; من وحي إشراقة قرن جديد | مجلة المجتمع

العنوان من وحي إشراقة قرن جديد

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1981

مشاهدات 61

نشر في العدد 513

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 27-يناير-1981

شهد القرن الهجري المنصرم ظهور عدد غير قليل من الجماعات والتجمعات والتيارات الإسلامية، كان بعضها امتدادًا لتيار أو لآخر؛ مما كان موجودًا قبل القرن الرابع عشر، والبعض كان تطورًا أو تحويرًا لهذا التيار أو ذاك، كما أن بعض الجماعات كان بمثابة رد فعل لظروف معينة سادت في العالم الإسلامي كله أو في جزء من أجزائه، ظل بعضها محصورًا في الدائرة الضيقة، التي حددتها له ظروف النشأة وملابساتها، لكن بعضًا منها انطلق خارج حدود تلك الدائرة، ووسع من آفاق نظرته ليقترب من الخط الإسلامي المتميز بالشمول المتجاوز حدود ردات الفعل.

تميزت بعض الجماعات بارتكازها واعتمادها الكامل على شخص المؤسس الأول، بحيث كان موته بداية انهيار تلك الجماعة وضعفها فاندثرت أو تكاد تندثر، على حين كان البعض الآخر يرتكز على أفكار المؤسس الأول، بحيث أمكن تربية جيل يؤمن بتلك الأفكار، ويعمل لها حتى بعد رحيل القائد الأول من هذه الحياة.

تقوقعت بعض الحركات داخل الإطار المكاني، الذي نشأت فيه، فلم تجاوزه إلى غيره إلا تسربًا ضعيفًا غير مقصود ولا مخطط له، على حين كان البعض يضع في حساباته ومخططاته فكرة الانتشار على أوسع مدى؛ انطلاقًا من الفهم الصحيح للإسلام، الذي يتفرد بسمة العالمية والتأبي على الانحصار في إطار زماني أو مكاني أو قومي.

 وباختصار، كان القرن الرابع عشر الهجري أشبه بحقل واسع بذرت فيه - في أزمنة مختلفة - بذور من أصناف شتى متباينة الأحجام والخصائص والفوائد، فنمى منها البعض، وأخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، بل وترامت من ثماره حبات كثيرة، فنبتت ونمت هنا وهناك تحمل الكثير من ملامح النبتة الأم وخصائصها، على حين أن بعض البذور نمت هزيلة لخصيصة فيها أو في التربة التي كانت من نصيبها، وهزلت بعض البذور فماتت نبتتها في المهد أو فوق التربة، وتسلقت نباتات أخرى على سواها من ذوات القوة، ولكن سرعان ما انكشف أمرها، ففصلت عن مصدر الغذاء، فعجزت عن متابعة النمو، ولم يعدم ذلك الحقل من ظهور بعض النباتات «الشيطانية» أو السامة، التي أزهرت ولمعت هنا وهناك حينًا من الزمن، قبل أن يكتشف الزراع والآكلون حقيقتها وخبثها؛ فاقتلعوها أو اجتثوها.

إنه لشرع طبيعي أن تتشابه بذور كثير من النباتات؛ حتى إذا غرست فنبتت وأورقت وأزهرت وأثمرت تميزت وعرفت حقيقتها، ومدى ما تحمله من نفع أو مضرة، وعلى أساس ذلك يتحدد موقف الزراع منها، فإما متابعة العناية والتعهد والإواء، وإما الاقتلاع والاجتثاث.

فإذا كان القرن الماضي قد شهد هذا الحشد الهائل من الحركات والجماعات والتيارات والأفكار، التي تتحدث عن الإسلام والعمل للإسلام، فإن الوقت الذي مضى حتى الآن كاف؛ ليتبين أصحاب تلك الجماعات وأتباعها حقيقتها، وليتبين جمهور المسلمين أي تلك الجماعات يسير على خط الإسلام الصحيح، وأيها مجانب لذلك الصراط السوي، أي الجماعات تمثل - في فكرها وأهدافها ومنهجها ووسائلها وممارساتها الفعلية وجهادها الواقعي- منهج الإسلام الصحيح المتكامل، كما يفهمه المسلمون من القرآن والسنة، وكما كان مطبقًا في عصور الرشد الأولى؟ وأي الجماعات قصر في هذا الفهم أو اكتفى من الإسلام ببعض الجوانب، أي الجماعات كانت أمينة في عرض ما عندها، فلم تدع لنفسها أكثر مما تمارسه فعلًا، وأي الجماعات كانت على خلاف ذلك؟!، أي الجماعات قدمت من تضحيات أبنائها- مالًا ودمًا - دليلًا على استمساكها بما تدعو إليه؟، وأي الجماعات آثرت لنفسها السلامة من كل بأس، فقبعت في دائرة الكلمة المسالمة، التي لا تترك أثرًا على الحياة يذكر؟!، أي الجماعات كانت أثبت أمام موجات الابتلاء والمحن العاتبة، فخرجت منها- على ضراوتها - أشد استمساكًا بدعوتها، وإصرارًا على العمل لها، والمواجهة في سبيلها، وأيها هدته الضربة فانهار أو استكان؟!، أي الجماعات أثرى روادها وأعلامها- بكتاباتهم ومواقفهم العملية- الفكر الإسلامي الحديث والتجربة الإسلامية المعاصرة؟!، وأيها لم يعرف المسلمون عنها ومنها سوى أسماء وطنطنات؟!.

صحيح أننا ما زلنا في حاجة ماسة إلى دراسات جادة أصيلة ومخلصة تبلور تجربة كل «جماعة» ذات وزن، وتحدد خصائصها، وتبرز إنجازاتها، ونواحي القصور فيها، وصحيح أيضًا أننا في حاجة – بعد ذلك - إلى دراسات مقارنة بين تلك الجماعات؛ لنستخلص للمسلمين - الحياري الموزعين والمترددين بين العديد من الجماعات - ما يهديهم إلى الطريق المستقيمة، والجماعة الأمينة التي تأخذ بيدهم إلى منهج الله، وتتحرك معهم وبهم نحو الغاية، التي هي مسئولية كل مسلم يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، أن تكون كلمة الله هي العليا، وشرع الله هو الحاكم، وعبادة الله ومرضاته هي الرجاء والحافز.

إن كل المسلمين - وفي مقدمتهم أولئك الملتزمون بجماعة إسلامية - مطالبون اليوم قبل الغد أن يدرسوا ويستوعبوا حصيلة العمل الإسلامي، وحقيقة الجماعات الإسلامية في القرن الهجري المنصرم، وذلك ليتبينوا لأنفسهم أين الطريق ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٤٢)

وإذا كان منهج الإسلام - ومنهج العقل أيضًا - يحتمان على كل مسلم أن يدرس الطاغوت وأولياءه، ويعرف مخططاتهم؛ كي يأخذ حذره، ويعد نفسه دفاعًا وهجومًا، فمن باب أولى أن يدرس من معه على الطريق من العاملين لنفس الغاية، التي يعمل لها؛ كي يقترب من الصالح منهم، ويصحح المجاوز، وينصحه ويأخذ بيد الضال ويرشده!!، أليس المؤمن مرآة أخيه، «والدين النصيحة، لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»؟ 

أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على كل مسلم؟!، وأي معروف أكثر وأعظم من التعاون مع أهل الحق والتكامل معهم؛ ليشدوا من أزرى، وأشد من أزرهم؛ حتى تتضاعف قوتنا وفاعليتنا في مواجهة الطاغوت المتربص بنا؟!، وأي منكر أخطر من أن أعرض عن إخوتي في الله وأتجاهلهم وأضن عليهم بالنصيحة، أو أحجم عن التعاون معهم؟!، أليس من الإسلام أن أنصر أخي ظالمًا (بكفه عن ظلمه) أو مظلومًا «بنصرته وعونه»؟!، أليس من صفات المسلمين الأساسية أنهم أولياء بعض، وأن التخلي عن هذه الولاية هو السبيل الذي يؤدي إلى الفتنة في الأرض والفساد الكبير، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: ٧٣).

إذا كان القرن الماضي قرن البذر والنمو والانتشار والتزاحم والتدافع أحيانًا، فليكن هذا القرن - ومن الآن - قرن التقارب والتجانس والتوحد ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣)، ﴿ولَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٠٥).

إن أولى الخطوات على طريق توحيد الجماعات الإسلامية أن تكسر الحواجز المصطنعة والجدران المزيفة، التي تحجب المنتمين إلى كل جماعة أن يتعرفوا عن قرب تعرفًا مباشرًا وصحيحًا على إخوانهم في الجماعات الأخرى؛ ليعرفوا أين نقاط التلاقي؟، وأين نقاط الافتراق؟، وحجم هذه وتلك ومدى ما تسمح به الأولى من تعاون أخوي في الله، ومدى التسامح الذي يمكن أن تؤخذ به الفروق والاختلافات!

إن كل من له احتكاك بالجماعات الإسلامية يعلم عن تلك الحواجز، التي يقيمها المسؤولون عن بعض الجماعات حول من هم تحت مسئوليتهم، يلقنونهم عن الجماعات الأخرى ما يخالف واقعها، يحذرونهم أحيانًا من قراءة كتابات الآخرين، يزعمون لهم أن الجماعات الأخرى لم تصب المنهج الصحيح؛ لفهم الإسلام، والعمل له؛ ذلك المنهج الذي يتمثل في جماعتهم وحدها، يضخمون من أخطاء الآخرين؛ حتى تحجب عن الرائين ما لهم من حسنات وإنجازات، كما يضخمون لهم إنجازات جماعتهم - على قلتها - حتى لا يرون فيها قصورًا أو انحرافًا.

ما دام للإنسان عقل يفهم، وما دامت أصول الإسلام وغاياته الكبرى واضحة عنده، فلا عليه بعد ذلك أن يقرأ لمن شاء من الكتاب المسلمين، ولا عليه أن يناقش من شاء من الرعاة والمسئولين؛ حتى ولو كان رأس جماعة من الجماعات، حتى ولو كان رأس الجماعة التي يدين لها بالولاء!، لقد ناقش أفراد المسلمين رسول الله - وهو المعصوم في التبليغ -، ورجع عن رأيه إلى رأي بعضهم «حادثة موقع الجيش في غزوة بدر مشهورة»، وناقش أحاد المسلمين الخلفاء الراشدين وصوبوهم؛ فشكروهم على هذا التصويب، وعملوا بما صوبوا إليه.

وإذا تحقق هذا الانفتاح، وانحلت العقد، وغزت القلوب نفحة الأخوة، والرغبة في التآلف، كانت الخطوة التالية، وهي التقارب الفعلي، والتلاقي الواقعي على أنشطة الخير والبر، ومن ثم تتقارب الصفوف، وتتعانق القلوب، وتتقوى الأواصر، ويصبحون - بنعمة الله - إخوانًا.

وإن أخطر العقبات التي تحول دون تحقق هذا الخير حب الرئاسة والزعامة، وإعجاب كل ذي علم أو رأي بما عنده، واستبعاد إمكانية الزلل أو القصور في جنب القيادات!!، مع أن الرسول الهادي علمنا أن نقول كل صباح: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل أو أضل أو أضل...»! إن الطاعة - في الإسلام - لا تعني العمى الفكري ولا إلغاء الشخصية والرأي عند التابع، ونحن - في الإسلام- لا نتبع أشخاصًا ولا أفكار أشخاص: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم»، إنما نحن نتبع منهج الله ورسوله، ونأخذه من كل من يقدمه لنا صافيًا واضحًا مستقيًا: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨)، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا المقام «صلى الله عليه وسلم».

فليكن احتفاء الجماعات الإسلامية واحتفالها بالقرن الهجري الجديد متميزًا عن احتفالات الحكومات والهيئات الرسمية، ليكن توحيد الصف وتجميع القوى المشتتة والتنازل عن حظ النفس في سبيل خير الأمة، ونصر الدين هو الإنجاز الذي تفتتح به هذه الجماعات جهادها في هذا القرن الجديد، القرن «الوتر»، فهل نكون «وترًا» مثله؟ ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٩٢)!، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: ٧٧، ٧٨).

الرابط المختصر :