; من ثمرات التاريخ ... صلاح الدين.. حين تخلو الزعامة من شوائب الغرض | مجلة المجتمع

العنوان من ثمرات التاريخ ... صلاح الدين.. حين تخلو الزعامة من شوائب الغرض

الكاتب د. هشام الحمامي

تاريخ النشر السبت 22-مارس-2008

مشاهدات 45

نشر في العدد 1794

نشر في الصفحة 66

السبت 22-مارس-2008

سبحان الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.. إذا تأملنا في وفاة شخصين صاحبا ظهور صلاح الدين وجدنا ما يدعونا لطول التأمل وطول النظر وهما أسد الدين شيركوه، ونور الدين محمود.. بوفاة الأول أخلي السبيل أمام صلاح الدين ليحقق النهوض بمصر، وبوفاة الثاني حقق وحدة مصر والشام.

فحين تولى صلاح الدين الوزارة في مصر ١١٦٩ م تبين له أنه لا بد من عودتها إلى حضن الأمة «الخلافة العباسية»، لأن الحرب القائمة ليست حربًا إقليمية محدودة، ولكي يتم ذلك لا بد من توحيد جهود الأمراء والعلماء.. فكان مما لا بد منه.. إلغاء الخلافة الفاطمية وتم كل ذلك بيسر وسلاسة تعبر عن الطبيعة المصرية الهادئة في التعامل مع الانتقالات الحرجة، وتعبر عن فطنة غير محدودة من صلاح الدين.

وبدأ ترتيب البيت من الداخل، فقد كان مليئًا بالغبار والانكسار والانهيار.. والشعب المصري سريع الالتقاط لرسائل الحكام، فإذا كان الجد فهو في طليعة الجد، وإذا كان هزلًا كانت اللا مبالاة والإعراض، كما يقول «جمال حمدان» عن الشخصية المصرية: «وكانت الجدية واضحة في رسالة صلاح الدين.. فقاموا معه قيامًا على أمشاط أرجلهم».

كاد تعجل صلاح الدين باتصاله المباشر بالخليفة العباسي أن يهدم حلم النهوض الذي كانت تنتظر الأمة تحقيقه.. والدساسون يجلسون على قوارع الطرق لالتقاط الهفوات، وإبليس الذي «يئس أن يعبد بينكم، ورضي أن ينزغ بينكم» يأتي عن الإيمان والشمائل.. وكادت تنشأ حرب بين مصر صلاح الدين، وشام نور الدين. إلا أن صلاح الدين أحكم أمره وبرشد العقلاء سارع إلى استدراك هفوته، فأرسل فورًا إلى نور الدين ما يطيب به نفسًا.. ثم ما لبث الموت أن أكمل له ما بدأ.. وبانتقال نور الدين محمود ١١٧٤م، وتولي ابنه الصالح إسماعيل، بدأ صلاح الدين العمل على وحدة مصر والشام واستأذن الخليفة في ذلك فأذن له، وكان له ما أراد ثم ما لبث أن ترك جيشًا قويًا ببلاد الشام فيما عاد هو إلى القاهرة..

حين قرر صلاح الدين دخول معركته الكبرى قرر قبلها أن يخوض معركة صغرى ويرى كيف تسير الأمور في محاولة لجس نبض الصليبيين؛ لكنه لقي هزيمة عند مدينة الرملة نجا منها بأعجوبة عبر عنها بقوله: وما أنجانا الله إلا لأمر يريده سبحانه ثم عاد إلى مصر متيقنًا أن الأمر ليس سهلًا.. والرأي قبل شجاعة الشجعان.. فهادن «ريموند الثالث» في إنطاكية وعقد معه صلحًا لمدة ثلاث سنوات لتأمين هذه الجبهة ثم قبل هدنة أخرى مع «بلدوين» ملك بيت المقدس و«أرناط» في الكرك، وحين تبين له أن تكليف ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ (الأنفال: 60)

قد تم على التمام والكمال.. حزم أطراف الشجاعة.. فالتقط خطأ «أرناط» بنقضه الهدنة واعتدائه على قافلة تجاريه، وتعديه بالسب على الرسول صلى الله عليه وسلم.. فكان أن تأججت مشاعر المسلمين اشتعالًا، رغبة في الجهاد، وكانت الذريعة السياسية للحرب قد أعلنت عن نفسها وشن صلاح الدين حربه في المكان والزمان المختارين.. وبدأ بتكتيك مدهش.. إذ أضرم النار في الأحراش الواقعة شمال معسكر الصليبيين فحملت الريح دخانًا كثيفًا إليهم طوال الليل وعلت أصوات التكبير والصلوات في معسكر المسلمين، وبدأت المعركة فما لبث أن ملأت جثث الصليبيين أرض المعركة وأسر عدد كبير في مقدمتهم ملك بيت المقدس، وأخوه، وأرناط حتى قال ابن الأثير: من رأى الأسرى لا يظن أن هناك قتلى، ومن رأى القتلى يحسب أنه لم يكن هناك أسرى، وقتل أرناط وأفرج عن ملك بيت المقدس، وأمر بنقل الأسرى مكرمين إلى دمشق، وبدأت رحلة الجهاد المباركة نحو بيت المقدس عبر «عكا» و«الخليل» و«نابلس» و«الناصرة» و«قيسارية» و«حيفا» و«بيروت» و«جبيل» و«عسقلان».. ثم الثمرة الكبرى «زهرة المدائن» 10/ 1187م التي سلمها قائدها بشروط صلاح الدين دون قطرة دم واحدة «كان الصليبيون قد قتلوا سبعين ألفًا حين احتلوها قبل ثلاثة وتسعين عامًا».. وغلب النور على الظلمة والحق على الباطل، وردت الكرامة، ونعم المسيحيون العرب بإقامتهم، وعاد اليهود إلى القدس بعد أن كانت محرمة عليهم وقت احتلالها..

أثار تحرير بيت المقدس هياج الأوروبيين فدعا البابا «جريجوري الثامن» إلى إرسال حملة صليبية جديدة، قادها ثلاثة ملوك هم: ملك ألمانيا وملك بريطانيا الملقب بـ«قلب الأسد»، وملك فرنسا وبالفعل وصلوا وأعادوا احتلال عكا.. وحاول قلب الأسد بكل الطرق أن يستعيد القدس، لكنه فشل فعقد صلحًا مع صلاح الدين «صلح الرملة 9/ 1192م» على أن لا يتواجد الصليبيون في غير الشريط الساحلي بين «يافا» و«عكا»، ولعل صلاح الدين شعر أن ذلك أفضل الحلول لمن سيأتي بعده إذ إنه توفي في دمشق بعد ستة أشهر من هذا الاتفاق «3/ 1193م».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل