العنوان وقفات تربوية حول غزوة بدر من عوامل النصر الأخذ بالأسباب واستخدام سلاح الدعاء
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005
مشاهدات 67
نشر في العدد 1674
نشر في الصفحة 48
السبت 22-أكتوبر-2005
الأمة لن تنتصر إلا إذا أعدت لكل أمر عدته وحازت كل ما تستطيع من أسلحة.
النعاس ونزول المطر والملائكة من جنود الله في نصرة المؤمنين.
إن حياة النبي ﷺ ليست كحياة أي بشر، إنما حياته ﷺ تشريع لهذه الأمة، وسنة لها يجب أن تتبعها، وتسير على نهجها في كل مجال من مجالات الحياة. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 29).
ومن ثم فإن أي موقف أو حادثة تقع في حياته ﷺ يجب على المسلم أن يقف عندها طويلاً يستقي منها الدروس والعظات والعبر، ويشرع في تطبيقها . فإذا فعل ذلك سعد في دنياه وأخراه، لأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، وما صلح أولها إلا باتباع كتاب الله - تعالى - والسير على سنة النبي ﷺ وتمثل خطى الخلفاء الراشدين والصحابة الأعلام من بعده.
قال ﷺ: « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسُنتي».
ومن الأحداث المؤثرة في حياة النبي ﷺ بل وحياة الأمة كلها أول معركة بين الإيمان والكفر بين الحق والباطل ( غزوة بدر) التي سماها الله عز وجل - «بيوم الفرقان»، لأنها أظهرت عز الإسلام. وأعلت صروحه، ووحدت دولته، وأذلت أنف الشرك، ودكت حصونه، وأذلت دولته، فاستحقت هذا الاسم عن جدارة، بل استحقت أن تنزل في شأنها آيات كثيرة في القرآن الكريم. سورة بأكملها هي سورة الأنفال، وآيات في سورة آل عمران وغيرها.
وبهذا تعد هذه الغزوة الشريفة مدرسة قائمة بذاتها مليئة بالدروس والعظات والعبر التي ينبغي على المسلم في هذه الآونة بالذات أن يقف عندها جيدًا. وحسبنا أن نقف عند لقطات لنستقي منها الدروس والعظات والعبر:
الوقفة الأولى: كراهية بعض الصحابة للنفير وحبهم للعير:
وهذه الوقفة يسجلها لنا القرآن الكريم في هذه الغزوة حين خرج النبي ﷺ ، وأصحابه في البداية يطلبون عير قريش بقيادة أبي سفيان وكان يومئذ على الشرك، وعلم أبو سفيان بخروجهم فاستطاع أن ينجو بالقافلة، ويفلت من قبضة الرسول ﷺ وصحابته، ومع علم النبي ﷺ والصحابة بنجاة العير إلا أن بعضهم كان لا يزال يمني نفسه بالحصول عليها لأنها الهدف الأسهل والأقرب.
وحينما احتدمت المواجهة وخرجت قريش تريد أن تحمي قافلتها، وبدت علامات الحرب تظهر في الأفق كره بعض الصحابة أن تقع المعركة بهذه الصورة، خاصة أن هذا هو أول قتال بين الإسلام والشرك، وتمنى البعض أن لو كان هناك استعداد لهذه المعركة يتناسب مع مكانتها، ولكن شاءت إرادة الله أن يتم كل ذلك على كره من كثير من الصحابة لكي يضع أيديهم على الحقيقة الكبرى في المعارك الحربية وهي أن النصر من عند الله - وحده - لا شريك له.
ويحكي لنا القرآن ما يدور في نفسية الصحابة مما ذكرته أنفاً فيقول: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)﴾ (الأنفال: 8/5).
وفي هذا المشهد دروس عديدة منها:
1 - قضاء الله - عز وجل - خير للعبد على ما يحب أو يكره.
فقد كره من كره الحرب في بدر، ولكن النهاية لم تكن مجرد نصر انتصره المسلمون أو غنيمة أخذوها ، كلا وإنما كان شرفاً دائماً لكل من شارك في هذه المعركة من البشر أو من الملائكة في الدنيا والآخرة، وفي الصحيح «أن الله - عز وجل - اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
2 - الصحابة بشر كالبشر كالنفوس يحبون ويكرهون يخافون ويحذرون، لذا يجب الاقتداء بهم.
3 - واقعية الإسلام في معالجته لأمراض النفس الإنسانية.
الوقفة الثانية دعاء النبي ﷺ ليلة المعركة واستغاثته بربه عز وجل
بعد أن أعد النبي ﷺ لكل أمر عدته بات ليلة المعركة ساهراً بين يدي الله - عز وجل - ساجداً وقائماً يبتهل إلى الله - عز وجل - ويسأله أن ينجز له ما وعده من النصر حتى طلع الفجر.
ولما بدأت المعركة دخل النبي ﷺ عريشه ورفع يديه إلى الله - تعالى - يناشده أن يحقق له وعده قائلاً : «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك .. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً» وبالغ في الاستغاثة والدعاء حتى سقط رداؤه من على منكبيه، فرده الصديق إليه وقال: «حسبك يا رسول الله ألححت على ربك إن الله منجز لك ما وعدك».. (الرحيق المختوم ص 197).
- وفي هذا درس عظيم للفرد وللأمة وهو :
الاستغاثة بالله تعالى عند الشدة، وأن الدعاء والابتهال سلاح نافذ من أسلحة النصر.
وأن الله - عز وجل - وعد في كتابه أنه يجيب المضطر إذا دعاه، فإذا وقع المسلم في شدة يجب أن يلجأ مباشرة أول ما يلجأ إلى الله - عز وجل - فيقوم فيصلي لله ركعتين وليعلم أن الله - سبحانه وتعالى - سيفرج عنه شدته لا محالة، قال تعالي: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: 9).
ولاحظ أن تعبير القرآن بحرف الفاء في قوله : ﴿ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 9] ليدل على سرعة الاستجابة ومجيء الفرج بعد الشدة مباشرة عند الدعاء.
الوقفة الثالثة في استعداد النبي ﷺ للمعركة
وقد يظن البعض أن وعد الله - عز وجل لنبيه بالنصر جعله يركن إلى ذلك ويطمئن ولا يضع خطة ولا يعمل حساباً لكل أمر، وهذا ظن خاطئ، لأن الإسلام يربي أصحابه على التوكل الحقيقي وهو الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب، وقد ظهر ذلك أوضح ما يكون في هذه الغزوة.
- فها هو النبي يخرج بنفسه مع الصديق يستطلع أخبار العدو.
- وها هو يختار المكان الأفضل كما أشار به الحباب بن المنذر.
- وها هو يقسم جيشه إلى ميمنة وميسرة وقلب.
- وها هو يوافق على بناء عريش له في مكان مرتفع يدير منه المعركة، وغير ذلك مما فعله النبي ﷺ.
- وفي هذا عبرة للأمة أنها لن تنتصر إلا إذا أخذت بأسباب النصر، وأعدت لكل أمر عدته وتمكنت من حيازة كل ما تستطيع من أسلحة، ودبرت شؤونها فأحسنت التدبير.
وصدق الله - عز وجل - إذ يقول موضحاً أسباب النصر : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾ (الأنفال: 45-46).
الوقفة الرابعة مع نزول الملائكة لنصرة المؤمنين في بدر
ولعل قائلاً يقول: إن أخذنا بأسباب النصر، وأحسنا الاستعداد، وبذلنا الوسع والطاقة في ذلك فكيف سينصرنا الله على أعدائنا وهم بهذه الكثرة والقوة، وأين نحن منهم؟
ولهذا أقول: كان المسلمون في بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، في قلة من السلاح والعتاد، وعدوهم يقارب الألف في كثرة من السلاح والعتاد، ونصرهم الله - عز وجل - بأمور كثيرة منها النعاس، ومنها نزول المطر، وأعظمها الملائكة: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (المدثر: 31).
وجند الله - عز وجل - لا تنتهي، وقدرته - سبحانه - لا حد لها، ولا يمنع مانع أن تقف معنا مثل ما وقفت مع الصحابة - رضوان الله عليهم - في بدر الكبرى.
وقد رأينا ذلك وعايناه في العاشر من رمضان عام ۱۳۹۳ هـ. حينما عدنا إلى الله - عز وجل - واستغثنا به، وعلمنا أن النصر من عند الله، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
أما (كيف) هذا، فلا دخل لأحد به، إنما يجب أن يؤدي كل مسلم ما عليه ويكل الأمر إلى الله - سبحانه وتعالى - الذي لا يعجزه شيء ولا تقف أمام قدرته قدرة.
هذه بعض الوقفات السريعة من خلال هذه الغزوة المباركة حاولت استخلاص بعض الدروس والعبر منها، تصب كلها في حال الأمة لكي تبين لنا أسباب النصر، وكيف يستعيد المسلمون مجدهم مرة أخرى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل