; من ملامح الفن الإسلاميِّ | مجلة المجتمع

العنوان من ملامح الفن الإسلاميِّ

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 23-ديسمبر-2006

مشاهدات 53

نشر في العدد 1732

نشر في الصفحة 66

السبت 23-ديسمبر-2006

لم تنفصل الفنون الإسلامية عبر تاريخنا الحضاري عن العقيدة التي صاغتها، والبيئة التي تخلقت في رحمها فعقيدة الإسلام، بانقلابها على سائر الجاهليات منحت الفن منظورًا توحيديًا أصيلًا كان في نهاية الأمر بمثابة كسب مهم المفاهيم التجريد التي لم تبلغها الفنون الأخرى في العالم إلا عبر القرن الأخير.

لقد وضع الإسلام ضوابط ومعايير الزم بها فنانيه فدفعهم إلى التخلي عن بعض صيغ التعبير، ولكنه- بهذا- فتح أمامهم مجالات أخرى لم يسبقه إليها أحد، وشهد عالم الإسلام مجالًا خصبًا من معطيات فن ينبثق عن رؤية عقدية متميزة يلتزم بمفرداتها ومطالبها، فيبدع ويتفوق. 

ولقد كان الفنان المسلم أهلًا لإيجاد البدائل المناسبة ومن ثم فإن غياب فنون كالنحت والرسم. إلى حد كبير. قاد بالمقابل إلى حضور فاعل في مجالات أخرى كالخط والزخرفة والمعمار.

وكما يقول الباحث الإنجليزي، روم لاندو في كتابه المعروف (الإسلام والعرب)، فمن حيث حرم على المسلمين الاهتمام بالفن التشبيهي، فقد تعين على مواهبهم الفنية أن تلتمس منافذ لها في اتجاهات أخرى. ومن خلال هذا السعي أحدثوا فنا يستطيع أن يدعي أنه واحد من أصفى الفنون التي نعرفها.

ومن هذا الفن التجريد الجمالي الخالص، ورفض التشخيص احترامًا للمنظور العقدي، تجاوز الطبقية والقدرة على الانتشار الجغرافي. ويتحدث عن إبداعية الخط العربي والمساحة الواسعة التي غطاها في الحياة الفنية الإسلامية بتعاشقه مع فن الزخرفة، ذلك النظم المعقد للأشكال الهندسية والعناصر النباتية المكيفة وفقًا لطراز بعينه.

النظم الذي انتهى إلى أن يصبح بمثابة دمغة المصوغات بالنسبة للفن الإسلاميِّ والذي شغل حيزًا هائلًا من العبقرية الفنية في الإسلام، وهو يستنتج أن العنصرين اللذين يشكلان المحتوى الرئيس لفن الزخرفة العربي. النمط والكلمة الشكل والمعنى. يفيدان على التعاقب مبدأ الحقيقة المادية ومبدأ الحياة، وبكلمة أخرى مبدأ الوجود كما يراه الله.. وهكذا يصبح هذا الفن رمزًا حقيقيًا لموقف صاحبه من الله ومن العالم الذي يحيا فيه.

وثمة ملمح آخر يكتشفه روم لاندو وهو يتحدث عن فن الزخرفة والخط، ذلك الإيقاع المتوحد في حضارة الإسلام بين الفنان والمفكر والعالم، ذلك العشق للتناغم والتناسق ذلك الولوع بالنظام. 

وبصمات الإسلام ورؤيته للكون والعالم تمتد في مجال الفن لكي تشمل التكوين المعماري نفسه، انطلاقًا من المسجد الذي هو البدء والمنتهى والذي اكتسب ملامحه الأساسية من طبيعة وظيفته التي أريد له أن يؤديها، وانتهاء بالمدن الإسلامية المنتشرة في مشارق الأرض ومغاربها، بخارى وسمرقند، ودلهي وأصفهان، وبغداد، وإسطنبول، ودمشق، والقاهرة، وفاس، وقرطبة، وغرناطة، تلك التي وضعت حجارتها الأساسية باسم الله، بدءًا من أعماق تركستان وانتهاء بالحمراء في الأندلس، مرورًا بحافات الصحراء، حيث أقيمت المدن الأولى بمواجهة تحديات الامتداد والفناء البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان.

 يصف روجيه جارودي في كتابه المعروف وعود الإسلام) الجامع بأن حجارته نفسها تكاد تصلي، وأنه مركز الإشعاع الجميع فعاليات الأمة الإسلامية، ونقطة الالتقاء الجميع فنونها، وأن كل الفنون في البلاد الإسلامية تؤدي إلى المسجد، والمسجد إلى الصلاة.

وجارودي بملاحظاته الدقيقة هذه يؤكد الارتباط الحميم بين الرؤية والمعمار وهي تذكرنا بما سبق وأن قاله روم لاندو، من أن حافزًا لا إراديًا نحو دمج السماوات دمجًا رمزيًا في بيت العبادة، هو الذي قاد المسلمين إلى تبني القبة وإلى إتقانها حتى الكمال. وفي إمكاننا القول بأن المكعب والقبة معًا يمثلان رمزًا كاملًا لماهية الإسلام وحدة العالمين المنظور وغير المنظور، عالمي الأرض والسماء".

وبعبارة جاك ريسلر في كتابه: (الحضارة العربية)، وهو يرى ويسمع إيقاع العقيدة في المعمار في المسجد ينبض قلب الإسلام.. وفي أرجائه يحس المرء إحساسًا حيًا أنه بحضرة الله الحق أنه لا شيء في المسجد إلا البساطة والجمال والتجانس".

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل