; من حكم الحج والعمرة | مجلة المجتمع

العنوان من حكم الحج والعمرة

الكاتب د. حمدي شلبي

تاريخ النشر السبت 08-فبراير-2003

مشاهدات 86

نشر في العدد 1538

نشر في الصفحة 52

السبت 08-فبراير-2003

 

قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (البقرة:197).

الحج باعتباره شعيرة من شعائر الإسلام، وركنًا من أركانه له أسراره التي استنبطها المحققون من العلماء الراسخين في العلم فهم لم يقفوا عند ظواهر العبادات فحسب، ولكنهم تعمقوا في باطنها، وفطنوا إلى أسرارها واستطاعوا أن يستنبطوا منها حقائق وآدابًا تخلقوا بها، فطابت حياتهم، وتمت لهم معرفتهم بربهم.

وقد فرض الله - عز وجل - الحج على عباده الحكم من بينها التالف والتعاطف والالتقاء الروحي في صعيد واحد يجمع بين الأبيض والأسود والعربي والأعجمي، فيتشاورون في أمور دينهم ودنياهم، ويعملون على توحيد صفوفهم، ويتعاونون فيما بينهم الإعلاء كلمتهم، ورفع شأنهم يلتقون إخوة متحابين، ويعودون إلى أوطانهم وقد تطهرت نفوسهم، وتركت أرواحهم، ويبدؤون صفحة جديدة في عام جديد للعمل على نصرة الإسلام والمسلمين.

مناسك الحج

وللحج مناسك وأفعال تلقاها المسلمون جيلًا بعد جيل عن نبيهم محمد ﷺ كما ورد في الحديث الصحيح: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ..» (1)، ولسنا بصدد الحديث تفصيلًا عن هذه المناسك، وإنما أود أن أشير إلى بعض حكمها وأسرارها:

1- الإحرام: وهو أول المناسك، والحكمة منه التجرد من شهوات النفس والهوى، وحبسها عن كل ما سوى الله، وعلى التفكير في. جلاله سبحانه وتعالى.

2 – التلبية: «لبيك اللهم لبيك...» والحكمة منها الشهادة على النفس بهذا التجرد، وبالتزام الطاعة والامتثال.

3- الطواف: والحكمة منه دوران القلب حول قدسية الله وهو صنع المحب الهائم مع المحبوب المنعم الذي ترى نعمه ولا تدرك ذاته.

4- السعي: والحكمة منه التردد بين علمي الرحمة التماسًا للمغفرة والرضوان. 

5- الوقوف بعرفة: والحكمة منه: بذل المهج في الضراعة بقلوب معلومة بالخشية وأيدِ مرفوعة

بالرجاء، وألسنة مشغُولة بالدعاء، وآمال صادقة في أرحم الراحمين.

6- الرمي: ما هو إلا رمزُ مقت واحتقار لعوامل الشر، ونزغات النفس، وصدق العزيمة في طرد الهوى المفسد للأفراد والجماعات.

7- وأما الذبح: فهو الخاتمة في درجة الترقي إلى مكانة الطهر والصفاء، وما هو في حقيقته إلا إراقة الدم الرزيلة بيد اشتد ساعدها في بناء الفضيلة، ورمز للتضحية والفداء على مشهد من جند الله الأطهار الأبرار.

ولله در القائل في ترجمة هذه الحكمة - الذبح - إحياء لسنة سيدنا إسماعيل في حث والده إبراهيم عليه السلام – قائلًا: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (الصافات:102)، في سرعة الاستجابة لأمر الله سبحانه:

 من كالخليلِ يُرينا خَيْر تضْحية

               جلَّتْ مَوَاقِفُهَا عَنْ كُلِّ تَبْبِينِ

صَحَا مَعَ الفَجْر صَوْتُ الوحي يُقزعهُ (۲)

                قُمْ يا بُني فَصوْت الله يدعوني

إِنِّي بِذَبحك قد ألهمتُ يا ولدي

                   أمر السَّمَاءِ فَهَلْ تَعصي وتُخْزِيني؟

 فَشَمرَ الطفْلُ إيمانًا بلا جزع

                            جمعْ قُواك أبي خُذْ تِلْكَ سكيني

 وَافْعَلْ مَا أمرت به فالـ

                           أرْواحُ لله والأجْساد للطين

8- طواف الوداع: والحكمة منه دوام الصلة بالبيت وأخر العهد بالدنيا وبالكعبة التي هي رمز التوحيد والوحدة لتظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها علم الله المركوز في الأرض ليمثل به الناس - على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم - أوضح معاني أخوتهم وليرمز إلى أقدس مظاهر وحدتهم، وإنما كانت بناء ليكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.

وحقًا يرى العالم أجمع - في يوم عرفة - وحدة هذه الأمة الإسلامية جليًا كالشمس في رائعة النهار هذه الحكم السامية وحدة في المشاعر ووحدة في الشعائر، ووحدة في الهدف، ووحدة في العمل، ووحدة في القول، لا إقليمية، ولا عنصرية، ولا عصبية للون، أو جنس، أو طبقة إنما تراهم جميعًا مسلمين، برب واحد يؤمنون، ويبيت واحد يطوفون، ولكتاب واحد يقرؤون، ولرسول واحد يتبعون، ولأعمال واحدة يؤدون، فأي وحدة أعمق من هذه وأبعد غورًا؟

نعم إذا أكمل الحاج أعماله، وطاف طواف الإفاضة، وأراد الرجوع إلى بلده، قصد البيت الحرام، وطاف به طواف الوداع، وهو بمثابة استئذان في الانصراف وتجديد عهد الولاء، والإقامة على تلبية الله في شرعه ودينه، وبه يكمل الحج، ويرجع الحاج إلى أهله مزودًا بالتقوى، طاهرًا من الذنوب والآثام. 

وصدق الله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب (البقرة:197).

المراجع

1- الإسلام عقيدة وشريعة محمود شلتوت من ص ١١٤: ص ١٣ بتصرف ط دار الشروق.

2- العبادة في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوي من ص ۲۸۱- ص ۲۹۵ بتصرف، ط مؤسسة الرسالة

بيروت / لبنان.

3- إحياء علوم الدين، للإمام أبي حامد الغزالي - رحمه الله- 2/58 :٨٦ بتصرف ط دار الفكر.

4- صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ط عيسى الحلبي بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

الهوامش

(۱) هذا جزء من حديث أخرجه مسلم في الصحيح: کتاب الحج: باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وبيان قوله ﷺ «لتأخذوا مناسككم» ٩٤٣/١ رقم الحديث 310/1297 من حديث جابر بن عبد الله وتمامه: «رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر»، ويقول: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه، ط الحلبي، بتحقيق أ. محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه الله. 

(۲) يقزعه: يجرده لأمر ولا يشغله بغيره.

(*) مدرس الحديث وعلومه بجامعة الأزهر 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

96

الثلاثاء 12-يناير-1971

الرحلة المباركة

نشر في العدد 45

90

الثلاثاء 26-يناير-1971

هذا الأسبوع (45)

نشر في العدد 182

203

الثلاثاء 01-يناير-1974

أسرار الحج وحكمته ومعانيه