; الأزمة القادمة بين الحكومة والمعارضة :من المسؤول عن أحداث الشغب في اليمن؟ | مجلة المجتمع

العنوان الأزمة القادمة بين الحكومة والمعارضة :من المسؤول عن أحداث الشغب في اليمن؟

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 21-يوليو-1998

وكالات- المجتمع: منذ اندلاع أحداث الشغب الأخيرة في اليمن احتجاجًا على رفع الأسعار، ظل ثمة سؤال يفرض نفسه على أطراف اللعبة السياسية حول من يقف وراء المسيرات الجماهيرية وأحداث الشغب التي هزت الشارع السياسي اليمني كما لم يهزه شيء منذ حرب صيف ١٩٩٤م؟

ومع أن السؤال المذكور يعد طبيعيًّا في مثل هذه الأحوال، إلا أن تحديد هوية المتهم الأول ظل يعكس ارتباكًا في مواقف الحكومة، عكس نفسه في التصريحات الرسمية، أو تلك التصريحات الغامضة التي اعتاد عليها اليمنيون منذ الفترة الانتقالية التي أعقبت قيام دولة الوحدة، حيث كان الحزبان الحاكمان- آنذاك- يستغلان إمكانات الدولة لدى كل منهما لإصدار البيانات والتصريحات الخاصة بهما- تحت مسمى مصدر أمني- لتحقيق أهداف معينة، ويبدو أن تطور الأحداث المناهضة لقرارات رفع الأسعار، واتخاذها شكلًا خطيرًا في منطقتي مأرب والجوف القبليتين، كل ذلك قد جعل الحكومة تعيد التعامل مع الموضوع «من يقف وراء...؟» مجددًا وبأسلوب انفعالي يوقعها في مآزق جديدة.

وعودة إلى بداية الأحداث، فقد عكس الخطاب الإعلامي الحكومي- حينها– موقفًا يسعى إلى التخفيف من حجم رد الفعل الشعبي ضد قرارات الحكومة، وأبعاده السياسية، فقد حرصت الحكومة على وصف المسيرات الجماهيرية الاحتجاجية بأنها مسيرات سلمية، خرجت لممارسة حق التعبير الديمقراطي، لكن جماعات من المشاغبين اندست بين المتظاهرين، وحولت المسيرات إلى أعمال شغب وتخريب وفق ما تم الإعلان عنه رسميًّا، وصار لازمة للخطاب الحكومي.

 ومع تطور الأحداث سلبًا، بدأت تصريحات رسمية توجه الاتهام إلى أحزاب معارضة بالوقوف وراء إثارة الشغب، وأعلن د عبد الكريم الإرياني- رئيس الوزراء في مجلس النواب اليمني- أن الأحداث الأخيرة كانت نتيجة مخطط معد مسبقًا، وتم تدريب عناصره بدقة لإثارة الشغب والفوضى، فيما لم تكن قرارات رفع الأسعار إلا الفرصة التي انتهزت لتنفيذ المخطط.

 وفي الإطار نفسه، أعلن وزير الداخلية اليمني أن أجهزة الأمن ألقت القبض على مجموعات من مثيري الشغب، الذين اعترفوا بمسؤوليتهم وبالأحزاب التي حرضتهم على ذلك.

لم تجد هذه الاتهامات اهتمامًا كبيرًا لدى الوسط السياسي اليمني، فوزير الداخلية أعلن في تصريحه- المشار إليه- أن مثيري الشغب الذين اعترفوا قد تم إطلاق سراحهم بناء على تعليمات من رئيس الجمهورية، الأمر الذي ألقى بظلال من الشك حول حقيقة تصريح وزير الداخلية، وحول حقيقة «أولئك» الذين اعترفوا بمسؤولية أحزاب في المعارضة عن تحريضهم ودفعهم لإثارة الشغب، وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، ثم تم إطلاق سراحهم دون أن يحالوا إلى القضاء أو حتى دون أن يتم عرضهم على شاشة التلفاز أو في الصحافة الرسمية.

 من جهة أخرى فإن غالبية اليمنيين لم يجدوا فيما حدث شيئًا مستغربًا بعد أن بلغت الحالة المعيشية بهم حدًا صعبًا للغاية، كما أن الآمال التي كانت معلقة على حدوث عملية إصلاح مالي وإداري ومحاربة الفساد، قد تبخرت تمامًا، ولا سيما بعد أزمة استقالة د. فرج بن غانم- رئيس الوزراء السابق- والتي شاع حينها أن سببها هو منع الرجل من إجراء إصلاحات إدارية حقيقية، وإقصاء لقائمة ثقيلة من الفاسدين أو الفاشلين في أجهزة الدولة.

وفي هذا السياق تم تسريب اتهامات ضد الإسلاميين بطريقة غير مباشرة عن طريق مراسلي وسائل الإعلام الخارجية، وهي الطريقة المفضلة لدى السلطة والمعارضة لإعلان مواقف يصعب إعلانها لاعتبارات متعددة، وبالتحديد فقد توجهت الاتهامات المعلنة إلى الشيخ عبد المجيد الزنداني- رئيس مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح- بدعوى تحريضية للمواطنين للخروج بمسيرات للاحتجاج على قرارات رفع الأسعار.

 ويبدو أن اشتداد المواجهات المسلحة بين رجال القبائل وقوات الحكومة في المناطق القبلية قد قوى من رأي الصقور داخل السلطة لتوجيه الاتهام رسميًا إلى الإسلاميين، فلا شك أن دموية المواجهات في المناطق القبلية كانت هي آخر شيء تتوقعه الحكومة، التي حرصت على عدم المساس بأسعار الديزل لكيلا تستثير غضب رجال القبائل، الذين يعتمدون عليه كثيرًا في حياتهم اليومية والعملية، ومع ذلك فقد كانت أخطر ردود الأفعال هي تلك التي شهدتها محافظتا مأرب والجوف، وأجبرت الحكومة على توجيه قوات إضافية كبيرة لفتح الطريق الرئيسة أمام شحنات الإمدادات النفطية القادمة من مناطق البترول في مأرب.

ويقال إن السلطة في صنعاء تنازعها اتجاهان لمواجهة ردود الأفعال الغاضبة، كان أكثرها تطرفًا ذلك الذي يدعو إلى تحميل الإسلاميين مسؤولية ما حدث، والاستناد في ذلك على كلام الشيخ الزنداني في خطبة الجمعة، والتي منعت أجهزة الأمن توزيع تسجيلاتها، وصادرت ما هو موجود منها في الأسواق.

كل ذلك ربما يفسر التطور المفاجئ الذي شهدته الأوضاع السياسية في اليمن في الأسبوع الأول من يوليو، ففي أيام متقاربة ظهرت ملامح اتهام الإسلاميين علانية في عدة وسائل، كان ذروتها ما أعلنه مصدر أمني، وزع تصريحًا على وسائل الإعلام الخارجية يتهم فيه متطرفون في التجمع اليمني للإصلاح، بأنهم مسؤولون عن إثارة الشغب، وزعزعة الأمن والاستقرار.

وقد بدأ ظهور هذه الاتهامات بصورة غير مباشرة في صحيفة الحزب الحاكم في صنعاء، والتي حملت مسؤولية ما حدث للمتطرفين دون تحديد صفتهم الحزبية، لكن مجمل التعليق المنشور كان واضحًا أنه يُقصَد به الإسلاميون.

مصدر أمني أعلن لوسائل الإعلام الخارجية عن وجود أدلة عن تورط من أسماهم بالمتطرفين في التجمع اليمني للإصلاح في أعمال الشعب والتخريب.

ومفاجأة اتهام المصدر الأمني، وهي أن الصحف الرسمية في اليمن كانت قد نشرت صباح ذلك اليوم تصريحًا مقتضبًا صادرًا من الأمانة العامة للتجمع اليمني للإصلاح يدين أعمال الشغب والتخريب، لكنه يؤكد في الوقت نفسه رفض الإصلاح لقرارات الأسعار، ويؤكد على حق المواطنين الدستوري في التعبير عن مواقفهم سلميًا.

 ويبدو أن تصريح قيادة الإصلاح لم يكن مرغوبًا فيه على هذا الشكل، فقد كان خارجا عن سرب الحملة الإعلامية التي تشنها الحكومة لاستغلال أحداث الشغب عن طريق إذاعة البيانات والتصريحات المؤيدة لسياستها، والمنددة بالشغب للتغطية على الآثار السلبية لقرارات رفع الأسعار، بينما جاء تصريح الإصلاح مؤكدًا على رفضه لقرار رفع الأسعار، وعلى الحق الدستوري للمواطنين في التعبير عن آرائهم، مع إدانة لأعمال الشعب لا يختلف عليها اثنان في اليمن، لكنها بعيدة عن التهريج الإعلامي والسياسي الذي ساد بعد أحداث الشغب، وقد أدى اتهام  المصدر الأمني إلى إثارة غضب الإسلاميين الذين طالبوا- في اتصالات سريعة وغير معلنة- بصدور بيان رسمي يبين موقف الحكومة من الاتهامات، كما أخروا صدور صحيفتهم الأسبوعية عن موعدها؛ حتى يتبين الموقف الحقيقي للسلطة من ذلك التصريح الخطير، وبالفعل فقد أعلن مصدر رسمي مسؤول مساء الأربعاء 8 من يوليو عدم صحة اتهامات المصدر الأمني، في تكذيب قوي وصفه مراقبون بأنه يعكس حالة الارتباك التي تمر بها الحكومة في التعامل مع الأحداث ومستجداتها وتطوراتها.

أما الإسلاميون فقد ارتاحوا قطعًا من بيان المصدر الرسمي، لكن اتهامات المصدر الأمني أكدت لهم صحة المعلومات الصحفية التي تشير إلى أن السلطة تبحث عن مشجب لتعليق أخطائها عليه، أو قربان فداء، وأن اختيار التيار المتطرف فيها قد وقع على الإسلاميين هذه المرة.

الرابط المختصر :