العنوان من إفريقيا السوداء إلى أقاصي سيبيريا.. المد الإسلامي يغزو العالم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1979
مشاهدات 90
نشر في العدد 430
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 30-يناير-1979
من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، ومن إفريقيا السوداء إلى حدود سيبيريا بدأ صوت الإسلام يرتفع من جديد ينشر راية الإسلام في كل مكان، وراية الإسلام بدأت تخفق من جديد، بعد طول غياب، في بعض الأماكن، بينما هي تستعد للارتفاع في مناطق أخرى. فما هي الاحتياطات التي ينبغي على الدول الغربية أن تتخذها في مواجهة ذلك؟ وكيف تستطيع أن تدرك حقيقة ما يجري لكي لا تفاجأ بالأحداث.
بالأمس كان عرش الشاه قويًّا في إیران، والآن تهاوى العرش وسقط الصولجان.. وبعد إیران جاء دور تركيا التي لم يكن أي واحد يتجرأ حتى على التلميح الى خروجها من الحظيرة الغربية، لقد اتخذت المسألة طابعًا عنيفًا جدًّا في تركيا حيث أدت أحداث قهرمان ماراش إلى وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى، عندما هاجم رجال الكولونيل السابق تركس زعيم حزب العمل الوطني موكبًا جنائزيًّا لمدرسين تم اغتيالهما؛ وذلك لأن النعشين كانا مزينين بالأعلام الوطنية التركية بدلًا من الملاءة الخضراء المعتادة التي ترمز للإسلام، فاعتبر رجال ترکس هذا التصرف بأنه إهانة للإسلام والمسلمين، فانهالوا على المشتركين في الجنازة بالضرب، وعندما لجأ المشتركون في الجنازة إلى إخوانهم في الإسلام بحثًا عن الحماية، وقعت معركة حامية بين الطرفين أدت إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى اكتظ بهم المستشفى الصغير والوحيد الذي تمتلكه البلدة، فيما اضطر المسئولون إلى حفظ القتلى في الحجر المبردة الخاصة بحفظ اللحوم في المسلخ المركزي للمدينة؛ نظرًا لضيق المكان في المشرحة، ولم يعد الهدوء إلى المدينة إلا بعد وصول لواء من المظلات تابع للجيش التركي إلى المدينة.
هذه الحادثة تبين بشكل لا يقبل الجدل بأن تركيا لم تهضم حتى الآن الإصلاحات التي أقرها كمال أتاتورك؛ مثل الحد من تدخل رجال الدين السياسة، وإلغاء محاكم الشريعة، وإجراءات تحرير المرأة. ويبدو أن فترة الخمسين عامًا التي حاول فيها الزعماء الأتراك تطبيق إصلاحات أتاتورك لم تكن كافية لتغيير نفوس الأتراك وإقناعهم بهذه الأفكار الجديدة، فالقرآن بقي حيًّا في النفس التركية، فكان ذلك كافيًا لإعطاء قوة دافعة وعظيمة لحزب الكولونيل تركس الذي يعتبر الحرس المتقدم لمقاومة الأفكار الليبرالية والمتحررة، فتضاعف عدد أعضاء الحزب عدة مرات في غضون السنوات القليلة الماضية، وأصبح ممثلو الحزب في البرلمان يتحكمون إلى حد ما في الحياة السياسية لبلاده.
الغريب في الأمر أن الضحايا الذين سقطوا في تركيا وإيران من المسلمين. ففي تركيا سقط هؤلاء كضحايا الذين اتهموهم بتشجيع التحرر، وتشجيع التساهل الديني. أما في إيران فقد سقطوا لأنهم عارضوا عدم التزام النظام الشاهنشاهي بتعاليم الدين الإسلامي. والمسلمون يختلفون عن غيرهم من أتباع الأديان الأخرى بأن لهم كتابًا مقدسًا هو القرآن الكريم، وهو في نفس الوقت دستور كامل وعملي للحياة يتطرق لكل نواحي الحياة الجسدية والروحية، فيعطي النصح بالنسبة للشئون الصحية والشئون الغذائية والدينية، ويحتوي أيضًا على قوانين اجتماعية وسياسية تنظم العلاقات بين الناس. فالرسول محمد ابن عبد الله «صلعم» الذي حمل رسالة الإسلام كان رجل دولة من الطراز الأول؛ فقد حكم المدينة ونظم مجالس للقبائل، وخاض حروبًا ناجحة ضد الكفار. وإذا كان وقت الخلفاء انتهى بنهاية آخر خليفة إسلامي، وإذا كان الإسلام يتعايش في الوقت الحاضر مع جمهورية الحبيب بورقيبة، أو الاشتراكية، أو العربية، أو مع الملكية المطلقة في بعض الدول الأخرى، فهو أيضًا لا يكف عن الإلحاح على مطالبة الحكام في الخضوع لتعاليمه وقوانينه. ففي عام 1906م ثار علماء الدين في إيران على الشاه عندما أراد أن يعطي الأولوية للقانون المدني على قانون الشريعة..
وبقي العالم الإسلامي طوال العقود الماضية مجتمعًا تقليديًّا ظل الدين فيه هو المرجع الأعلى في نظر الملايين من المؤمنين. فالمجتمع الإسلامي مجتمع منغلق تسوده فكرة محددة لم تنل منها أبدًا الأفكار المناهضة للدين، أو الأفكار المشجعة لليبرالية.
في عام ١٩٦٠م ظن بورقيبة أنه يستطيع إعفاء التونسيين من تأدية فريضة الصوم في رمضان؛ لأنه يعتبر الصوم غير ملائم للحياة العصرية، لكنه اضطر بسرعة إلى التراجع.
وفي مصر نجا السادات، بعد عبد الناصر، بأعجوبة من مؤامرة دبرها ضده جماعة الإخوان المسلمين الذين اغتالوا أخيرًا في مصر في عام ۱۹۷۷ على التحديد وزيرًا سابقًا للأوقاف اتهموه بمعاداة الإسلام، واليوم يشغل ثمانية من الدكاترة المصريين الذين ينتمون إلى الإخوان المسلمين منصب مدير جامعة في ثماني جامعات مصرية من أصل ١٢ جامعة.