العنوان من وحي القصص القرآني- الرئيس «مرسي» ومثلث التمكين
الكاتب إسماعيل حامد
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012
مشاهدات 67
نشر في العدد 2031
نشر في الصفحة 14
السبت 15-ديسمبر-2012
مخطط الانقلاب الأخير شارك فيه 16 قيادة من أحد الأجهزة الأمنية وفي مقدمتهم 5 لواءات
منظومة الفساد تمتد لتشمل 5600 وكيل وزارة وأكثر من 100 ألف موظف بدرجة مدير عام ومدير إدارة وأكثر من 50 ألف عضو مجلس محلي
حينما أرسل الله رسله إلى أممهم كان الخطاب القرآني يقول: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، ولكنه سبحانه حينما أرسل سيدنا موسى قال: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ﴾ (غافر: 23)، فاختلف الخطاب بالنسبة لمصر حيث أرسل النبي موسى إلى مثلث التمكين البشري والذي يحول دون القوم والأمة أن يستمعوا لدعوة الله تعالى.
فقد أرسل الله سبحانه موسى عليه السلام إلى «فرعون» رمز السلطة، و«هامان» رمز القوة، و«قارون» رمز المال؛ فمن امتلك هذه الثلاث فقد مُكِّن، وهناك من يستخدم الثلاث في تمكين عادل ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا﴾ (الكهف: 95)، وهناك من يستخدم هذه الثلاث في الحكم الطاغوتي الجبروتي ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ (القصص: 4).
ومن خلال هذه المقارنة البسيطة تدرك أن مصر منذ قديم الأزل وهي تتعرض لهذا الثالوث، ولذلك كان إرسال الأنبياء فيها لرموز هذا المثلث في المقام الأول، وأن نجاح التمكين في مصر لا يتحقق إلا بالقضاء على مثلث التمكين الفاسد وإحلال مثلث تمكين صالح مكانه؛ ولذلك فإن مصر الثورة بحاجة إلى عملية تطهير شاملة لكل مكونات هذا المثلث المتجذر في كل أوصال الدولة.
الكارثة بالأرقام
وحتى نقف على حجم ما يواجهه الرئيس مرسي من أركان وأعمدة «الدولة العميقة» لا بد من وقفة متأنية مع هذه الأركان؛ لنعرف حجم الكارثة والفساد المستشري في الدولة المصرية العميقة:
أولا: سلطة «فرعون»، وهي تتكون من عناصر ثلاثة:
1- السلطة التنفيذية: بعض المصريين يظن أن الثورة نجحت حينما أجبرت المخلوع على التنحي يوم 11 فبراير من العام الماضي، وهذه نظرة ضيقة للسلطة التنفيذية، فإن حجم الدولة العميقة في هذا العنصر مخيف جدًّا، فقد اصطدم الرئيس بمنظومة فاسدة تمتد لتشمل مؤسسة الرئاسة والحكومة وأكثر من 5600 وكيل وزارة، وأكثر من 100 ألف موظف بدرجة مدير عام ومدير إدارة، وأكثر من 50 ألف عضو مجلس محلي على مستوى الجمهورية، كل هؤلاء تابعون للنظام السابق بفساده وإجرامه، ولا يمكن تغييره دفعة واحدة وإلا سقطت الدولة ونظامها الإداري.
2- السلطة التشريعية: وقد نجحت الثورة في الإتيان بسلطة تشريعية منتخبة من قبل 32 مليون مصري، ولكنها كانت تعمل وفق منظومة إدارية يسيطر عليها أكثر من 500 موظف على رأسهم «سامي مهران»، وهم جميعًا من بقايا النظام السابق، كما أن بقايا الفساد السابق حالوا دون استمرار وبقاء هذه السلطة التشريعية بما لديهم من نفوذ وعوار قانوني، وبالتالي لم تتمكن من تحقيق إنجاز تشريعي يقضي على الفساد.
3- السلطة القضائية: وهذه انتشر الفساد فيها حتى تجاوزت نسبته أكثر من الثلث من خلال التوريث في السلطة القضائية، واختراق جهاز أمن الدولة لها وأصبح لهم الصوت العالي من خلال منصب النائب العام ونادي القضاة والمحكمة الدستورية وبعض المحاكم الأخرى، والتي أخرجت القضاء عن مهمته الأساسية ليصبح قضاء مسيسًا، وهذه السلطة تحتاج إلى تطهير شامل ولكن وفق المنظومة الإدارية الحاكمة للسلك القضائي.
ثانيًا: قوة «هامان»، وهذه القوة تتمحور في عناصر ثلاثة:
1- قوة الجيش: وهي مؤسسة تم بناؤها خلال الـ 30 سنة الماضية على أرضية مخالفة للعرف العسكري بحيث تكون درعًا للنظام، ولا تعرف شيئًا عن الحرب ومفرداتها وجناحًا للمصالح والمنافع الخاصة؛ مما أثمر عن ارتباط وثيق بين السلطة التنفيذية السابقة والجيش والمصالح المشتركة، وبالتالي استئصال كل من يشذ عن هذه القاعدة، وإعادة بناء هذا الجيش يحتاج إلى سنوات حتى يقف على قدمه، وقد نجح الرئيس مرسي في تحييد الجيش خلال الفترة الماضية بعدما أقال رموز النظام السابق فيه (مجموعة المشير، ورجال المجلس العسكري)، لكن المشوار طويل في تغيير الجيش وإعادة الروح القتالية إليه وتجهيزه بالمعدات والعتاد القادر على ردع أي عدو.
2- قوة الشرطة: وهي مؤسسة أفسدها النظام السابق حتى أصبحت كلها خرقة سوداء لا بقعة بيضاء فيها، وكانت سببًا رئيسًا في إشعال الثورة المصرية، وتطهير هذه المؤسسة يحتاج إلى 10 سنوات على الأقل، وحينما يتم تغيير قياداتها ثاني قيادة أخرى ممن تربوا على نفس منظومة الفساد السابقة.
3- الأجهزة الأمنية، فهناك 14 جهازًا أمنيًّا، بعضها تابع للجيش وبعضها تابع للشرطة، وبعضها مستقل عنهما، ولكل جهاز قيادة ومنظومة عمل وكلها قائمة على فساد وتغليب المصلحة الشخصية على حساب مصلحة الوطن والأمة، ولذلك رأينا مخطط الانقلاب الأخير الذي كشف وشارك فيه 16 قيادة من أحد تلك الأجهزة الأمنية وفي مقدمتهم 5 لواءات، ويضاف إلى ذلك تسخير هذه الأجهزة الأمنية لجيش من البلطجية والمليشيات الشعبية يتجاوز عددهم المليون، والذين يقومون بتصعيد الأعمال ونشر البلطجة والرعب بين الناس.
ثالثًا: مال «قارون»، وهذا المحور يتحرك وفق مخططات ثلاثة:
1- المال الداخلي: إنفاق المال ببذخ من قبل رجال أعمال ورموز النظام السابق وغيرهم في تأجيج الصراع الداخلي، وتشتيت الدولة وعدم استقرارها تحت قيادة الرئيس مرسي وتوظيف المال بسخاء في تأجير البلطجية، ولقد رأينا كيف يأتي رجل من الخليج ليشتري 12 قناة فضائية، وكلها تبث سمومها ضد الدولة والرئيس المنتخب، ورأينا كيف أنفق المال ببذخ من قبل رموز النظام السابق في معركة الانتخابات الرئاسية من أجل منع وصول «د. مرسي» للرئاسة، وحجم الإنفاق الذي ينفق الآن على الثورة المضاد لإيقاف مسيرة النهضة.
2- التمويل الأجنبي: وقد ظهر واضحًا وجليًا بعد نجاح الثورة في قضية تمويل الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني في القضية المشهورة التي قام المستشار «عبد المعز» بتهريب الأجانب المتهمين فيها، ولعل آخرها لقاء السفيرة الأمريكية ببعض النخب السياسية لبحث فعاليات التصعيد ضد الرئيس «مرسي».
3- وقف الدعم والاستثمار: وهو مخطط آخر خارجي يهدف إلى الحيلولة دون وقوف «مصر مرسي» على أقدامها، ومن أجل تعجيز الرئيس عن النهوض بمصر، وقد رأينا كيف أن كل الدول التي أعلنت عن تقديم دعم لمصر لم توفِّ بوعودها سوى تركيا وقطر، في مخطط تآمري على مصر الثورة.
هذه هي أركان «الدولة العميقة» التي تحارب الرئيس «مرسي» وتقف أمام محاولات تطبيقه مشروع النهضة، ويضاف إليها الهجمة الإعلامية الشرسة من الإعلام الرسمي والخاص، وللأسف يشارك فيها سواء بقصد أو بغير قصد بعض النخب السياسية وبعض المنتسبين إلى الثوار، ربما يكون نتيجة الجهل التام بمدى خطورة «الدولة العميقة» أو نتيجة استعجالهم الثمرة، أو نتيجة تأثرهم بالإعلام الكاذب المدلس على الناس، أو نتيجة مرض وحقد في نفوسهم.
وفي المقابل، فإن الرئيس «مرسي» لا يقف مكتوف الأيدي في مواجهة مثلث التمكين ولا يفقد الأمل في إحداث التغيير؛ فهو يعلم أنه يسير في حقل ألغام، ولذلك ينتهج سياسة النفس الطويل، والحكمة والتدرج في التغيير والاستغلال الأمثل للفرص المتاحة.
فهو لا يصادم نواميس الكون، ولكنه يغالبها ويستخدمها ويحول تيارها، ويستعين ببعضها على بعض، وأمله في الأخير أن يأتيه نصر من الله وفتح قريب؛ ولذلك فقد خاطب شعبه وقال لهم امضوا للأمام، ولا تنظروا للخلف، ولا تنظروا تحت أقدامكم، وأحسبه يقول لأمته كما قال موسى من قبل: ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128)، وكما نصر الله موسى على سلطة «فرعون»، وقوة «هامان» ومال «قارون»، فإن الله ناصر عبده «محمد مرسي» ﴿أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا﴾ (الإسراء: 151).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل