; من سرق برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء العراقي ؟ | مجلة المجتمع

العنوان من سرق برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء العراقي ؟

الكاتب محمد صادق أمين

تاريخ النشر السبت 08-يناير-2005

مشاهدات 38

نشر في العدد 1634

نشر في الصفحة 34

السبت 08-يناير-2005

ساهم الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق في أعقاب غزو الكويت في تحطيم البنية التحتية للاقتصاد العراقي، فبعد أن كان دخل الفرد العراقي يعد الأعلى في المنطقة صار معرضا للموت جوعا، بسبب نقص الغذاء والدواء، برنامج النفط مقابل الغذاء سمح للعراق ببيع جزء من نقطه مقابل شراء مواد غذائية وأدوية خلال الفترة ما بين عامي ۱۹۹٦ و ۲۰۰۳ للتخفيف من الآثار الإنسانية للعقوبات. 

ولم يكن يدور في خلد أحد أن فسادا سيدب في المنظمة الأممية مستغلا حاجة نظام صدام حسين للسيولة النقدية ليزيد من مصائب هذا الشعب المنكوب، كما لم يدر في خلد من ساهموا في سرقة أموال العراق أن ورقة التوت ستسقط عن النظام لتنكشف عوراتهم وعورات النظام البائد.

● كيف بدأت القصة ؟

 ما إن سقط النظام حتى نهبت جميع مؤسسات الدولة، ومع نهب الوزارات كشفت وثائق ومستندات فضحت اللعبة التي تستر عليها من تستر إلى حين حانت اللحظة التي تسمح باللعب بهذه الورقة. أول من كشف عن التلاعب في البرنامج الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة، كان عضو مجلس الحكم أحمد الجلبي بعد تشكيله لجنة تحقيق منفصلة طالب على إثرها بول بريمر الحاكم العسكري للعراق بدفع 5 ملايين دولار مقابل التحقيق، حيث تم تجميع ما يزيد على ٢٠ ألف ملف من ست عشرة وزارة عراقية مختلفة، تكشف الخيوط الأولى لملابسات هذا الموضوع، ودخلت سلطة الحاكم العسكري بريمر في صراع مع الجلبي انتهى بإناطة سلطة التحالف في العراق مهام التدقيق في التجاوزات ببرنامج النفط مقابل الغذاء إلى ایرنشست يانج، حيث عارض مسؤول الإدارة المدنية في العراق بول بريمر، بشدة تمويل التحقيقات التي بدأها الجلبي في منتصف نيسان / أبريل، وأسند مهامها إلى شركة تدقيق   (KPMG) الممولة من أموال مبيعات النفط والأرصدة المصادرة من حسابات الرئيس السابق، وكتب بريمر إلى الجلبي قائلاً: يجب أن أشدد على أن سلطة التحالف قد أجازت تحقيقاً واحداً. ولن تجيز تمويل تحقيقات أخرى حول القضية، خاصة أن مثل هذه الخطوة قد تقوض التحقيقات الجارية، وطالب بريمر الجلبي بتسليم لجنة التحقيقات التي تشرف عليها سلطة التحالف جميع المستندات والأدلة التي قام بتجميعها بصورة مستقلة، لكن الجلبي أصدر بياناً اتهم فيه بريمر بتعقيد القضية والاستهانة بجهود مجلس الحكم العراقي لمعرفة الحقيقة.

وجمعت سلطة الاحتلال بعد ذلك آلاف الملفات من العشرات من الوزارات العراقية السابقة، منها ۷۵۰۰ ملف من وزارة النفط، وما يزيد على 5 آلاف من وزارة الكهرباء، بجانب ٣٦٨٢ من وزارة الصحة، فضلاً عن ٢٥٠٠ ملف من وزارة الزراعة.

كما استولت السلطة على العشرات من الأدلة من وزارات الزراعة والإسكان والتجارة والتخطيط والشباب والرياضة، فضلاً عن وزارتي التعليم العالي والمواصلات

هذا وقد كشفت صحيفة المدى العراقية عن لائحة تضم أسماء حوالي ۲۷۰ من رموز النظام العراقي السابق، بجانب ناشطين وصحفيين ومسؤولين من الأمم المتحدة من حوالي ٤٦ دولة مختلفة، يشتبه في استفادتهم من مبيعات النفط العراقي تحت برنامج النفط مقابل الغذاء.

وقدر مكتب المحاسبية العام التابع للكونجرس الأمريكي استفادة النظام العراقي السابق بمبلغ ٥.٧ مليار دولار من عائدات تهريب النفط إلى دول الجوار، بجانب ٤.٤ مليار دولار أخرى من التلاعب في عقود رسمية.

 على إثر ذلك اتفق مجلس الأمن الدولي في أواخر شهر نيسان / أبريل الماضي على إصدار قرار يساند فتح تحقيق للكشف عن الثغرة في برنامج النفط مقابل الغذاء العراقي، والذي قال مسؤولون أمريكيون إنها أتاحت تدفق مليارات الدولارات من عائدات بيع النفط بصورة غير مشروعة على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، وناشد قرار مجلس الأمن سلطة التحالف التي تقودها الولايات المتحدة في العراق والعراقيين - بالإضافة إلى الدول الـ ١٩١ الأعضاء في الأمم المتحدة - التعاون الكامل وبكل السبل الملائمة مع التحقيق..

الأمين العام للأمم المتحدة قرر بدوره إجراء تحقيق داخلي غير أن عاصفة من انتقاد وسائل الإعلام لذلك غيرت رأيه، فبعث عنان رسالة إلى مجلس الأمن يقترح فيها تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للنظر في مزاعم بالفساد، وتتضمن الادعاءات المتعلقة بوجود فساد استغلال البرنامج من قبل رجال أعمال وحكومات بما فيها الحكومة العراقية (السابقة)، وبالفعل تم تشكيل لجنة تحقيق برئاسة رئيس هيئة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبق بول فولكر بدعم من مجلس الأمن.

● كلفة التحقيق

قدم رئيس لجنة التحقيق المستقلة بول فولكر إلى الأمين العام كلفة إجراء التحقيق مقدرة بحوالي ٣٠ مليون دولار، وأكد أنه أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان أن تقديره الأولي للتكلفة استند إلى ما يلزم لتنفيذ الجانب المهم من التحقيقات. وتركزت أولويات عمل فريق التحقيق في تحري أية أنشطة غير قانونية تورط بها مسؤولون من الأمم المتحدة. وقد افتتحت اللجنة ثلاثة مكاتب لها لهذا الغرض المقر الرئيس في نيويورك، ومكتب في باريس، وآخر في بغداد، حيث تمت فهرسة وتنظيم ما يقرب من عشرة آلاف صندوق تحوي مستندات خاصة بالبرنامج في نيويورك، وما يزيد على هذا العدد في بغداد.

وتوقع فولكر أن يستمر التحقيق فترة تتراوح من سنة إلى ثمانية أشهر، مشيراً إلى أن أي تقديرات حول دور الأمم المتحدة في برنامج النفط مقابل الغذاء لن تتبلور قبيل مطلع عام .٢٠٠٥

وقد كشفت اللجنة أسماء ٢٤٨ شركة تلقت نفطاً عراقياً بجانب ٣٥٤٥ شركة قامت بتصدير بضائع إلى النظام العراقي السابق وذكر رئيس اللجنة بول فولكر أن التحقيقات واجهت صعوبات في العراق وفرنسا، واستشهد بخلاف مع مصرف  (BNPParibas) الذي كانت تودع به عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء، وقال تعاونوا إلى حد ما فيما يتعلق بالمعلومات، ومن حقنا الحصول على المعلومات واعتقد أننا سنحصل عليها، ولكن ليس طواعية أو بالسرعة التي نتمناها. وتطرق إلى صعوبات مع شركة المحاسبة أيرنست أند يانغ Ernst & Young التي كلفها المجلس الأعلى العراقي للمحاسبة لمراجعة ما يزيد على ٢٠ ألفاً من ملفات النظام العراقي السابق المتعلقة بالبرنامج، ومن بين الشركات التي تلقت نفطاً عراقياً، أربعة مؤسسات أمريكية هي (تيكساكو) و (شيفرون) المعروفة الآن بشيفرون تيكساكو كورب) و (موبيل) التي تعرف حالياً ب أيكسون موبيل كورب وأخرى ثالثة يطلق عليها (فونيكس انترناشيونال)، ووجدت اللجنة أن الشركات الـ ٢٤٨ التي اشترت نفطاً عراقياً دفعت للنظام العراقي السابق ما يوازي ٦٤.٢ مليار دولار، فيما تلقت الأخرى التي صدرت بضائع للعراق وعددها ٣٥٤٥ شركة ما قيمته ۳۲.۹ مليار دولار.

● مطالبة عنان بالاستقالة

بعد تصريحات للأمين العام للأمم المتحدة أزعجت الولايات المتحدة ظهرت أصوات داخل الكونجرس تطالبه بالاستقالة، حيث دعا نورم كولمان عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الذي يقود التحقيقات الخاصة بالكونجرس حول مزاعم بالفساد وسوء الإدارة في برنامج الأمم المتحدة المتعلق بالعراق النفط مقابل الغذاء، أمين عام المنظمة الدولية كوفي عنان إلى الاستقالة، قائلاً: إن هذا المدى الضخم من الانهيار الكامل بتطلب ذلك على الأقل. 

وقال السيناتور الجمهوري نورم كولمان في مقال نشر في صحيفة الوول ستريت جورنال قرار مطالبة السيد عنان بالاستقالة لم يكن سهلاً، لكني توصلت إلى هذه النتيجة، لأن أكبر انتشار للفساد في تاريخ الأمم المتحدة تم خلال وجوده. وقال السيناتور الجمهوري: لن يكون بإمكان العالم أن يعرف حجم انتشار الرشاوى والدفعات التي تتم تحت الطاولة والتي وقعت تحت أنف الأمم المتحدة الجماعي وخلال وجود عنان في موقعه …

● هل سيستقيل كوفي عنان؟

قال عنان في مؤتمر صحفي بمناسبة نهاية العام ٢٠٠٤ : إن مزاعم الفساد في برنامج النفط مقابل الغذاء ألقت بظلال من الشك حول الأمم المتحدة وتحديداً في علاقتها بالولايات المتحدة أكبر المساهمين في ميزانية المنظمة الأممية.. وعبر عن أمله في أن تؤدي التحقيقات حول الفساد في برنامج النفط مقابل الغذاء إلى تصفية الأجواء - حسب تعبيره ورفض تحمل المسؤولية الشخصية عن الفضيحة حتى اكتمال التحقيقات المستقلة في منتصف العام المقبل، مشيراً إلى أنه والأمم المتحدة كانا عرضة لهجمات متواصلة من جهات محددة لم يسمها وإلى انتقادات بناءة كنا نتقبلها، ورفض عنان دعم تصريحات نجله كوجو الذي أشار في تصريح لـ  (CNN)   أن الهجمات على برنامج النفط مقابل الغذاء حملة تدخل في إطار أجندة سياسية عريضة للديمقراطيين، ومما زاد في حراجة موقف عنان هو تعرض نجله للاتهام بفضيحة الفساد صفقاتحيث إن لجنة التحقيقات استجوبت كوجو لارتباط اسمه بصفقات تمت تحت ستار البرنامج، وتلقي أموال على أعمال استشارية نفذت في إفريقيا للشركة السويسرية Cotecna)) التي كانت تدقق بالسلع التي تدخل العراق بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء … أخيراً ألا يحق لنا نحن العراقيين أن نتساءل: من سرق أموال النفط مقابل الغذاء والدواء؟ من تاجر بجوعنا ومرضنا ومن يقتص لنصف مليون طفل عراقي قتلوا بسبب الحصار؟! وممن نقتص إذا كان المجرمون كثيرين؟!

الرابط المختصر :