; من فقه التاريخ وأحداثه | مجلة المجتمع

العنوان من فقه التاريخ وأحداثه

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2007

مشاهدات 44

نشر في العدد 1760

نشر في الصفحة 52

السبت 14-يوليو-2007

الحاكم أو ولي الأمر في الأمة هو سلطان الله في الأرض، عليه تقع مسؤولية تعليم الناس حكم الله، وأهمية النزول على هذا الحكم، وخطر الإعراض عنه.

مسؤوليات الحاكم:

  1.  إلزام نفسه يحكم الله وعدم التولي عنه ليكون قدوة وأسوة حسنة لكل أبناء الأمة. 

  2. حمل الناس على النزول على حكم الله، وتأديب من يخرج على هذا الحكم. 

  3. قدح الذهن، والتفكر الدائم لابتكار وعمل كل ما هو صالح ونافع لرقي الأمة، وتحضيرها. 

  4. اتخاذ بطانة صالحة تشير عليه بالنافع وتعينه عليه، وترده عن فعل الشر، وعدم المضي فيه. 

  5. تقوية الأمة بحماية مكتسباتها، والدفاع عنها أمام عدوان الطامعين وكيد الحاقدين.

  6. وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

  7. منح الناس حرية النقد بشروطه وآدابه وبما ينفع الفرد والجماعة والدولة.

  8. الأخذ بالشورى، وترسيخها بين الناس رعاية المصلحة الأمة والدولة. 

  9. إشاعة العدل، وتطبيقه على الجميع سواء بسواء. 

  10. إحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقويته وتنميته. 

  11. تقدير العلماء واحترامهم وتشجيعهم باعتبارهم صمام الأمان في الأمة.

وإذا كان هذا هو شأن الحاكم ومسؤوليته، فإنه لا يصح لأمة أن تعيش بلا حاكم أو ولي أمر أكثر من ليلتين، وثلاثة نهارات يعني ستين ساعة، وبعدها تأثم كلها حتى تتخذ هذا الحاكم، أو ولي الأمر.

فإن أبا بكر ونفرا من إخوانه تركوا النبي ﷺ مسجَّى في فراشه بعد وفاته، وخلوا بأنفسهم في سقيفة بني ساعدة، ولم يخرجوا منها إيمانًا منهم بأهمية الحاكم أو ولي حتى اختاروا خليفة للمسلمين، الأمر وخروجا من الإثم، وحفاظا على سيادة الأمة.

وحق هذا الحاكم على الأمة بيعة تتمثل في الطاعة في المعروف وعدم المعصية، والخروج عليه.

يقول النبي ﷺ: «من فارق الجماعة واستذل الإمارة، لقي الله ولا وجه له عنده» (أخرجه أحمد في المسند من حديث حذيفة، ورجاله ثقات).

ويقول كذلك: «ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع» (أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد).

فضل ولي الأمر:

وجاءت الأحاديث في فضل ولي الأمر الذي يقوم بواجبه في الدنيا والآخرة جميعًا، يقول ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل...» (متفق عليه)، «إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن - U - وكلنا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم وما وُلوا» (أخرجه مسلم والنسائي)، وآخر من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص: «إنما الإمام جنة يقاتل من وراءه، وينقي به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرًا، وإن أمر بغير ذلك، فإن عليه وزرًا» (أورده المنذري في الترغيب والترهيب من حديث معقل بن يسار مرفوعًا).

«ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين». (أخرجه الترمذي في السنن وابن ماجه من حديث أبي هريرة).

وانطلاقا من مسؤولية الحاكم، وفضله ومكانته في معية الله، وشهادة الواقع نسوق ومضات من سيرة عشرة من حكام المسلمين تركوا بصمات واضحة على الحضارة الإسلامية، وذلك على النحو التالي: 

  • أبو بكر الصديق: إلى الله، ثم إليه يرجع الفضل في تثبيت الإسلام والحفاظ على كيان المسلمين حيث استمسك بقتال المرتدين ومانعي الزكاة دون خوف أو وجل حتى قضى على هذه الحركة، ويقي الإسلام شامخًا، وإلى الله ثم إليه يرجع الفضل في بيان فضل الاتباع وضرر الابتداع حيث أصر على تسيير جيش أسامة، وعدم تغييره، وإن أصابهم من الأذى ما أصابهم قائلًا مقولته المشهورة: «إنما أنا متبع ولست بمبتدع».

وإلى الله، ثم إليه يرجع الفضل في بدء الفتوحات الإسلامية في العراق، والشام.

  • معاوية بن أبي سفيان: إلى الله ثم إليه يرجع الفضل في رفع شأن الأمة بين الأمم، وبناء الأسطول الإسلامي حتى أكسبها هيبة ورهبة في قلوب الأعداء، الأمر الذي ساعد على بسط سلطان المسلمين على البحر إلى جوار سيطرتهم على البر.

  • عمر بن عبد العزيز: إلى الله ثم إليه يرجع الفضل في الحفاظ على المرجعية الثانية في التشريع الإسلامي أعني السنة النبوية، حيث أوقف الفتوحات في عهده، وقال: نحمي بيتنا من الداخل، قبل التوسع في الخارج، وعمل على تدوين الحديث، أي جمعه في ديوان واحد ليمكن بواسطته تمييز الأحاديث المصنوعة بعد أن شاع وضع الحديث وانتشر وكلف رجلين من المشاهير للقيام بهذه المهمة الأول محمد بن مسلم بن شهاب المعروف بالزهري المتوفى سنة ١٢٤هـ. والآخر: أبوبكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتوفى سنة ١٠٧هـ، وأمر أن تأتيهما الأحاديث من كل الأصقاع ووضعت في ديوان، ونسخت منه نسخ بعدد الأقاليم. 

وإلى الله ثم إليه يرجع الفضل في رد مظالم بني أمية إلى أهلها بادئًا بنفسه وأهل بيته، إذ لما ولي الخلافة أحضر قريشًا، ووجوه الناس فقال لهم: « إن فدك كانت بيد رسول الله ﷺ فكان يضعها حيث أراه الله ثم وليها أبوبكر كذلك، وعمر كذلك، ثم أقطعها مروان، ثم إنها صارت إلي، ولم تكن من مالي أعود منها علي، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ قال: فانقطعت ظهور الناس، ويئسوا من الظلم».

  • عبد الملك بن مروان (ت ٨٦هـ): إلى الله، ثم إليه يرجع الفضل في تعريب الدواوين أي نقلها من الفارسية إلى العربية.

  • عبد الرحمن الناصر: إلى الله ثم إليه يرجع الفضل في استقرار الإسلام في الأندلس بعد فتحها على يد موسى بن نصير وطارق بن زیاد.

  • هارون الرشيد: إلى الله ثم إليه يرجع الفضل في حماية الدولة من خطر الصليبيين حتى اضطروا إلى دفع الجزية، ومن خطر الرافضة، ونكبة البرامكة خير شاهد على ذلك.

  • صلاح الدين: إلى الله ثم إليه يرجع الفضل في طرد الصليبيين من بلاد الشام بعد استخلاص بيت المقدس من أيديهم وقد بقي رهينا عندهم ۹۱ سنة، وإعطاء صورة رائعة عن سماحة الإسلام وأهله.

  • محمد الفاتح: إلى الله ثم إليه يرجع الفضل في فتح القسطنطينية، وإسقاط الدولة الرومانية الشرقية ونشر الإسلام في ربوعها.

  • السلطان عبد الحميد: إلى الله ثم إليه يرجع الفضل في عدم التنازل عن أي شبر من أجزاء الدولة لا سيما فلسطين حتى ولو كان ثمن ذلك الإطاحة به وعزله عن الخلافة.

  • يوسف بن تاشفين: إلى الله، ثم إليه يرجع الفضل في حماية الأندلس من هجمات الصليبيين فترة حياته مستعليًا على الدنيا وزخارفها مؤثرا رضا الله على رضا الناس وإن أصابه من الأذى ما أصابه.

هذه بصمات لنفر من الحكام أو أولي الأمر على الحضارة الإسلامية سقناها لنعرف قيمة الحكام ومكانتهم في تثبيت الحضارات فنجعل من أولى أهدافنا إصلاح الحكم، وإثبات أن الاشتغال بذلك من الضرورات والأساسيات وليس ترفًا كما يزعمون.

حقيقة الإيمان:

الإيمان هو ميدان الصراع بين الحق والباطل، وأوذي وفتن من أجله المؤمنون ولم يسلم من التهديد والمطاردة في سبيله المرسلون: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:1-3).

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أو لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (إبراهيم:13-14). 

والإيمان لأهميته تواصى به الأنبياء عليهم السلام كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة:132).

فالإيمان الحق هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والإيمان الحق هو التصديق الجازم بعالمي الغيب والشهادة، وإذا تساوى الناس في الإيمان بعالم الشهادة، وهو ما يشاهدونه حاضرًا بأم أعينهم تفاوتوا في الإيمان بالغيب الذي غيبه الله عن أنظارهم وحواسهم في هذه الحياة، وأخبرهم عنه خبر صدق في كتبه المنزلة وبواسطة أصدق خلقه من أخبار الأمم الماضية وأهوال يوم القيامة وأشراط الساعة ونحوها.

هنا يتفاوت الناس حسب إيمانهم، فمنهم من يؤمن بها كأنه يراها رأي العين، ومنهم من يجحد وينكر، وما يجحد بآيات الله إلا الظالمون، ومنهم من يبقى شاكًا مترددًا، فإن لم يرد الله به خيرًا ويهده للإيمان عاش معذبًا في هذه الحياة. 

والإيمان بالله منزلة علية تشرئب لها الأعناق، وهو ملاذ عند الشدائد والكروب ولذا فليس كل من ادعى الإيمان مؤمنًا ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات:14).

بل لقد ادعاه فرعون حين أحس الهلاك ففضحه الله وجعله عبرة للمعتبرين: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرائيل وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (يونس:90-92).

وإذا كان الأمر كذلك فما هي حقيقة الإيمان؟ وما نوع الأعمال التي تبلغ بصاحبها إلى هذه المنزلة الرفيعة. 

يعرف العلماء الإيمان بأنه: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، ويزيد بالطاعة وينقص بالعصيان ويعنون بقول اللسان النطق بالشهادتين والإقرار بلوازمهما. 

أما اعتقاد القلب فهو: النية والإخلاص والمحبة والانقياد والإقبال على الله والتوكل عليه ولزام ذلك وتوابعه أما عمل بالجوارح فهو عمل الصالحات القولية والفعلية والواجبة والمسنونة، مما يندرج تحت شعب الإيمان التي قال النبي ﷺ بشأنها: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

124

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28

نشر في العدد 49

91

الثلاثاء 02-مارس-1971

التخطيط للهجرة