; من صفات الدعاة.. هواية تقوية القلوب | مجلة المجتمع

العنوان من صفات الدعاة.. هواية تقوية القلوب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1981

مشاهدات 87

نشر في العدد 539

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 18-أغسطس-1981


القسم الثاني: القلوب السوداء

(الحلقة الثالثة)

وصاحب هذا القلب مسامات قلبه مفتوحة للفتن؛ يتضح ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم "فأي قلب أشربها...".

قال الإمام النووي: «دخلت فيه دخولًا تامًا، وألزمها وحلت فيه محل الشراب»، ومنه قوله تعالى﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (البقرة:93) أي حب العجل.

ومنه قولهم "ثوب مشرب بحمرة، أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها"([1]).

 وعليه استحق أن ينكت فيه نكتة سوداء، ومع تكرار الفتن التي تعرض عليه وما يقابلها من عملية الامتصاص التي يقوم بها قلبه، ينتشر السواد على أجزاء قلبه، حتى يُغطِّيه فيكون «كالكوز مجخيا» أي كقدح الماء عندما ينكفئ، يقول الإمام النووي: «وهو وصف آخر من أوصافه بأنه قلب منكس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة»([2]).

ويشتد سواده حتى يعمى فلا «يعرف معروفًا ولا ينكر منكًرا، إلا ما أشرب من هواه».

 واختلاف درجات الفتن واختلاف درجات الامتصاص من قلب إلى قلب، نرى أنواعًا كثيرة من هذا الصنف أولها:

1- القلوب الغليظة:

يقول الله سبحانه وتعالى﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:159)، يقول الإمام القرطبي: «وغلظ القلب عبارة عن تجهم الوجه، وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة، ومن ذلك قول الشاعر

يبكي علينا ولا نبكي على أحد            

لنحن أغلظ أكبادًا من الأبل ([3]).

2- القلوب الزائغة:

يقول الله سبحانه وتعالى :﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ (آل عمران:7).

قال القرطبي: «الزيغ الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، ويقال زاغ يزيغ زيغًا، إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف آية 5). 

وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة»([4]). أي أنه يعرف الحق ويميل عنه ابتغاءً للفتنة.

3- القلوب الغافلة المغفلة:

يقول الله سبحانه وتعالى﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (الكهف:28).

يقول الشيخ السعدي: «غفل عن الله، فعاقبه بأن أغفله عن ذکره» ([5]).

ويقول ابن كثير: «أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا »([6]).

ويقول القرطبي: «يعني من ختمنا على قلبه عن التوحيد»([7]).

وفي اللغة «أغفله» أي تركه وسها عنه ([8]).

ويمكن الجمع بين هذه التفاسير بأن القلوب الغافلة هي التي تركت وسهت عن ذكر الله بسبب التعلق بالدنيا، فعاقب الله أصحابها بأن ختم على قلوبهم عن التوحيد، فلا يعرفون موجبات التوحيد وما تقتضي كلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، حتى يستحقوا العذاب يوم القيامة.

4- القلوب القاسية:

يقول الله سبحانه وتعالى﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ (البقرة:74).

يقول القرطبي: «القسوة الصلابة والشدة واليبس، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى»([9]).

ويشبه الإمام ابن القيم القلب القاسي وكأنه من معدن صلب، لم تقوَ درجات الحرارة الدنيوية من زواجر ومواعظ وعبر أن تلينه، فما بقي إلا نار جهنم كي تذيبه فيها.

فيقول: «ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، والبعد عن الله، خلقت النار لإنابة القلوب القاسية، أبعد القلوب من الله القلب القاسي، إذا قسى القلب قحطت العين، قسوة القلب من أربعة أشياء: إذا جاوزت قدر الحاجة، الأكل والنوم والكلام والمخالطة، كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فيه المواعظ» ([10]).

وهذا يؤكد بأن هواة تقوية القلوب ليس من هوايتهم التركيز على هذا النوع من القلوب الذي لا تنفع معه المواعظ ولا يوجد مكان فيها لاستقرار النصيحة.

5- القلوب المغلفة:

يقول الله سبحانه وتعالى﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ﴾ (البقرة:88).

قال القرطبي: «أي عليها أغطية، وهو مثل قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (فصلت:5)، وحكى أهل اللغة: غلفت السيف جعلت له غلافًا، فقلب أغلف أي مستور عن الفهم والتمييز([11]).

ويقول صاحب الظلال: «قالو: إن قلوبنا مغلفة لا تنفذ إليها دعوة جديدة، ولا تستمع إلى داعية جديد» ([12]).

وهذا الصنف أنفسهم يقولون: إن قلوبنا مغلفة عن سماع الحق، فهم يرفضون مبدأ سماع النصيحة فضلًا عن التأثر والانتفاع بها، وهم يعتبرون من أغلظ أنواع المدعوين.

6- القلوب المريضة:

يقول الله سبحانه وتعالى﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (الأحزاب:32).

قال قتادة والسدي: «أي شك ونفاق وغيل، تشوف للفجور وهو الفسق والغزل، قال عكرمة: وهذا أصوب وليس للنفاق مدخل في هذه الآية» ([13]).

 وقال ابن كثير: «أي خيانة وفساد» ([14]).

يقول الإمام ابن تيمية: مرض القلب هو نوع فساد يحصل له يفسر به تصوره وإرادته، فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار، والمريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح، فيضره يسير الحر والبرد والعمل ونحو ذلك من الأمور التي لا يقوى عليها لضعفه بالمرض([15]).

ويقول في تفسير الآية﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (الأحزاب:32)، هو مرض الشهوة، فإن القلب الصحيح لو تعرضت له المرأة لم يلتفت إليها، بخلاف القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك، بحسب قوة المرض وضعفه، فإن خضعن بالقول طمع الذي في قلبه مرض ([16]).

وما أكثر هذا الصنف الذي تكلم عنه شيخ الإسلام، وهو ذاته الصنف الذي تكلم عنه الله سبحانه وتعالى في صدر سورة البقرة في قوله﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (البقرة:10). الذين قال لهم الدعاة﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (البقرة:11)،  فردوا عليهم﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة:11)، فبسبب مرض قلوبهم انقلبت الصورة عندهم، فأصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا .

مظاهر الضعف الإيمانية وعلاجها

المظاهر:

1.                       الشعور بقساوة القلب.

2.                       ضيق الصدر.

3.                       عدم التأثُّر بآيات القرآن عند سماعها.

4.                       القلق بسرعة من القرآن.

5.                       زيادة الحب للدنيا والتعلق بها.

6.                       عدم التأثر بالعظات مثل الموت.

7.                       التكاسل عن الصلاة خصوصًا الفجر والعصر.

8.                       التكاسل عن أعمال الخير.

9.                       ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

العلاج:

1.                       الإكثار من ذكر الله.

2.                       الإكثار من ذكر الموت وزيارة القبور.

3.                       التفكر في مخلوقات الله.

4.                       تخصيص أحد أيام الأسبوع لقيام الليل.

5.                       أن يجعل له وردًا قرآنيًّا يوميًّا، لا يقل عن خمس صفحات.

6.                       أن يشعر أنه عابر سبيل في هذه الدنيا.

7.                       الجلوس والإطالة في الجلوس في المساجد.

8.                       طلب النصيحة من الإخوة.

9.                       قراءة الكتب الإسلامية مثل «التوبة» لأحمد عز الدين بيانوني، أو "رياض الصالحين".

10.               قراءة باب "الملتقى التربوي" في مجلة المجتمع.

([1]) شرح مسلم للنووي، 2/172،173.

([2]) شرح مسلم للنووي، 2/172،173.

([3]) تفسير القرطبي، 3/١٤٩٠، الثقافة.

([4])   تفسير القرطبي 2/١٣٥٤ – الثقافة.

([5]) تفسير كلام المنان ٢٠/٥.

([6]) تيسير العلي القدير 3/٧٢

([7]) تفسير القرطبي، 6/٤٠٠٨.

([8]) لسان العرب 2/۱۰۰۲ – دار لسان العرب.

([9]) تفسير القرطبي 1/۳۹۳.

([10])   الفوائد ١٣٨.

([11]) تفسير القرطبي 1/٤١٨.

([12]) الظلال 1/٨٩.

([13]) تفسير القرطبي 8/٥٢٥٩.

([14]) تيسير العلي القدير 3/4٩٠.

([15]) مجموع الفتاوى، 10/۹۳

([16]) مجموع فتاوى، 10/95.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1047

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 197

82

الثلاثاء 23-أبريل-1974

الغذاء الروحي

نشر في العدد 391

169

الثلاثاء 21-مارس-1978

الحياة الطيبة