العنوان من وراء الجمرة الخبيثة؟
الكاتب عبدالسلام السلامة
تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2001
مشاهدات 67
نشر في العدد 1476
نشر في الصفحة 33
السبت 10-نوفمبر-2001
ما إن بدأ العالم يشاهد صور الدماء والأشلاء الأفغانية، حتى انتشرت موجة الجمرة الخبيثة.. فهل ثمة رابط بين الأمرين قد تبدو الإجابة من السهولة بحيث تعرف من صيغة السؤال نفسها .. وهي أن الجمرة جاءت لتشغل العالم عن الحملة على أفغانستان. أو أن احتمالات الفشل في الحرب (التقليدية) ضد الأفغان، أصبحت راجحة فجاءت الجمرة الخبيثة مبررًا لحرب (غير تقليدية).
كلّ ذلك واردٌ، إلا أن ثمة أسبابًا أخرى، تربط بين الجمرة وبين الأشلاء، لا تتعلق بـ (ساحة العمليات العسكرية) داخل أفغانستان بقدر ما تتعلق بساحة العمل الداخلية لصانع القرار الأمريكي، أعني المجتمع الأمريكي نفسه.
إن من نتائج تفجيرات نيويورك وواشنطن أن تساؤلات كثيرة بدأت تعلو بين الأمريكان عن أسباب (كراهية العالم الأمريكا!) ..وليس في تلك التساؤلات خطورة، وإنما الخطورة هي في الإجابة عليها، والتي تتلخص في كلمة واحدة هي السياسات الأمريكية الخارجية، ومكمن الخطورة هو أن الأضواء بدأت تسلط على المواطن المكروهة في تلك السياسات، وعمن وراءها، ولم تكن تلك المواطن المكروهة مجهولة من الأمريكيين قبل التفجيرات، ولكن مجتمع الرفاهية الذي كان يتقبل - على مضض . دفع ضرائب مالية ثقيلة لدعم تلك السياسات ليس مستعدًا لدفع تلك الضرائب دماء وأشلاء وبدلًا من إعادة النظر في تلك السياسات، فقد انطلقت البوارج الأمريكية لتقول للشعب الأمريكي إن عجزت تلك السياسات المكروهة عن تحقيق العدالة المطلقة التي سيحكم الأمريكيون العالم من خلالها، فلا أقل من أن تحقق (الحرية الدائمة) التي سينعم الأمريكيون في ظلّها، ثم بدأ نزيف الدماء وتبعثر الأشلاء الأفغانية!
الصور المروِّعة التي أثارت المزيد من الكراهية، حتى بين الأمريكيين أنفسهم، وجعلتهم يتعاطفون مع أولئك الأعداء الأبرياء... أثارت لدى القوى المتنفذة شعورًا من نوع آخر!... لقد وضعهم الصبر الأفغاني أمام خيارين إما أن يعترفوا بفشل سياساتهم فيتراجعوا، ويدفعوا ثمن تراجعهم، أو أن يستمروا بطريقة قد تؤدي إلى المزيد من الدماء والأشلاء، لا الأفغانية وحدها، وإنما الأمريكية أيضًا.. وإذا كان الخيار الأول مستبعدًا عندهم فإن الخيار الثاني كان بحاجة إلى أن يُحاط بظروف تسوغه لدى الأمريكيين، أو تشغلهم عنه ومن هنا توهجت الجمرة الخبيثة!
لقد كانت الظروف مواتية، ومستوجبة لمثل هذه المناورة السياسية. ولكن هل ستتوقف تلك (المناورة) بانتهاء الظروف الموجبة لها؟؟ الظاهر أنها ستكون (استراتيجية) طويلة الأمد، تبدأ بإيجاد (حالة قلقة داخل الولايات المتحدة، ثم تظل تتطور وتتأقلم مع الظروف المحيطة بها إلى أن تصبح (واقعًا) مستقرًا يسمح للقوى التي تصنع السياسة الأمريكية من وراء ستار أن تستمر في سياساتها بعيدًا عن أي مساءلة أو اعتراض وفي هذا الصدد كان كلام "ديك تشيني" نائب الرئيس الأمريكي الذي قال: إن الحياة لن تعود كما كانت قبل الهجمات ألا يوحي ذلك بأن على الأمريكيين أن يتأقلموا مع واقع جديد عليهم.. فما الواقع وما الجديد فيه؟
من خلال الملابسات التي رافقت الجمرة الخبيثة نجد ما يلي:
- الذين ثبتت إصابتهم بهذه الجمرة يعدون على أصابع اليد، فلماذا رافقها كل هذا الترويع والإرهاب النفسي.. ومن وراء هذه الآلاف من (المزحات الثقيلة) و(الكذبات غير المسؤولة) والرسائل مجهولة المرسلين التي استنفر لها الآلاف من رجال الشرطة في أنحاء العالم.. ولماذا كان دور مكتب التحقيقات الأمريكي، والأجهزة الأمنية الأخرى هو زيادة الترويع والتخويف، بدلًا من الطمأنة وإشاعة الهدوء؟
- لمَ كان أول من يتعرض لهذه الجمرة صحفيون أمريكيون غير حياديين مهتمون بقضايا الشرق الأوسط أليس هذا للإيحاء بأن ثمة قصدًا سياسيًا وراء الجرثومة
إن عدد الإصابات في جميع أنحاء الولايات المتحدة، خلال أسبوعين لم يتجاوز أربع حالات... فكيف أصابت تلك الجمرة ستة وثلاثين موظفًا في الكونجرس دفعة واحدة؟
- لمَ تأخرت تلك الرسالة الملوثة المرسلة في اليوم الثامن من شهر سبتمبر، أي قبل انفجارات نيويورك وواشنطن من الولايات المتحدة إلى كينيا ... لمَ تأخرت كل هذه المدة حتى وصلت؟ ألا يراد إثبات أن نشر هذه الجمرة في الولايات المتحدة كان سابقًا لانفجارات نيويورك وواشنطن، فهو إذا جزء من سلسلة من الجرائم المتتالية، منها ما تظهر آثاره فور حدوثه، ومنها ما لا يظهر إلا بعد زمن قد يطول وقد يقصر وفي هذه الحالة، ألا يكون المقصود هو أن تستقر حالة الرعب والخوف في نفوس الأمريكيين؟
- لقد أظهرت التحقيقات الأمريكية حول انفجارات نيويورك وواشنطن قدرًا كبيرًا من التناقض، فهل يجب تصديق المحققين في نتائج تحقيقاتهم حول الجمرة الخبيثة، بعد أن ثبت تناقضهم فيما يتعلق بالتفجيرات؟؟ وهل يجوز عقلًا عدم الربط بين مصداقية التحقيقات في القضيتين رغم محاولات المسؤولين الأمريكيين الربط بينهما سياسيًا؟
وأخيرًا .. فقد حققت زوبعة الجمرة الخبيثة رغم أنها لا تزال في بداياتها . ثلاثة أهداف ثمينة الصانع السياسات الأمريكية
1- شغلت العالم عما يرتكب في أفغانستان...
2- قدمت نوعًا من التمهيد لاستخدام أسلحة الدمار الشامل في أفغانستان، وفي هذا السياق نورد كلمات نائب الرئيس الأمريكي عندما قال: عندما نفكر في هذا الهجوم وفي الرعب اللا محدود الذي حاق بمركز التجارة العالمي فإن أي عقاب لهؤلاء الإرهابيين لن يبدو قاسيًا للغاية!
3- أوجدت حالة من الذعر، داخل أمريكا تسمح لصانعي السياسات أن يستمروا في سياساتهم.
إنها جمرة خبيثة حقًا.