العنوان من ثمار كتاب الله
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 13-مارس-2010
مشاهدات 50
نشر في العدد 1893
نشر في الصفحة 66
السبت 13-مارس-2010
الأخيرة
بقلم: أ. د. عبدالمنعم الطائي
من ثمار كتاب الله
ظاهرة الارتباط الوثيق بين المكتبة كمؤسسة وبين الحضارة، تكاد تكون بديهية من البديهيات التي لا يماري فيها أحد، بل إن المكتبة تعد واحدًا من المؤشرات على درجة التطور الحضاري لأمة ما من الأمم أو شعب من الشعوب.
وبمجرد متابعة عدد المكتبات في كل دولة، وما تتضمنه من مؤلفات، وحجم الخدمات التي تقدمها وعدد الباحثين والمطالعين والطلبة الذين يترددون عليها، يمكن للمرء أن يحكم على المرحلة التي بلغتها تلك الدولة في سلم الحضارة.
ذلك أن المكتبة تضم جناحيها على حصيلة الإنجازات الفكرية والثقافية لأي شعب، وليس ثمة مؤسسة أخرى كالمكتبة يمكن أن تلخص طبيعة المسار الفكري والثقافي للأمم والشعوب، هذا إلى أن اتساع نطاق المتعاملين مع المكتبة أو انخفاضه، يمكن أن يوجز لنا -هو الآخر- المدى الذي بلغته هذه الأمة أو تلك.
ونحن لو التفتنا إلى عصور الازدهار والتألق الحضاري الذي بهرنا به العالم يومها، لوجدنا كيف كان «الكتاب» وكانت «المكتبة» بالتالي واحدة من أهم مراكز الثقل، وعوامل الدفع والإنجاز في مسيرة تلك الحضارة، ويكفي أن نقرأ بعض شهادات الباحثين الغربيين لكي يتأكد لنا ذلك:
يقول المؤرخ الفرنسي المعاصر أدوار بروي في كتاب تاريخ الحضارات العام:
«.... لقد بلغ من غنى التأليف في العالم الإسلامي ما يجعل الناس يشعرون بحاجة ماسة لمن ينهض ويعرف به في فهارس علمية».
وقامت في حواضر البلاد الإسلامية الكبرى دور للكتب غصت بعشرات الألوف من الكتب، جرى تصنيفها على نظم فنية خاصة روعي فيها تصنيف العلوم على أبواب ومطالب، وقام على خدمتها جيش من النساخ والوراقين.. كل هذا كان يفترض عددًا كبيرًا من القراء والمطالعين وطائفة كبيرة من الكتاب وحملة الأقلام والمفكرين».
ويقول الباحث الفرنسي المعاصر د. موريس بوكاي في كتابه دراسة الكتب المقدسة: «لقد أنجزت كمية عظيمة من الأبحاث والمكتشفات بالجامعات الإسلامية، في ذلك العصر، كان الباحث بهذه الجامعات يجد وسائل ثقافية عظيمة، ففي قرطبة كانت مكتبة الخليفة تحتوي على أربعمائة ألف مجلد.. وكان الكثيرون يسافرون من مختلف بلاد أوروبا للدراسة فيها.
ويقول المستشرق المعروف فرانز روزنثال في كتابه مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي كانت المكتبة الخاصة بالنسبة للعالم المسلم أعز ما يملكه، وكان فقدها كارثة تترك في نفسه ألما أشد من الألم الذي يشعر به عالم اليوم إذا ما فقد كتبه.. وهناك غير هذه وتلك عشرات بل مئات الشهادات على ما كان للكتاب والمكتبة من دور فعال في تاريخنا الحضاري.
أليست هذه الحضارة المتألقة، وتلك التقاليد المعرفية الأصيلة، هي ابنة كتاب الله الذي تنزلت كلماته الأولى تأمر الإنسان بالقراءة، وتمجد العلم والقلم؟ ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ , خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ , ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ , ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ , عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ﴾ (العلق).
أليست هي ابنة كتاب الله الذي دعا إلى العلم في مئات الآيات، وحث المسلم على إعمال قدراته الحسية والعقلية لاكتشاف العالم، وما ينطوي عليه من سنن ونواميس وكنوز وطاقات؟
أليست هي ابنة هذا الدين الذي أعلن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بأن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل