; من سلبيات هذا القرن الهجري.. | مجلة المجتمع

العنوان من سلبيات هذا القرن الهجري..

الكاتب د. أحمد محمد الخراط

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1979

مشاهدات 70

نشر في العدد 432

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 13-فبراير-1979

يكاد القرن الرابع عشر الهجري يؤذن بالرحيل بعد أن عاش جيلنا والجيل الذي قبلنا معه ذكريات وأحداثًا، منها ما كان خطرًا ينضح بالكيد، ومنها ما كان باسمًا يزهر بالتفاؤل، وينبغي للدارس المسلم أن يفيد من مناسبة خاتمته لينفض جعبته من هذه الذكريات والأحداث فيعي أبعادها ويخطط لقادمات الأيام والسنين وعسى أن يكون في القرن القادم همه أبعد ورجال أقوى يصلحون ما فات، ويرتقون بالأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس إلى الأفضل.

أما السلبيات ونعني بها ما كان خطرًا على الدعوة الإسلامية يوقف عطاءها ويشل حركتها أو يضرب رجالها ويئد صحوتها فأخطرها قضية هدم الخلافة الإسلامية التي حدثت في أوائل القرن وما تفرغ عنها من الفصل بين الدين والدولة وتفريغ الإسلام من محتواه السياسي وسلب الحاكمية من الله سبحانه والسير على القانون الوضعي.. والحقيقة أن هذه الحلقة الضخمة مضت تفرغ معطيات الإسلام من جوهرها ومضمونها وقد تبقى على الطلاء الخارجي والنسك التعبدية، ولكنها تحولها إلى شكل باهت لا حركة فيه، وبذلك يشطب على صفحات ثرة من الدستور الإسلامي تتعلق بالحكم وتفصيلاته وتفريعاته وتتصل بقيادة المجتمع وما يترب عليها من طرائق وأفعال، ومسألة الفصل بين الدين والدولة حدثت بالضبط سنة ١٩٠٨ م بخلع السلطان عبد الحميد، واصبحت المجتمعات الإسلامية تحكم بمناهج وضعية يسارية أو يمينية، وقد تجلت ذروة الدعوة في الفصل بين الدين والدولة في كتاب ظهر في مصر وصاحبه القاضي الشرعي علي عبد الرزاق بعنوان «الإسلام وأصول الحكم» ويدور الكتاب كله حول إثبات أن الحكم ليس من طبيعة الإسلام في شيء وأن الإسلام دين لا علاقة له بالحكم والسياسة والدولة، يقول:

«أن ولاية الرسول على قومه ولاية روحية منشؤها إيمان القلب وخضوعه خضوعًا صادقًا تامًا يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون لها بالقلوب إتصال، تلك زعامة دينية وهذه زعامة سياسية ويا بعد ما بين السياسة والدين». ويعد عام ۱۹۰۸ كما قلنا عامًا حزينًا لكل مسلم غيور لأنه عام تهدمت فيه حقيقة الخلافة الإسلامية المتمثلة بالخلافة العثمانية، فانطوت بذلك قيادة القرآن وتوجيهه للحكم، نحن لا ننكر أن ثمة جهلًا وبدعًا وغباوة وأخطاء في آخر عهد هذه الخلافة التي أصبحت تسمى بالرجل المريض، ولكن هذا شيء وتغيير النظام الإسلامي بالنظام الغربي الوضعي شيء آخر، وكانت الصهيونية وراء هذا الهدم لأن السلطان عبد الحميد رحمه الله رفض أن يحقق أطماعها في فلسطين، وقد وصل يهود الدونمة إلى مناصب عالية في دولة الخلافة، وكان هؤلاء يظهرون الإسلام ويبطنون اليهودية وكان منهم مدحت باشا الصدر الأعظم وهو ابن حاخام مجري، كما كان منهم جمهرة الصحافيين الذين كانوا يغطون تطور الأحداث ويزيفون الوقائع ويظهرون للناس أن السلطان عبد الحميد مستبد ظالم قد تابعهم للأسف كثير من مؤرخي المسلمين، وذكر هرتزل في مذكراته ما نصه: «وقال لي السلطان إذا تجزأت إمبراطوريتي يومًا ما فإنكم قد تأخذونها بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون على من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي وهذا أمر لا يكون» ومعروف أمر البرقية التي أرسلها اليهودي قره صو إلى السلطان بعد أن طرده إلى إيطاليا من مجلسه: «أنت رفضت عرضنا وسيكلفك هذا الرفض أنت شخصيًا ويكلف مملكتك كثيرًا» وبذلك تنفصل مملكتك كثيرًا وبذلك تنفصل الدولة وتنظيماتها وأشكالها ومسارها عن الدين لأول مرة في تاريخ الإسلام فقد شهد هذا التاريخ انحرافًا وبعدًا عن الإسلام، ولكنه لم يجرؤ حاكم فيه أن ينخلع عن الإسلام بشكل رسمي علني، كما وقف أتاتورك يقول وهو يفتتح جلسة البرلمان التركي عام ۱۹۲۳:

«نحن الآن في القرن العشرين لا نستطيع أن نسير وراء كتاب تشريع يبحث عن التين والزيتون» فيصفق له يهود الدونمة ويرددون: سلمنا البلاد لأيدي أتاتورك الأمينة وتركنا الكعبة للعرب» وقال أيضا: «سنطيح برأس كل خليفة يحاول أن يدخل أنفه في أمور الدولة» وسرت في العالم الإسلامي الكبير فكرة مشوشة باهته عن صلة الإسلام بالحياة وأصبحنا نلتقي يوميًا بكثير من المثقفين يؤمنون تمامًا إن هذا الدين للمسجد والصيام والصدقة من أجل البركة والثواب وأن رجاله للوعظ والإرشاد لا علاقة لهم بمناحي الحياة وألوانها وهي تسير في دورتها، أنهم لتصفية القلوب وتربيتها فحسب، ولم يعدم المسلمون رجالًا مخلصين كانوا يقفون في هذا القرن أمام هذه الدعوات المضللة، فالشيخ مصطفى صبري مثلا كان يتصدى لهم ويقول: أن هذا الفصل مؤامرة بالدين للقضاء عليه، ولقد كان في كل بدعة أحدثها العصريون والمتفرجون في البلاد الإسلامية كيد للدين ومحاولة للخروج عليه، لكن كيدهم في فصله عن السياسة أدهى وأشد من كل كيد». كما كان للماسونية دور كبير في الترتيب لهدم الخلافة تقول دائرة المعارف الماسونية: «إن الانقلاب التركي الذي قام به الأخ العظيم مصطفى کمال أتاتورك، أفاد الأمة فقد أبطل السلطنة وألغى الخلاف وأبطل المحاكم الشرعية وألغى دين الدولة الإسلام، أليس هذا الإصلاح هو ما تبتغيه الماسونية في كل أمة ناهضة، فمن يماثل أتاتورك من رجالات الماسون سابقًا ولاحقًا».

وتفرع عن هدم الخلافة الإسلامية تمزق الدول العربية التي كانت في دائرتها واقتنعوا بالوعود الإنكليزية، يقول لورنس ضابط الاتصال الإنكليزي بين العرب والحلفاء «إن مجلس الوزراء البريطاني قد دفع العرب إلى أن يقاتلوا في صفنا لقاء وعود معينـة بتحويل الحكم إليهم في المستقبل ولو أخلصت النصح للعرب لنصحتهم إذ ذاك بأن يعتزوا بدولتهم ويعودوا إلى بيوتهم» وتجاهل العرب في أوائل هذا القرن أن تصرفهم هذا آسفين يدق في عزهم ووجودهم وأصبحت ترى الدول العربية في حالة عجيبة من التمزق والتطاحن، فتجد هذا المسؤول في إعلام دولة خائنًا حينًا ومخلصًا حينًا آخر وهذا الرئيس يسعى للقضايا التي يسمونها مصيرية حينًا، ويقف في وجهها حينًا آخر وقد ظهر هذا الأمر واضحًا جدًا في آخر هذا القرن، وهذا ما نعيشه في هذه الأيام، تتعاور على أمتنا الأمم ولو دخلوا جحر ضب لدخلناه وعندما تمت إزاحة الدين عن الدولة الإسلامية وقعنا في مظاهر عديدة يأسف لها المسلم الذي قرأ في تاريخه المجيد ما قرأ من عزه المسلم صاحب الجبهة الشماء. ولعل من السلبيات الواضحة اهتزاز هيبة العلماء المسلمين وصدور فتاوي كثيرة عنهم تعكس الانهزامية وتلبيسها بالشرعية، حتى أن معظم الحكام الجاهلين كانوا يصلون إلى فئة تسبح بحمدهم وتؤيد انحرافهم باسم الدين.

«يتبع العدد القادم»

الرابط المختصر :