; من نفحات المسجد النبوي | مجلة المجتمع

العنوان من نفحات المسجد النبوي

الكاتب د. حمود الحطاب

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1976

مشاهدات 65

نشر في العدد 291

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 16-مارس-1976

دخلت مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فأسندت ظهري إلى سارية من السواري جهة قبره الشريف فدب خشوع في النفس أسكن جوانحها وسرت في الروح روائح فاحت في الماضي على روضته الشريفة وبدأت خيوط الأفكار تجرجر بي تقودني إلى ماض بعيد ومستقبل قريب وأوشكت دموعي التي كادت تفتح باب العين خارجة دون أن تسيح على خدي فقد خرجت بفكري إلى وقت كانت ساحة هذا المسجد الشريف تزخر بالحركة والقوة ففيه تجتمع قادة الجيوش الفاتحة ومنه تصدر الأحكام وبه ينزل الأمر من السماء وفي ساحته الشريفة كانت تلتقي الوفود مسلمة أيديها في يد الرسول الشريف معلنة الانقياد لأوامر الشرع الجديد. تذكرت الصديق ووقاره وعمر وهيبته والرسول وعظمته .

تذكرت أبا أيوب الأنصاري ومنزله المجاور للحرم محط رحال الرسول الأول في العاصمة الجديدة عاصمة الخلافة وزاد استرخائي على السارية فطارت بي أفكار جديدة وحوادث عظيمة هزت العالم بأسره وغاب عني وعي عما حولي من الناس والذين ملأوا الصفوف الامامية ما بين المغرب والعشاء فانطلقت إلى عصور الصحابة والتابعين.

وما تزال صورة المسجد القديمة تطغى في فكري عن صورته الحديثة وزخارفه الكثيرة، وعدت أعتدل في جلوسي مرة ثانية إلا أن هذه السلسلة الفكرية العجيبة لا تريد أن تفارقني فامتد شريط العرض وزادت مدته حتى رأيت عصور الخلفاء الراشدين ومنه إلى عصر الدولة العثمانية حيث اختفت العاصمة العظيمة بعد وفاة الدولة الأخيرة وانقسام الأمة التي اختفى أثرها في عالم الوجود. 

وفتحت عيني على كتابات على الجدران قد شملت كل مساحتها تصنع عظمة جديدة زائفة ورأيت طوائف من الناس لا تقل أعمارهم عن السبعين والثمانين تتنافس فيما بينها على الصفوف الأول وتتسمر في الأرض أرجلها حين الصلاة في صفوف طويلة قد امتد تموجها واعوجاجها كأنها رسمت بيدي طفل قد أمسك القلم لأول مرة.

وفجأة أقبل شيخ على عاتقه عباءة سوداء يحف به جنديان يلبسان الثياب العربية وعلى أكتافهم ورؤوسهم ملابس شرطة الحرم تفتح الطريق له وقد أحنت السنين ظهره يتقدم نحو المنبر قطع علي سلسلة أفكاري التي غيرت مشاعري وأرخت أعصابي وأقمت الصلاة وترددت آيات كانت تتلى أيام هذا المسجد الأولى فترتج لها الأرض في كل الأنحاء ولا تجد اليوم لها نصيبًا من التأثير اللهم إلا تحركات بعض الرؤوس التي قد أطربها صوت القارئ فتعاطفت معه بعاطفة سرعان ما تزول عند عتبة باب المسجد الأولى، وانتهت الصلاة وبدأت جموع المصلين تغادر هذا الجو إلى عالم لا صلة له بواقع هذه الشعيرة فقد افترق مفهوم الصلاة عن بقية الدين العملي الآخر.

وجلست انتظر انصراف الأكثرية حتى أخرج سليمًا من المرور أمام قبلة المصلين وبينما أنا كذلك إذ بدأت سحابة أخرى تغشاني حتى عدت أتصور انشقاق هذا المكان وتصدع الأرض يوم القيامة فهي أول أرض تنشق فيخرج منها الموتى ومن سيخرج أنه رسول الله وعاد الحياء إلى قلبي من شخص هذا الذي ينام خلفي في قبره وأحسست كأن البساط الذي أجلس عليه أصبح يتحرك عن انشقاق الأرض تحتي، ووعيت حالتي وعاد الأمل يراودني بعودة هذه العاصمة إلى طبيعة مركزها الأول،وأتيحت لي الفرصة للخروج فإذا بباب المسجد يلقي بي في عالم التيه ثانية إذ لا إسلام ولا مسلمون ينطق في الخارج فالحياة جافة جافة لا موجه لها ولا هدف.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1041

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 32

129

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الجهاد ماض إلى يوم القيامة