العنوان من وحي المؤتمر العالمي الإسلامي للتضامن مع الأسرى الكويتيين
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الأحد 26-يناير-1992
مشاهدات 55
نشر في العدد 986
نشر في الصفحة 50
الأحد 26-يناير-1992
قال الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه
الله: إذا نظرت الى المجتمع الإنساني استيقنت أن المنبع الحقيقي للشر والفساد هو
ألوهية الناس على الناس، إما مباشرة، وإما بواسطة، وقد بينت التجارب
التاريخية أن الإنسان لا يعيش من غير ألا يتخذ لنفسه إلهًا وربًا، وإن لم يرض
بالله ربًّا وإلهًا له، فحين ذاك يتسلط عليه جنود مجندة من الأرباب والآلهة،
وحيثما وجهت نظرك وجدت أمة اتخذت نفسها إلهًا لقوم آخرين، وطبقة سلطت
ألوهيتها على طبقات أخرى، وحزبًا سياسيًا استولى على مناصب الألوهية والربوبية،
واستبد بها، أو تجد مسيطرًا ينادي الملأ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ
غَيْرِي﴾ (القصص: 28)، وليس لهذا لهذا
الداء من دواء إلا أن يقوم الإنسان فيكفر بالطواغيت جميعًا، ويؤمن بالله العزيز،
الذي لا إله إلا هو، ويخصه -تقدست أسماؤه- بالألوهية والربوبية، فهذا هو
الطريق الوحيد لنجاة البشر من براثن الذئاب الإنسانية وقطاع طريقها، وهذا والصلاح
الحقيقي الذي ظهر في المجتمع الإنساني على أيدي رسل الله الكرام.
فالإيمان بالله إذن هو الضمان لحقوق
الإنسان، والذين يقولون إنهم يؤمنون بألسنتهم، وهم يمارسون الظلم والطغيان ضد
الشعوب هم كاذبون في إيمانهم بالله؛ لذلك يجب الوقوف في وجوههم حتى لا تتكرر
المآسي على الإنسانية، فقد حكى القرآن عن أمثال هؤلاء فقال: ﴿إِنَّ
فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ
طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا
فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ
لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا
كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: 4-6).
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ
فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ
ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ
الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا
أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ
عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ
الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ
عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ. فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ
الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ
قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا
يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ. فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا
كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُنتَصِرِينَ. وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ
يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ
وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ. تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 76-83).
فالمأساة التي حلت بالكويت والكويتيين
سببها هؤلاء.. أصبحوا قدوة في الطغيان لمن يأتوا بعدهم، وما صدام حسين إلا
متبع لهؤلاء الطغاة في التاريخ.
إن الاستبداد هو سبب كل انتهاكات حقوق
الإنسان، وهؤلاء المستبدون يأتون عن طريق الانقلابات على الرغم من شعوبهم، ويفرضون
على الشعوب حكمهم وطغيانهم، ويتنكرون لأبسط مبادئ العدالة، فهم سبب لكل ما تعانيه
شعوبهم من العذاب، فها هو الشعب العراقي يعاني الأمرين على الرغم مما أنعم الله
عليه في أرضه من ثروات، وإن سبب هذه المعاناة هو استبداد الحاكم، ولو لم يكن هذا
الحكم الاستبدادي في العراق ما كان هناك اعتداء ولا تقاتل، ولا أسلحة كيماوية
تنهال علي الأكراد.
هؤلاء الطغاة والطواغيت الرضوخ لهم شرك
بالله، وهم الظلام الدامس في المجتمع البشري: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ
آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ
أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:257).
فما جرى على الكويت من عدوان من جانب
العراق سببه ذلك الاستبداد والطغيان الواقع على شعب العراق، ولولا الطغيان
والجبروت ما كان هناك غزو عراقي، ولا كان هناك أسرى يجتمع العلماء والمفكرون اليوم
من أجل التضامن معهما، والمطالبة بالإفراج عنهم إن هؤلاء الأسرى هم ضحية للظلم
الذي يمارسه الطغاة في أرضهم فامتد الظلم، والظالم المغرور لا يتوقف عن الظلم، ولابد
أن يشمل ظلمه القريب والبعيد، وعلي الرغم من حلول المأساة التي حلت بالكويت
والكويتيين والظلم الذي وقع عليهم من طاغية العراق، وعلى الرغم من الألم الذي يشعر
به الإنسان والأسى والغضب على من يؤيد الظالم على ظلمه، ويرضى بما يفعله في حق
المظلوم من اغتصاب أرضه، وانتهاك حرماته، ونهب أمواله إلا أن المسلم لا يسمح أن
تسيطر عليه الطبيعة البشرية، ولا يطلق لعاطفته العنان ليتجاوز العدل والمنطق
والحق، فيجب أن نتحلى بالعدل، ونحصر استياءنا وانتقامنا في الظالمين ومن عاونهم
فقط، فلا يؤخذ البريء بذنب المسيء؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء:15).
﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن
وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ﴾ (يوسف:79)
وقد جرت سنة الله أنه مهما طال الليل لابد
أن يبزغ الفجر، وأن الظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصر والثواب: ﴿وَلَمَنِ
انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. إِنَّمَا
السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الشورى:41-42).
إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم
يفلته، وسيأخذ صدام حسين وأمثال صدام حسين من الطغاة والظلمة.
إذا ما الظلوم استوطأ الظلم مركبًا
ولجّ عتوًّا
في قبيح اكتسابه
فكله إلى صرف الزمان وعدله
سيبدو له
ما لم يكن في حسابه