; من معضلات المجتمعات الغربية: عقوبة الإعدام.. بين المؤيدين والمعارضين | مجلة المجتمع

العنوان من معضلات المجتمعات الغربية: عقوبة الإعدام.. بين المؤيدين والمعارضين

الكاتب محمد الدكالى

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1990

مشاهدات 59

نشر في العدد 976

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 31-يوليو-1990

  •  

    ·       الجرائم الكبرى تهدد أمن المجتمعات الغربية مع عجز السلطات السياسية والقضائية والشرطة عن وضع حد لها.

    ·       المهزومون فكريًا يريدون منا الانسلاخ عن ديننا وتبني قيم الغرب وأنماط حياته لنجني الثمار العفنة.

    من المعروف حاليًا في المجتمعات الغربية، أن الجرائم الخطيرة، تزداد بمعدلات تبعث على القلق العميق في أوساط علماء الاجتماع والتربية وفي الأوساط القضائية، بل أصبح للمشكلة بُعد سياسي واضح، نظرًا لحالة الخوف التي تسود المواطنين، خوفًا من الانضمام إلى قوائم الضحايا الذين يتساقطون بازدياد، نتيجة لجرائم القتل والسرقة، والاغتصاب، والمخدرات، وغيرها من الجرائم «الثقيلة» التي باتت تهدد أمن تلك المجتمعات، مع عجز السلطات السياسية والقضائية وأجهزة الشرطة، عن وضع حد لهذه الظاهرة المتفاقمة.

     

    اختلاف المجتمعات الغربية في النظر إلى المجرم

    وهناك اختلاف بيّن في مقتضيات القوانين الجنائية، ونظم الأحكام القضائية -في المجتمعات الغربية- تجاه مرتكبي الجرائم. وتميل فلسفات القوانين الجنائية الغربية المعاصرة إلى الرأي القائل بضرورة مراعاة ظروف مرتكب الجريمة، نظرًا لتأثيرات البيئة الأسرية والاجتماعية، وكذلك التركيبة النفسية والعقلية للجاني وأصبح يُنظر إلى المجرم على أنه ضحية للمجتمع وليس العكس، مهما تكن نوعية الجريمة، ودرجة خطورتها، وفداحة ضررها على الأفراد والمجتمعات.. ومن هنا ألغت غالبية دول أوروبا الغربية، إن لم تكن كلها عقوبة الإعدام، واكتفت بالسجن ومحاولة إعادة التأهيل.

    ويعود هذا الإلغاء أيضًا إلى التقديس المتزايد لحقوق الأفراد واستقر رأي المعارضين لعقوبة الإعدام، على أنه لا يجوز «إلغاء» حق الحياة لأي كان، لأن الحق في الحياة -حسب رأي المعارضين- هو حق جوهري وعليه تنبني كافة الحقوق الأخرى، حتى ولو سلب المجرم نفسه حياة ضحيته أو ضحاياه ظلمًا وعدوانًا، وبشكل عام، تعتبر عقوبة الإعدام في تلك الدول، أسلوبًا عقابيًا لا إنسانيًا وغير حضاري، علمًا بأن وتائر الجرائم الخطيرة، ما تنفك تزداد نسبها، ومن ذلك اغتصاب الأطفال، وتعذيبهم وقتلهم.


    في أمريكا مؤيدو الإعدام 80%

    غير أن موقف المجتمع والقضاء الأمريكيين لا يشاطران رأي الأوروبيين حول هذه المعضلة. ففي ولاية كاليفورنيا وحدها، يوجد حاليًا ما يزيد عن 300 مجرم محكوم عليهم بالإعدام، وإن كان حكام الولاية لم ينفذوا هذا الحكم طوال الـ 23 سنة الماضية. وفي فلوريدا تبجح حاكمها مارتينيز بأنه وقع على تنفيذ حوالي 90 حكمًا بالإعدام.. وفي ولاية تكساس، صرح الجنرال ماشوكس أن رجاله نفذوا هذا الحكم في 32 شخصًا (افتتاحية جريدة لوموند الفرنسية 29 مارس 1990).

    وإذا كان الأمريكيون قد انقسموا إلى قسمين متساويين منذ 20 سنة مضت حول الموقف من عقوبة الإعدام، تظهر استطلاعات الرأي الحديثة تحولًا كبيرًا في هذا الموقف، حيث تبلغ نسبة المؤيدين للعقوبة 80% ( نفس المصدر السابق) ويعزو المحللون هذا الارتفاع الكبير في نسبة المؤيدين إلى كونها أصبحت مرتبطة بارتفاع نسب الجرائم ذات العلاقة بالمخدرات، وضمور الثقة في إدارات الشرطة وإدارات السجون اعتقادًا من هؤلاء المؤيدين للعقوبة بعدم قدرة هذه الإدارات على القبض على المجرمين والاحتفاظ بهم في السجون.

    وتشير الدراسات المجراة، إلى أن هذا التحول الكبير في الموقف من عقوبة الحكم بالإعدام، هو أكثر بروزًا في أوساط السود الأمريكيين: فمن قبل، كان هؤلاء يعتبرون الحكم بالإعدام على السود مظهرًا من مظاهر التمييز العنصري، إذ نادرًا ما كان يتم تنفيذ هذه العقوبة إلا في حالة قتل أسود لأبيض - أما الآن، فالسود أنفسهم أصبحوا ضحايا لهذه الجرائم.. وهذا ما عبر عنه أندرو يونغ المرشح لمنصب حاكم ولاية جورجيا بقوله:

    «إن للدولة الحق في إعدام الكلاب المسعورة».

    وعلى المستويين السياسي والقضائي، يتابع الكونغرس والمحكمة العليا -باهتمام كبير- تجاه الرأي العام الأمريكي حول هذا الموضوع. وهذه الأخيرة، سمحت سنة 1976 بإعادة حق إصدار الحكم بالإعدام في الولايات التي ترغب في ذلك. وفي السنة الماضية سمحت بإعدام قاصرين ومتخلفين عقليًا.

     

    دلالات

    هذا التناقض في المواقف، من مسألة معقدة وخطيرة كهذه، إنما تتعلق فقط بأحكام القانون الجزائي تجاه الجرائم، أما كيفية معالجة أصول هذه الآفات الاجتماعية المرعبة، فتبقى معضلة كبرى، لم تستطع الحضارة الغربية برمتها إيجاد حل مناسب لها، فهي تقف عاجزة -رغم كل الجهود والإمكانيات- وهذا العجز الآن أصاب الجميع، سواء منهم المجتمعات المعارضة أو المؤيدة لعقوبة الإعدام.

     

    طبيعة الحضارة الغربية تفرز الإجرام

    والواقع، أن نوعية الجرائم وارتفاع نسبتها في المجتمعات الغربية، هي نتيجة حتمية لطبيعة هذه المجتمعات نفسها، ومن العبث محاولة إرجاع هذه الظاهرة إلى عوامل أحادية كالتفاوت الطبقي، أو الخواء الروحي والأخلاقي، أو حب الإثراء السريع، مثلًا، بل هذه جميعها تسهم -بطريقة معقدة ومتداخلة- في إنتاج هذه الآفات، ومع ذلك، تبقى أسس الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية، نفسها، هي مصدر هذه الأمراض التي أصبحت مزمنة، أي أن طبيعة الحضارة الغربية نفسها، لا يسعها إلا أن تفرز ظاهرة الإجرام وغيرها من الآفات الاجتماعية والأخلاقية، وبهذا أصبحت هذه الحضارة أسيرة ما صنعته بيديها، وتستمر الأسباب في التحول إلى نتائج، والنتائج إلى أسباب، وبذلك غدت المجتمعات الغربية تدور في حلقة مغلقة ولا تهتدي سبيلًا.

     

    لا نريد الثمار العفنة

    والآن، يريد الغرب منا أن ننسلخ عن ديننا ونتبنى قيمه وأنماط حياته لكي نخرج من نفق «التخلف»، بينما تأكل الغرغرينا جسده، فهل يريد منا أن نجني نفس الثمار العفنة التي يجنيها هو؟ ألا ساء ما يحكمون.

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

119

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

125

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

123

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟