العنوان من قضايا النكسة التربية.. وإلى متى هذا التغريب
الكاتب د. عبدالحليم عويس
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أغسطس-1973
مشاهدات 35
نشر في العدد 163
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 14-أغسطس-1973
من قضايا
النكسة: التربية.. وإلى متى هذا التغريب؟
بقلم: الأستاذ
عبد الحليم عويس
أهمية التربية
في التاريخ
لعله ليس من
المبالغة القول بأن العملية التربوية من أخطر القضايا في التكوين الحضاري لأية أمة
من الأمم..
الإنسان يولد
صفحة بيضاء خالية من كل البصمات إلا بصمات خلقه سبحانه.. بصمات الفطرة المتجهة إلى
كل ما هو خير.. النزاعة إلى تصعيد نفسها، لتحقيق رسالة الإنسانية في الحياة.
وهذه الصفحة لا
تملؤها إلا العملية التربوية بمفهومها المختلفة، أصلها بذراتها المتشعبة.. بالأسرة
وبما غرس في الأبوين من قيم واتجاهات وسلوك، وبالمجتمع وأدوات التأثير الإعلامية
فيه، وبالبناء وما تركز على زرعه في العقل من قضايا تفرض عليه طابع القداسة
والتلقي دون مناقشة خارج إطارها.
من هنا يمكن
تسمية الإنسان.. الحيوان المربي، إذ هو في حقيقته انعكاس للعملية التربوية، وبقية
عناصر التأثير فيه لا تعدو أن تكون المواد الخام النظرية الأولى التي يمكن أن
يستوي فيها -أو يقل- مع كائنات أخرى!
وفي التاريخ،
وعبر مراحل سعي الإنسان الحثيث، كانت العملية التربوية من أبرز قضايا الإنسان.
ولسنا هنا بصدد
تتبع التربية في التاريخ، أو ما يعرف بتاريخ التربية، فلذلك مجالاته وأبطاله
المتخصصون.
لكن المؤكد أن
التاريخ حفل باعتبار بشري ضخم العملية التربوية.
ولعل الفلاسفة
الذين عرفناهم (بمعنى الفلسفة العام) كانوا من أبرز علماء التربية، ومن هنا عرفوا
-أو عرف معظمهم- بالمعلمين (المعلم الأول - أرسطو، وأطلق المعلم الثاني على
الفارابي.. وهكذا)..
والأجدر من ذلك
بالتنبيه، وبالدلالة الموحية التربوية، أن زعماء موكب التاريخ، ورواد حركته
الحقيقيين.. أصل الأنبياء كانوا كذلك معلمين، ولعل فيما قاله الرسول عليه الصلاة
والسلام عن نفسه "إنما بعثت معلماً" أقوى دلالة على وظيفة الرسل الكبرى.
والارتباط في
التاريخ قائم وقوي بين الفلسفة بمعناها العام -كمعلم لتربية العقل وتحصيل المعرفة-
وبين العملية التربوية، كما أن هذا الارتباط قوي كذلك بين العملية التربوية وسائر
فروع المعرفة، أليست المعرفة ماء الحياة المندفق في جداول مناهج التربية؟ وما قيمة
الماء إذا لم يؤد وظيفته في الحياة؟ أعني ما قيمته إذا كان ماء راكداً سيئاً لا
يروي من ضمأ ولا يخصب أرضاً، ولا يعطي الحياة معنى الحياة.
إن المعرفة لا
تتجليا قيمتها، ولا تثمر ثمارها المرجوة ما لم توضع في مناهج تنظيم الاستفادة
منها، وما لم تكن هذه المناهج ملائمة للتربة التي تستعمل فيها.. إذ الماء المالح
لا يصلح لري الإنسان ولا الزروع بحالته التي هو عليها كما أن كميات كبيرة من الماء
العذب، قد لا تصلح لتحويل أرض جرداء صخرية إلى حقول تعطي الفواكه والثمار والأشجار.
الانحراف
الفكري في التربية
من هنا يبدو
أكبر انحراف في العملية التربوية، هو الذهاب -دون وعي- إلى استيراد مناهج للتربية
قد لا تكون صالحة للتربة وللأرض التي يراد غرس بذور التربية فيها.
وفضلاً في
الاختلافات المعروفة بين مكونات الشعوب من عقائد وثقافات وعادات وتطبيقات ومناخ
ومتطلبات حياتية ومستقبلية.. فضلاً عن ذلك فإن الاختلاف في السيكولوجية، وفي نوعية
التطور التاريخي والمستوى الحضاري للشعوب، كافيان لأن يجعلا عملية نقل مناهج
التربية -دون وعي- من أخطر الانحرافات التي تصيب الشعوب الباحثة عن النمو، أو
الدارجة في مسالك التطور، ولعله ليس من باب المصادفة، أن الله سبحانه أرسل كل رسول
بلسان قومه ليبين لهم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ
لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [سورة إبراهيم: 4].
ومن المعروف أن
اللسان يعني انعكاس القوى الواعية المحركة في الإنسان.. إذ من الشعوب الباحثة عن
النمو، أو الدارجة في مسالك التطور، ولعله ليس من باب المصادفة، أن الله -سبحانه-
أرسل كل رسول بلسان قومه، ليبين لهم.
ومن المعروف أن
اللسان، يعني انعكاس القوى الواعية المحركة في الإنسان، إذ البديهي أن تكون تربية
طليعة قائدة مؤمنة، تستوجب التفاهم المباشر، المنطلق من الخلفية التاريخية
والتراثية، ومن الوعي بنقطة الانطلاق، نحو الغاية العالية العالمية.
ولن يستطيع أي
نبي القيام بذلك، عندما يبدأ بغرس القيم في نفوس وعقول، يفصلها عنه آماد من
التاريخ والتطور، والمكونات النفسية والاجتماعية، ومن هذا الباب يدخل إرسال الله
أيضاً الرسل بمعجزات من نوع خارق.. لكنها تعتبر التصحيح والميزان والحقيقة بالنسبة
لقومه، إنها من نوع ما بأيديهم، لكنها الطريق الصحيح والحجة الناصعة، التي يتجلى
من خلالها الله، لإظهار عجز البشر، وحاجة البشر.
ويستطيع المرء
أن ينظر في معجزات الأنبياء، ليعرف مدى صلتها بالبيئة والزمان، اللذين جاءت
المعجزة لهما. فحيث كانت المحاولات الطبية أكثر تقدمًا.. جاء عيسى عليه السلام،
يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وحيث كانت المحاولات كبيرة للتقدم في
الشعوذة والسحر، جاء موسى عليه السلام بعصاه، تلتهم ما يأفكون، وتظهر الحق في
القضية، وحيث كان العرب يعيشون عصر الكلمة البليغة، والمعلقات وأسواق الكلمة
الشاعرة، جاء الإسلام بالقرآن على نسق من البيان لم يعرفه العرب في لغتهم الشاعرة
أو الناثرة، وتحداهم به.. فعجزوا، واضطر كبير من أعداء الإسلام إلى وصف القرآن بأن
"أعلاه مثمر، وأسفله مغدق، وله حلاوة، وعليه طراوة، وما هو من قول بشر".
إن العملية
التربوية لا بد أن تكون ذات صلة بالبيئة، بتحديات البيئة، وبمستوى البيئة ولا بد
أن تكون ذات هدف، بالنسبة مواصفات البيئة وعاداتها.. وإلا فإنها ستكون كقصيدة شعر
إنجليزي، تلقى على مسامع من لا يعرفون كلمة في الإنجليزية.
لقد تكون
القصيدة لشيكسبير، ولقد تكون في قمة الروعة، بالنسبة للذين يفقهون الإنجليزية، أما
هؤلاء المخاطبون بها، الذين لا يفقهون الإنجليزية.. فإنها لا تعدو أن تكون بالنسبة
لهم مجرد أصوات، كتلك التي يطلقها أي طير.. أو أي حيوان أليف!
من مظاهر
النكسة
ومنذ ظهر في
مصر "محمد علي باشا" على مشارف القرن التاسع عشر، وهناك محاولات كثيرة
للتغريب.. فلقد بدأ هذا الجندي الآبق يتوسل إلى فرنسا، ويرسل إليها البعثات تلو
البعثات، ثم سار أبناؤه على نفس النهج، حتى بلغ الأمر بحفيده إسماعيل باشا أن حاول
أن تكون مصر "قطعة من أوروبا"، وسار الأمر في مصر على هذا النحو الذي لم
يزد مصر إلا تأخرًا، فضلًا عن أنه سبب شللأ وصراعًا بين الوافدين، من ذوي الثقافة
النصرانية المادية المستوردة، وبين أبناء التراث الذين يحاولون التطوير من الداخل
-مع الاستعانة بالخارج كذلك- وبواسطة هذا الصراع، تبلبلت أساليب التربية الصحيحة
في مصر، وفي العالم العربي، وفقدت الجامعة الإسلامية الأزهرية العريقة، دورها
الريادي الخالد، حتى جاء النظام الثوري المادي، فجردها من مهمتها التاريخية، وفرض
عليها طابعًا علمانيًا حولها به إلى جامعة عادية.. كأية جامعة أخرى.
وفي المغرب لا
شك حدث نفس الشيء، وفقدت جامعة القرويين دورها.. وأصبحت شبه دار تاريخية لمجرد
الذكرى وحفظ الآثار.
وفي الجزائر
كان التغريب عاماً ورسمياً بواسطة الأدوات الاستعمارية المسيطرة.
وفي سوريا
ولبنان جيلت المدارس الأجنبية من الجماعات التبشيرية عملها في عملية التغريب.. وفي
خلق كادرات لا تنتمي إلى الأمة بوشيجة إلا وشيجة "المغترب بالوطن الأم"..
أما إفريقيا،
حيث مقر آخر خلافة إسلامية، فقد انتهى الأمر إلى أكبر معقل للتغريب اليهودي، وهو
مصطفى كمال أتاتورك (الماسوني) الذي تشدد في التغريب.. بدءاً من الحروف اللاتينية،
وانتهاء بالبرنيطة والطربوش لابس القبعة "البرنيطة"..
لقد تم عبر هذا
كله تحويل العالم العربي إلى منطقة تجارب للعمليات التغريبية، وإلى منطقة فراغ
تتصارع فيها كل المناهج التربوية والمذاهب الاجتماعية والأفكار الشاذة التي تظهر
في بعض حواري وشوارع المجتمع الأوروبي.
ولم يستطع
المجتمع العربي أن يرسو على حال صحيح، كما أنه لم يهدأ لحظة واحدة من الصراع الذي
ينهك قواه ويشل حركته.
وبما أن
المناهج المستوردة والعمليات التغريبية، والمحاولات التعليمية التي لم تراعي ظروف
التراث والتطور التاريخي والوضيعات الاجتماعية والفكري.. وبما أن هذه كلها لم تنجح
— وبما أن محاولة زرع الفكرة التغريبية الدخيلة، مكان النبض القومي الأصيل — فإن
الشك والقلق والضياع كان هو الحصاد لوضعية من هذا النوع.
وكما لم يلقُم
العرب تربوياً وفكرياً.. فإنهم لم يلتئموا عسكرياً وسياسياً وعقائدياً.
وتحولوا إلى
شتات يوالي بعض منهم هذا المنهج أو تلك الفكرة، ويتبع بعضهم الآخر هذه المدرسة أو
هذا النهج.
ووصل هذا
التوهان والحيرة والضياع.. توالت على العرب نكبات من كل جانب، ووجد أعداؤهم
الحضاريون الفرصة سانحة لزرع كل بذور الشقاق بينهم.. وتحويلهم إلى أمم بعد أن
كانوا أمة، وإلى عقائد بعد أن كانوا عقيدة، وإلى عناصر متصارعة، بعد أن كانوا
يخضعون لراية واحدة.. تعمل لها كل معاهد التعليم ومدارس التربية في الأندلس
والمغرب والمشرق وصقلية وغيرها.
من محاولات
الهدم
لقد دأب زعماء
الهدم في العصر الحديث على تفريغ العملية التربوية من مضمونها كعملية توجيهية
وحضارية.
فحاولوا أولاً
فصل العملية التعليمية عن العملية التربوية، وحاولوا جعل التعليم مجرد حشد
للمعلومات يفتقد القدرة والتوجيه والبناء الإيجابية، وبالطبع ليعيشوا المعانون أو
اللافتات التي يغلفون بها أغراضهم، فنادوا بالحرية، وبتكوين الذاتية، وباستقلال
الشخصية لدى التلميذ.. وما إلى ذلك.
وحاولوا القضاء
على التعليم الإسلامي المستقل القادر على خلق كادرات قادرة على التعبير عن الفكر
الإسلامي.. ولقد ألبسوا ذلك ثوب الدمج بين التنظيمين: المدني والديني لتفتح باب
الحياة أمام علماء الدين.. أي بتعبير آخر لتصفية علماء الدين، وتحويلهم إلى موظفين
عاديين، أو مدرسين من الدرجة السابعة، يلتزمون بالمناهج المقررة عليهم شأنهم شأن
التلاميذ.. وكما ذكرنا سلفاً فإن القيادة التربوية في مصر في عصر علي صبري وشعراوي
جمعة وغيرهما قد نجحت في تفريغ الأزهر من مضمونه التراثي والتاريخي، وتحويله —
تدريجياً — إلى جامعة علمانية.
وقد حاولوا
كذلك إفساد العملية التربوية، عن طريق المطالبة بالاختلاط.. وتحويل الجامعات
والمدارس الثانوية إلى منتديات للترفيه، ولإشباع الغرائز السفلى، ولتضييع قضية
التربية، بل ولتضييع الجنس، وخلق العلاقات العاطفية، ولتبرير كل ما هو سافل وتافه
من السلوك.
وقد حاولوا
تضييع العمليات المختلفة لقتل الوحدة العربية واللغة العربية.. لغة القرآن والتراث
والتاريخ، كما حاولوا إحياء الوثنيات المندثرة والتاريخ السابق للإسلام للشعوب
العربية، والتجني على التاريخ الإسلامي وتشويهه، وحالوا تفضيل القوانين الوضعية
على القوانين الإسلامية.. وسلكوا كل درب في التربية، واستغلوا كل حادثة.. لكي
يصلوا إلى تفتيت العرب، وإلى وأد حضارة الإسلام الوحدوية، وإلى بعث القوميات
المحلية المنتنة.. لكي يضمنوا في النهاية "وحدة تغريب وضياع العالم العربي
والإسلامي".
ولقد تضافرت
جهود كثيرين في هذا المجال، كان من أبرزهم "الدكتور القوصي والدكتور طه حسين
ولطفي السيد وسعد زغلول وقاسم أمين والدكتور محمد خلف الله "صاحب القصة
القرآنية" وسلامة موسى، ولويس عوض، وطائفة المبشرين على اختلاف مشاربهم،
والأحزاب التي حكمت العالم العربي تحت شعارات قومية".
ومع ذلك: تقرير
غريب
ومع ما آل إليه
أمر العالم العربي، ومع تكرر الشكوى والفشل في التربية في العالم العربي، ومع عديد
من المؤتمرات التي عقدت، والتي كشفت عن الخلل الموجود في العملية التربوية، وبأن
ثمة خطأ وتصورات مغلوطة في مناهج الدراسة، وفي التأليف.
مع كل ذلك، نجد
في التقرير الذي صدر بالجريدة الرسمية بمصر، عن البعثات الدراسية الخارجية، التي
ستقوم بها وزارة التعليم العالي بمصر لسنة 1973م- حقائق غريبة:
بينما تشكو
الأمة العربية من ضعف في النواحي العلمية والتكنولوجية، لا نجد العلوم المتعلقة
بهاتين الناحيتين، تحتل أكثر من خمس بعثات، من بين أكثر من مائتي بعثة.
هذا بينما تحتل
دائرة التربية وطرق التدريس والعلوم الإنسانية، وهي تلك العلوم التي يجب أن تتصل
بالبيئة والتراث والوضعيات المحلية المختلفة.. تحتل هذه الدائرة أكثر من مائة
وعشرين بعثة، من بين البعثات المذكور عددها سابقًا.. أي أنها تزيد على النصف من
البعثات، حتى ليخيل للمرء أن مخططي البعثات يعمدون إلى مزيد من التمييع والتضليل،
بالنسبة للعملية التربوية في العالم العربي. نعم في العالم العربي، لأن هؤلاء
الأساتذة غالبًا ما يوفدون إلى جامعات عربية، ويتركون بصماتهم فيها.
ونجد مثلًا
فروع الطب والتمريض والصيدلة على أهميتها، لا تحتل أكثر من عشرين بعثة من بين
البعثات الموفدة للعام 73 - 1974م.
أما فروع
القانون "الحقوق" وحده، فإنه يفوز بعدد موازٍ للعدد الذي نالته جميع
فروع الطب، والصيدلة والتمريض.. أي قريبًا من عشرين بعثة.
وبقية
البعثات.. أي حوالي 35 بعثة.. توزع بين كليات التجارة بأقسامها المختلفة، وبين بعض
المعاهد المتخصصة كمعهد البريد ومعهد القطن ومعهد الفنادق وغير ذلك.
ومن النظرة
المحايدة، يتضح عدم حياد القائمين على البعثات، كما يتضح سيرهم في التخطيط المدمر،
لما تبقى من عناصر الصمود في هذه الأمة.
ولعل أبرز ما
توحي به هذه الإحصائية، أو هذا التقرير المنشور بتفصيلاته كلها، في جريدة الأهرام
المصرية الصادرة بتاريخ 8 - 6 - 1973.
لعل أبرز
موحياته أن هذا التخطيط يسير في واد، واحتياجات مصر والعالم العربي تسير في واد
آخر.
إن مصر والعالم
العربي لم يصبهما ما أصابهما، إلا لأنهما دائمًا يسيران في واد، وحقائق التقدم
وأبجديات الرقي والتعقل تسير في واد آخر.
وصدق القائل:
أرني مناهج أمة، أخبرك: أين هي، ومن هي، وكيف هي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل