; من قلب اليأس يولد التفاؤل | مجلة المجتمع

العنوان من قلب اليأس يولد التفاؤل

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1950

نشر في الصفحة 18

السبت 30-أبريل-2011

  • الشعب السوري أراد من ثورته أن يرى سوريا جديدة.. تكون التعددية زينتها والمواطنة الحقة ممارستها وتداول السلطة بنزاهة ديدنها.
  • المراسيم الثلاثة التي وقعها بشار الأسد.. هل هي كافية لاستيعاب رؤية السوريين وبلوغ أهدافهم وغاياتهم؟
  • إذا لم يفهم الرئيس السوري مغزى . هبة الشعب فلينتظر مصيرًا مثل زميليه في تونس ومصر.

في الحديث عن رسول الله ﷺ عطاء من التفاؤل عظيم رغم ما كان يحيط بالمسلمين من أوضاع غير مشجعة على اعتلاء صهوته، وحديث الرسول ﷺ إلى عدي بن حاتم الطائي ليحثه على الدخول في الإسلام نرى قمة التفاؤل، رغم ما يراه عدي من الأوضاع غير المشجعة، مستعينا بالتفاؤل وإقصاء اليأس، فهو يخاطب عديا قائلاً: « لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض . من أرض بابل قد فتحت عليهم». قال حاتم: (فأسْلَمْتُ)۱.

إن من يعيش ليومه وللحظته، ولا يسعى المغادرة واقعه إلى ما هو أفضل وأنقى وأسلم إنما يضع على بصره وبصيرته نظارة معتمة لا يرى مندوحة من الحال الذي وجد نفسه يعانيه، ولا يرى لغده تغيرا أو انتقالا ، ولسوف تنبذ الأيام المتجددة هذا الراقد على بيض مذر، ظانا أنه ينفث حرارة لجيل مستقر ولقد نعى ربنا جل جلاله على هذا وأمثاله تمسكهم بقديمهم البائس وحالهم المتردية فقال جل من قائل: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ ﴾ (الزخرف 23).

 وقد علمنا رسول الله ﷺ أن الحياة متغيرة متقدمة، وأن الإنسان في حالة حركة دائبة نحو التقدم، وفي حومة تغيير نحو الأفضل والأعلى، وإلا تكلس، ثم احتواه الآخرون، ثم خسر يومه وغده، يقول رسول الله : « من استوى يوماه فهو مغبون»، نعم مغبون مغبون؛ لأنه لم يتقدم وينتزع من يومه عناصر التفاؤل المتجددة، وذلك من خلال العمل الصالح المصلح المفيد لنفسه ولشعبه وأهله والمرضى لربه.

مصدر التفاؤل

إن تفاؤل الشعب السوري هذه اللحظات ينبثق من قدرات هذا الشعب على كسر حاجز الخوف من السلطة البوليسية المروعة، ومن ثم الخروج الجريء إلى الشارع سلميا لينادي عاليا بحريته، كما أن التفاؤل ينبعث من قوة الدم الزكي الذي أهرقه الحاكمون بجنون غير متبصر، يقوده حرص مأفون على البقاء فوق السدة؛ خوفا من حساب يُقدّرون أنه عسير لعلمهم بما اقترفته أيديهم من عدوان فاضح على حياة الناس وحقوقهم وكرامتهم، وهو اقتراف همجي مذعور، أدى يوم الجمعة العظيمة».

(٢٠١١/٤/٢٢م) وحده إلى قتل أكثر من مائة متظاهر بحسب المصادر الحقوقية الموثوقة - قتلتهم رصاصات الأمن المجرمة لأنهم عبروا سلميا عن رأيهم وحسب والسؤال الذي يطرح نفسه بعد أن قرر الشعب التفاؤل بقدراته واتحاد أذرعه واجتماع رأيه على مطلب الحرية والكرامة والعدل والوطن للجميع، وليس احتكارًا لحزب أو طائفة أو عائلة.

هذا السؤال يقول : ترى.. هل إن مراسيم . وقعها الرئيس يراود فيها إرادة الناس كافية لاستيعاب رؤيتهم وبلوغ أهدافهم وغاياتهم؟

أهداف وغايات

إن ما سال من دماء، وما قدم من تضحيات على مدى أكثر من شهر حتى الآن لا يصل إلى قدم ما ابتغاه شعب سورية فليست المشكلة كامنة حصرًا في حالة الطوارئ؛ إذ إن استبدالها بتعديل المادة (۱۷) من قانون أصول المحاكمات، وذلك بجعل التحقيق من اختصاص الشرطة والأمن بدلا من القضاء فيه ما فيه من عدوان على حق المتقاضي، رغم ما نعرفه من أن القضاء السوري مستولى عليه منذ زمن بعيد، كما أن فيه ما يفرغ إلغاء حالة الطوارئ من معناه. وكذلك لم يكن إلغاء محكمة أمن الدولة مطلبا رئيسا في شعارات خروج الناس عن مألوف ما استمرت سماواته المكفهرة في سورية على مدى أربعة عقود ونيف؛ فالناس يعلمون أن هناك محاكم استثنائية وميدانية مازالت أفواهها تلتهم حياة الناس بصمت رهيب، وهي في إجراءاتها وقوانينها خالية من أي حقوق للمتهم، بل إن المتهم عندها مذنب مسبقا، وحكمه جاهز، وفي غالب الأحوال ينطق بالإعدام وهي مرعية بالقانون ٤٩ لعام ۱۹۸۰م، وبالمرسوم التشريعي ،۱۰۹ - تاريخ 17/8/1968).

كما أن الشعب لم يطلب في خروجه وضع قانون للتظاهر، يُحكم في تفاصيله القبضة على حراك الشعب أكثر من السماح له بحرية التظاهر والاعتصام.

تضحيات جسيمة

إن الشعب السوري عندما صدح بنشيد الحرية، مقدما التضحيات الجسيمة في سبيل إحرازها واقعاً معاشاً في الميدان، قفر عن مظاهر التغيير التي لا تطال سوى قشور الإصلاح، كما هي مراسيم الرئيس الثلاثة وهو ما بيناه آنفا.

بل إن الشعب - أراد وهو يعلم واقع الاضطهاد وحالة الإغلاق التي يعيشها - أن تتغير البنية الكاملة للحكم، القائمة على دستور أراد للشعب السوري أن يحتشد في بطن شره لطغيان حزب سلطوي متغطرس كما ابتغى هذا الدستور ببعض مواده بناء قامة رئاسية متوارثة دكتاتورية لا يُسأل فيها الرئيس عما يفعل أإله هو ؟! أم من سلالة آلهة بحسب ما قررته أساطير الأقدمين من اليونانيين والمصريين ؟!

إن الشعب أراد من نهضته وثورته أن يرى سوريا جديدة بكل ما في الجدة من معنى؛ تكون التعددية زينتها، والمواطنة الحقة ممارستها، وتداول السلطة بنزاهة وشفافية ديدنها، وشعار تكافؤ الفرص والكفاءة في الوصول والتخصص وسيلتها للارتقاء، والمحافظة على الثوابت والأخلاق والعلاقات العربية والإسلامية الصافية سيرتها، وسورية للجميع شعارها وعنوانها ؛ لذلك كله قام الشعب وقدم ما قدم من تضحيات خصوصاً يوم الجمعة العظيمة» التي كانت دموية وغير مسبوقة بما حدث فيها من إجرام سلطوي، إلا ما كان من مذابح في الثمانينيات من القرن الماضي على يد «الأسد الأب المورث، لكن هذا الشعب لم يجد حتى الآن من يجلس على كرسي الحكم متفهما حتى الآن مغزى هبته، ولا مآل تفاؤله؛ لذا فإن ذنبه على جنبه»، فلينتظر مالا شاهده زملاء له في عديد من الدول الشقيقة؛ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَي مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون﴾  (الشعراء 227).

----------------------------

الهامش

(۱) تهذيب سيرة ابن هشام، ١٤٠٥هـ / ١٩٨٤م، تحقيق عبد السلام هارون ط. ۱۰، دار البحوث العلمية، الكويت، ص ۳۱۲

الرابط المختصر :