحام المسجد الأقصى والمحاولات الحثيثة لتدميره عبر الأنفاق المحفورة تحت أساساته، لم تفرز الاحتجاجات الشعبية المتوقعة فضلًا عن انتفاضة جديدة مثل انتفاضة الأقصى حين دنس «شارون» أرض الأقصى عام ۲۰۰۰م.
يقول «دايتون»: إن مهمة فريقه ركزت في البداية على:
- مساعدة السلطة على تحديد الحجم الصحيح لقواتها.
- تقديم النصح لها فيما يتعلق بإعادة بنائها وتدريبها وتحسين قدراتها.
ويضيف: «رغم أن هذه المهمة كافية لتحقيق الاختراق الأمريكي لقوات الأمن الفلسطينية إلا أنه بعد هروب تلك القوات من غزة تغيرت مهمتي بصورة جد دراماتيكية، وانتقل مركز اهتمامنا من غزة إلى الضفة الغربية، في يوليو ٢٠٠٧م أعلن الرئيس «بوش» عن طلب ٨٦ مليون دولار من الكونجرس لتمويل برنامج مساعدات أمنية لقوات الأمن الفلسطينية، ووافق الكونجرس على الفور، وعدنا إلى اللعبة مرة أخرى، وما لم يقله الرئيس هو أن ميزانيتنا في الثمانية عشر شهرًا الأولى كانت صفرًا.. كنت عمليًا منسقا لجهود أناس آخرين، ولكن هذه المرة لدينا النقود ولدينا مهمة جاهزون لإنجازها، ومنذ ذلك الوقت سلكنا سمتًا ثابتًا في دعمنا لحكومة سلام فياض المعتدلة في الضفة الغربية.. وأمدنا الكونجرس والإدارة بـ ٧٥ مليون دولار إضافيين.. بات بإمكان فريق الأمن الأمريكي الاستثمار في مستقبل السلام بين «إسرائيل» والفلسطينيين من خلال تحسين الأمن.. عملنا بصورة وثيقة مع الحرس الرئاسي، وركزنا على تحويل قوات الأمن الوطني الفلسطينية إلى «جندرما» «قوة شرطة منظمة» لتعزيز العمل الجاري من قبل الشرطة المدنية الخاضعة لنصائح الأوروبيين».
يستغرق برنامج التدريب مدة أربعة أشهر في مركز تدريب الشرطة الدولي في الأردن.. لماذا الأردن؟ الجواب بسيط: «الفلسطينيون أرادوا التدرب في المنطقة.. «الإسرائيليون» يثقون بالأردنيين، والأردنيون متلهفون للمساعدة.. تجهيزاتنا كلها غير خطرة وهي منسقة مع الفلسطينيين و«الإسرائيليين».. تأكدوا من فهم هذا: نحن لا نقدم شيئًا للفلسطينيين ما لم يتم التنسيق بشأنه مع «الإسرائيليين»، وبموافقتهم.. نحن لا نعطي بنادق أو ذخيرة، وتتراوح التجهيزات بين العربات والجوارب.. ما الذي بنيناه؟ ما فعلناه هو بناء رجال جدد.. دعوني أقتبس لكم من كلمة لضابط فلسطيني كبير في الخريجين: «أنتم يا رجال فلسطين لم تأتوا إلى هنا لتتعلموا كيف تقاتلون إسرائيل»! لقد جعل هذا التغير ضباطًا في الجيش «الإسرائيلي» يسألونني: كم من هؤلاء الرجال الجدد تستطيع أن تصنع، وبأي سرعة؟». وهكذا تحول الفلسطينيون إلى خامة طرية يشكلها «دايتون» كما يشاء!
الرصاص المصبوب
مر فريق «دايتون» بمرحلة اختبار صعبة أثناء عملية «الرصاص المصبوب»، وهو اسم الحرب الإجرامية التي شنها الصهاينة على غزة بين آخر ۲۰۰۸م وأول ۲۰۰۹م، وقد أعلن عن نجاحه في ضبط أمن الضفة الغربية أثناء الحملة؛ فالمظاهرات الاحتجاجية كانت سلمية وتمت بالتنسيق مع الصهاينة!
كان هدف فريق «دايتون» عدم تحول المظاهرات إلى انتفاضة، وقد نجح في تحقيق تنسيق عالي المستوى بين الشرطة الفلسطينية والاحتلال، يقول: «قبل الغزو البري، حذرني -سرًا- أصدقائي في الجيش «الإسرائيلي» من أن توترات شعبية كبيرة قادمة إلى الضفة الغربية، وتوقع البعض انتفاضة ثالثة، وهو أمر يرعبهم، لكنهم رغبوا بالمخاطرة إلا أن أيًا من هذه التنبؤات لم يتحقق.. حدثت تظاهرات وكان بعضها صاخبًا، لكن أيام الغضب الموعودة التي دعت إليها «حماس» باستمرار فشلت في أن تترجم عمليًا».
ويتابع: «لماذا حدث ذلك؟ كان هناك سببان، الأول: أن المهنية والأهلية الجديدة التي تمتعت بها القوى الأمنية الفلسطينية الجديدة قد أكسبت تعاملًا مدروسًا ومنضبطًا مع التظاهرات الشعبية، وكانت التوجيهات من رئيس الوزراء والرئيس واضحة، فقد سمحت بالتظاهرات دون أن تسمح لها بالتحول إلى العنف، ولذلك أبعد المتظاهرون بعيدًا عن «الإسرائيليين».. شعر الجيش «الإسرائيلي» -بعد أسبوع أو نحوه- بأن الفلسطينيين كانوا هناك وأن بإمكانهم الوثوق بهم.. في الواقع، إن القسم الأكبر من القوات «الإسرائيلية» تحركت إلى غزة من الضفة الغربية، والقائد كان غائبًا لثمانية أيام متتالية، وهذا يكشف عن نوع الثقة التي وضعت في هؤلاء الناس الآن».
ويضيف: «تعمد الإسرائيليون الحد من ظهورهم وبقوا بعيدًا عن التظاهرات، ونسقوا نشاطاتهم اليومية مع الفلسطينيين من أجل أن يتجنبوا صدامًا، أو أن يبقوا بعيدًا عن التظاهرات القادمة.. وهكذا كان القائد الفلسطيني وبطريقة نموذجية يبلغ القائد «الإسرائيلي» في المنطقة بقوله: «لدينا تظاهرة متجهة من نقطة «أ» وهي قريبة من نقطة تفتيش لكم، نأمل أن تغادروا النقطة لمدة ساعتين من أجل أن تمر التظاهرة، وعندها يمكنكم أن تعودوا.. وهذا ما فعلوه على وجه التحديد، يا للروعة!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل