; من يتعظ؟ | مجلة المجتمع

العنوان من يتعظ؟

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1936

نشر في الصفحة 12

السبت 22-يناير-2011

لا أعتقد أن أحدًا من أشباه الرئيس التونسي المطرود سيتعظ ويسارع لمراجعة حكمه ويعمل على الاقتراب من شعبه.. ربما يحدث هذا في مناطق أخرى غير منطقتنا وعالم آخر غير عالمنا.. فـ«فرعون» رغم كل الدروس التي قدمها له نبي الله «موسى» أصر على التشبث بنفسه إلهًا، ولم ينطق بكلمة الإيمان إلا وهو على وشك الغرق: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِم﴾ (سورة يونس: 90)، وفراعنة اليوم أشد تشبثًا بصولجانهم من فرعون موسى.. ولذا لم يكن مفاجئًا صدور تعليقات ساخرة من بعض الزعماء على ما جرى، وإصرار الكثير على أن بلده مختلف عن تونس تمامًا، مستبعدًا تكرار السيناريو، ولذلك يواصل حكمه المستبد وهو مرتاح ودون منغصات! 

لكن الدرس الذي اتعظ منه الجميع- تقريبًا- هو العمل بكل قوة ووفق استراتيجية جديدة للحيلولة دون وصول الجماهير الغاضبة إلى نقطة القوة التي تمكنها من عزل الرئيس وخلعه وطرده خارج البلاد.. وذلك معناه «تشييد القبضة الحديدية» على الجماهير المسحوقة، وسد الثغرات التي ظهرت في نظام «بن علي»، وبما مكن الجماهير من إنجازها البطولي  والتاريخي في إسقاطه، كما أن بقايا نظام «بن علي» نفسه استوعبت الدرس، واتعظت بما جرى، وبدأت في محاولة سد ثغرات النظام ليكون أكثر خبثًا ودموية واستعصاء على تحويل تونس من «سجن» كبير إلى نموذج ديمقراطي شفاف، سيكون- إن تحقق- مصدر إحراج وإزعاج للدول المحيطة بتونس، بل والبعيدة عنها، ومصدر قلق في الوقت نفسه للغرب كله. 

ولذا ينبغي الانتباه إلى ذلك التحالف غير المعلن بين قوى إقليمية ودولية وبقايا النظام التونسي لقطع الطريق على التغيير الحقيقي.. وقد حقق ذلك التحالف خطوات، حيث تمكنت بقايا نظام من العودة لحكم البلاد من خلال حكومة «محمد الغنوشي» التي يشكل حزب «بن علي» معظم حقائبها، ويمكننا التأكيد هنا على ما أفاض في شرحه العديد من قادة المعارضة التونسية وعدد كبير من المراقبين والمحللين بأن الذي تغير فقط هو خروج الرئيس «بن علي» في حين بقى نظام حكمه الذي أذاق الشعب التونسي أشد ألوان العذاب والكبت والإفقار.. وإلا فما الذي يمكن أن يقدمه «محمد الغنوشي» وحكومته للشعب التونسي، ولو كان في جعبته شيء لأخرجه خلال وجوده إلى جوار «بن علي»؟ ثم هل الذي أفسد وخرب وأذل الشعب التونسي ينقلب هكذا- بين عشية وضحاها- إلى رجل ديمقراطي يرعى حقوق الإنسان، ويفسح المجال لكل القوى والتوجهات للمشاركة في صنع مستقبل تونس؟! وتلك هي الشعارات التي أعلنها «محمد الغنوشي» عند الإعلان عن تشكيل حكومته الجديدة وهي سرعان ما تتبخر بعد توقف المظاهرات لتحل محلها سياسة عكسية تمامًا. 

وليس ذلك غريبًا على النظام، فقد أطلق «بن علي» الوعود نفسها في أول خطاب له بعد إطاحته بالرئيس «الحبيب بورقيبة»، فقد قال «بن علي» يومها في خطابه يوم ١٩٨٧/١١/٧م: « لا ظلم بعد اليوم.. إن الحريات الديمقراطية والتعددية السياسية لا تستثنى طرفًا، واحترام حقوق الإنسان هو أساس النظام السياسي الجديد.. وإن حرية الصحافة والتعبير مكفولة.. وإن استقلال القضاء هو خيار الدولة.. ولن يبقى وراء القضبان سجين رأي...»، ثم أعلن «بن علي» عن ضرورة «مصالحة الدولة مع هويتها العربية والإسلامية»، ولم تمض فترة طويلة حتى ثبت أن هذه الوعود والمبادئ كذب ونفاق للشعب التونسي. 

وسجل حكم «بن علي» طوال ٢٣ عامًا متخم بانتهاك حقوق الإنسان، حيث بلغ عدد سجناء الرأي في عهده أكثر من ثلاثين ألفًا، وتم منع الحجاب وإغلاق كل الصحف ومؤسسات المجتمع المدني على اختلافها وسبحان الله، وكأن السيد «محمد الغنوشي» وهو يطلق وعوده عند إعلان حكومته الجديدة كان يقرأ فقرات من خطاب «بن علي» قبل ٢٣ عامًا.. فوعود «محمد الغنوشي» هي هي وعود «بن علي» نفسه، و«محمد الغنوشي» هو صورة طبق الأصل لـ«بن علي».. ألم يكن وزيره الأول؟! 

ومن جهة أخرى- وكما أشرنا سابقًا- فإن دولاً إقليمية وغربية حريصة كل الحرص على بقاء نظام «بن علي»، فهي هي الدول التي راعت عملية استيلائه على السلطة من يد «بورقيبة»؛ لقطع الطريق على الإسلاميين من تولى حكم البلاد، فهل يكون غريبًا على من هندس استيلائه على السلطة، ورعاه، وقدم له كل أنواع الدعم أن يعمل بكل ما أوتي من إمكانات وقوة على استمرار نظامه؟ 

وأتوقف هنا عند صفحات كتاب «صديقنا بن علي» الذي أصدره الصحفيان الفرنسيان «جيل بيار توكو» من صحيفة «لوموند» الشهيرة، و«نيكولا بو» من صحيفة «لوكنار أنشية» ١٩٩٩/١٠/١٤م،  ويكشف هذا الكتاب فصولاً خطيرة في عملية تولية «بن علي» الحكم بالقول: «في مايو ١٩٨٧ م قدم «فرنون والترز» النائب رئيس المخابرات المركزية الأمريكية تقريرًا للإدارة الأمريكية أشار فيه إلى «بن علي» باعتباره الرجل القادر على قيادة تونس، والتي ينبغي أن تجمع في صفوفها كل العائلات التونسية السياسية الموالية للغرب»، وقد وافق مجلس الأمن القومي الأمريكي على ذلك الطرح، وقامت بعثة من الكونجرس إثر زيارة لتونس بتقديم «بن علي» كرئيس لتونس متفقة مع المخابرات المركزية ومجلس الأمن القومي، وقالت صحيفة «لاريبوبليكا» الإيطالية في عددها الصادر يوم ١٩٩٩/١٠/٢٤م:  إن الأدميرال «فرانكو مارتيني»  مدير المخابرات العسكرية الإيطالية كشف يوم السادس من الشهر نفسه أمام لجنة برلمانية إيطالية أن إيطاليا وجدت أن «بورقيبة» وصل إلى درجة من المرض وكبر السن لا تؤهله لمواجهة الاتجاه المتنامي للأصولية الإسلامية في بلاده، والتي بدأت تنتشر في شمال أفريقيا.. وأوضح: «إن الحكومة أمرتني أن أعمل اللازم في هذا الموضوع»، وقال: «في السنوات من ١٩٨٥-  ١٩٨٧م رتبنا نوعًا من الانقلاب في تونس، بوضعنا الرئيس «زين العابدين بن علي» على رأس السلطة».. وغني عن البيان هنا فإن دولاً مجاورة لتونس كانت على علم بما تم الترتيب له ووافقت! 

واليوم يعيد السيناريو نفسه.. ويحاول الغرب بكل إمكاناته السيطرة على الوضع، وإبقاء النظام بكل الحيل، وتتعاون معه أنظمة أخرى تخشى على نفسها الكثير. 

لقد شبه أحد المحللين التونسيين الوضع بالتذكير بأن الناس عندما قامت بتمزيق صورة «بن علي» في بعض المناطق كانت تظهر لهم صورة ثانية بعد التمزيق، ثم صوره ثالثة، وهو الوضع نفسه بشأن الحكومة الحالية التي هي صورة أخرى من «بن علي».. والحمد لله، فالمسرحية واضحة تمامًا أمام الشعب التونسي، وأعتقد أن أحدًا لن يمكنه اللعب عليه هذه المرة.

الرابط المختصر :