; من قضايا المرأة.. الحجاب | مجلة المجتمع

العنوان من قضايا المرأة.. الحجاب

الكاتب د. خليفه حسين العسال

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993

مشاهدات 76

نشر في العدد 1055

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 29-يونيو-1993

فلسفة الزي بين الإسلام والغرب

من أهم قضايا المرأة المسلمة في العصر الحديث وقد تعرض لها كثير من كتاب الغرب بالطعن، ولكن القرآن لم يتعرض لمعالجتها إلا بما يصون الأخلاق والأعراض ويسد باب الفاحشة مخالفًا في ذلك طبيعة المجتمع الغربي الذي يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة متعة وإشباع رغبة لذلك أصبح جمال المرأة وإبراز مفاتنها غير مقيد بالجوانب الأخلاقية والضوابط السلوكية ومن ثم يأتي الزي مبرزًا ومظهرًا لذلك الاتجاه، بينما الإسلام ينظر للمرأة على أساس الدور الذي تقوم به مشاركة للرجل وما لهذا الدور من أهمية في بناء المجتمع وإنه يرتكز أساسًا على الجانب العقدي والخلقي ومنهج الحياة التي ينبغي أن تتبناه وفق ذلك ومن هنا يكون زيها انعكاسًا للأخلاق والقيم الفاضلة التي آمنت بها ويتبع ذلك إبداء الزينة ومجالات الاختلاط والعمل والأسلوب الصحيح لممارستهم.

أهداف التشريع والحجاب الشرعي

وكان تحريم الإسلام لتبرج المرأة وإظهار مفاتنها تدعيمًا لمكارم الأخلاق التي جاء لإتمامها وسدًا لأبواب الفساد التي يفتحها وتنفيذًا لهدفه الأصيل من إقامة حياة اجتماعية نظيفة تنمو فيها الأخلاق الفاضلة وتتحقق فيها الحياة السعيدة الهادئة ومن هنا كان اهتمام الإسلام بزي المرأة فأوجب أن يكون بعيدًا عن الإغراء والفتنة معبرًا عما يدعو إليه وينشده كما إنه لا يعتني بالظاهر ويترك الباطن أو يشدد في ملابس الخروج ويحرم المرأة من إبداء زينتها أمام زوجها وفي داخل بيتها كلا إنه يهتم أولًا بأن يستقر الإيمان في القلوب وهذا ما عناه القرآن الكريم بقوله ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: 26) (1).
 ثم يبيح لها أن تبدي زينتها لزوجها كما تشاء من غير حرج ولا تضييق فإذا خرجت عن دائرة بيتها ومحارمها طالبها أن تخرج متسترة محتشمة فهذه درجات ثلاث تكون فيها المرأة من حيث اللباس الأولى في بيتها مع زوجها فلها كيفية التصرف في لباسها فذلك حقهما، والثانية لمحارمها وأقاربها المقربين والنساء المسلمات وهو جواز إبداء الزينة الظاهرة لهم، والثالثة وهو المراد من كلمة الحجاب وهي الثياب الخاصة بالخروج والتي تباشر بها الحياة العامة وتلقى بها الناس ولابد من توافر الشروط الآتية فيها:

  • أن يكون الثوب ساترًا لجميع البدن.
  • أن يكون واسعًا غير ضيق ولا محددًا لملامح الجسم.
  • أن يكون كثيفًا لا رقيقًا حتى لا يظهر لون بشرتها.
  • وألا يكون ثوب زينة ولا مطيبًا ولا مبخرًا أو معطرًا (2).

دلالات الآيات والوصايا الثلاث

وهذا ما أثبتته آيتا النور والأحزاب وأحاديث نبوية وردت شارحة ومتممة لهما، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ...﴾ (النور: 31) (3) والآية الكريمة اشتملت على ثلاث وصايا رئيسية هي غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء زينة المرأة للرجال الأجانب عنها لما فيه من الإغراء للنظر وجذب الانتباه واستثنت من ذلك ما يظهر بحكم الضرورة.

 والوصيتان الأوليتان مشتركتان بين الرجل والمرأة لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغْضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (النور آية 30) (4)

 والوصية الثالثة في الآية الأولى خاصة بالمرأة قطعًا لدابر الفتنة وقد نقل القرطبي في تفسيره عن ابن عطية قوله «ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي زينتها وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه أو إصلاح شأن أو نحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه ما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه» (5).

ومعنى قوله تعالى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: 31) أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها، والخمر جمع خمار وهو غطاء الرأس والجيب هو موضع القطع بين النحر والقميص فأمر تعالى بإلقاء الخمار على العنق والصدر فدل على وجوب سترهما روى البخاري عن عائشة أنها قالت: رحم الله نساء الأنصار الأول لما نزل ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: 31) شققن أزرهن فاختمرن بها (6).

مفهوم الجلباب وآراء العلماء

وبعد أن بين الله في الآية السابقة ما يجب على المرأة أن تخفي من زينتها أمام الأجانب ومن يجوز أن تظهر أمامهم أمرها في آية الأحزاب عند الخروج من بيتها أن تلتحف فوق ثيابها بالجلباب أو الملاءة لأنه أستر لها وأشرق لسيرتها قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: 59) (7).

والجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال وقال ابن كثير وهو الرداء فوق الخمار وهو بمنزلة الإزار قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن في حاجة أن يغطين وجوهن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة وقال محمد بن سيرين سألت عبيدة السلماني عن قول الله -عز وجل- ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: 59) فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى، وقال عكرمة تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها (8) وأصحاب هذا الرأي يوجبون أن تغطي المرأة جميع جسدها حتى الوجه والكفين، ويرى فريق آخر من العلماء منهم ابن حزم أن على المرأة أن تستر جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها مستدلين بأن الأمر بستر الوجه لم تتضمنه آية «النور» التي أمرت بإلقاء الخمار على العنق والصدر وفيه نص على إباحة كشف الوجه ولا يمكن غير ذلك (9) وقال في آية الأحزاب والجلباب من لغة العرب خاطبنا بها رسول الله: وهو ما غطى جميع الجسم (10).

وعقب القرطبي في تفسيره على آية النور فقال إنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما في قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (النور: 31) (11). ثم استدل بالحديث الذي رواه أبو داود عن عائشة -رضي الله عنها-: أن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال لها «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه» (12).

ترجيحات المعاصرين وضوابط الإباحة

ومما أيد هذا الرأي من العلماء المعاصرين الشيخ ناصر الدين الألباني محدث الديار الشامية حيث قال معلقًا على آية سورة الأحزاب التي فيها الأمر بإدناء الجلباب هذا ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره، بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها وهذا كما نرى أمر مطلق فيحتمل أن يكون الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به آية «سورة النور» وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فعليه يشمل الوجه وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين ورجح ما يراه بأدلته وعلى الرأي الأول يكون وجه المرأة ليس بعورة وهو أشبه بالصواب لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (النور: 31) وإلا وجب ستر ذلك لاسيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم بل عاقل ذو غيرة في تحريمه (13) وهذا هو رأي الحنفية والرأي الثاني للشافعية والقول المفتى به عند المالكية (14).

لكنهم قيدوا الإباحة بحالة أمن الفتنة أما إذا كان كشف الوجه يثير الفتنة ويغري بالمرأة من لا خلق له فإنه يجب عليها ستره كما تستر بقية أعضائها، وهذا هو ما أفتت به لجنة الفتوى بالأزهر الشريف حيث قالت إن الكشف المباح للوجه واليدين يشترط فيه أن يكون على طبيعتها التي خلقها الله عليها خالية من أصباغ وألوان (15). وخلاصة القول إن الوجه والكفين ليسا بعورة على أرجح الأقوال إن أمنت الفتنة ولذلك نهى القرآن الكريم المرأة أن تخرج بزينة ما لتتصدى للغواية بين الغرباء وهي في حل بعد ذلك أن تلقى من تشاء في محيط الأسرة من الرجال الذين نصت عليهم الآية ولا يحلون لها ولا يتأثرون بفتنتها.

 


الهوامش:

 

(1) الأعراف / 26

 

(2) انظر الإسلام وبناء المجتمع ص 191 - 200 فضل إلهي التدابير الواقية من الزنا في الفقه الإسلامي ص 283

 

(3) النور / 31

 

(4) النور / 30

 

(5) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ج 12 ص 229

 

(6) المصدر السابق ج 12 ص 230

 

(7) الأحزاب / 59

 

(8) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 516: المحلى: ج 3 ص 216، 217

 

(9) ابن حزم

 

(10) المصدر السابق ج 3 ص 217

 

(11) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ج 12 ص 229

 

(12) البيهقي السنن الكبرى ج 7 ص 86

 

(13) أنظر الشيخ ناصر الدين الألباني: حجاب المرأة المسلمة ص 40-42 ط منشورات المكتب الإسلامي.

 

(14) أنظر ابن رشد بداية المجتهد ج 1 ص 89

 

(15) أنظر مجلة الأزهر المجلد الثاني عشر ص 120

 

انظر أيضا:

الحجاب في الكتاب والسنة


 


 


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

472

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الأسرة - العدد 6

نشر في العدد 8

501

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال