; من يجمع خصال الخير | مجلة المجتمع

العنوان من يجمع خصال الخير

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997

مشاهدات 69

نشر في العدد 1237

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 04-فبراير-1997

نقوش على جدار الدعوة

من وحي الحرم الشريف (۲)

 عمل الخيرات توفيق من الله ومحض فضل ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ﴾ (النحل: 53) ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو ساجد بين يدي ربه «ما أنا بشيء وما مني شيء، إنما أنا المكدي وابن المكدي وكذلك كان أبي وجدي» يقول هذا مع أنه كان من أسبق أهل زمانه مسارعة إلى الخيرات، وعملًا بالصالحات فهو في مقدمة المجاهدين حين اللقاء مع المغول، وهو في الدعوة والتربية الأستاذ الذي لا زالت مدارس الفكر والهدى تستمد من منهجه. 

أما العلم فكان فيه البحر الزاخر فقد أجيز للفتيا وهو لم يبلغ العشرين، ومجموع الفتاوى دليل واضح على سعة علمه، وهكذا من يتفنن في جمع الخير، وسلفه في هذا الصديق رضي الله عنه فهو كان سابق الصحابة رضوان الله عليهم في كل شيء فحديث «من أصبح فيكم اليوم صائمًا» واضح ، وقوله صلى الله عليه وسلم «أما أنت يا أبا بكر فتدخل من أبواب الجنة كلها»(البخاري:1897) وتظل الأمة يتفنن المسلمون فيها في جمع أعمال الخير كل يوم، والسعيد من يوفقه الله لتذكر الخير في ساعة الاحتضار فتطمئن نفسه، فهذا ابن إدريس لما نزل الموت به بکت ابنته، فقال يتذكر طاعة من الطاعات التي وفق إليها فقال: يا ابنتي لا تحزني فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة. 

فالتنوع في عمل الطاعات يدل على نشاط متدفق وتجديد متألق، وعمل لا يكل وتفكير لا يمل. 

وهذا في ميزان البشر متعب وصعب، وهذا طريق الكبار، قال ابن القيم عنه: «طريق تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، وتعرض للذبح إسماعيل، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى».

فعدم التنوع والتغير والتفنن يورث الرتابة ويدفع إلى الملل والوقائع في حركة التنوع كثيرة، فهذا نوح عليه السلام نوع في دعوته وحركته ليلًا ونهارًا، سرًا وجهرًا، وهذا النبي صلي الله عليه وسلم دعا في السفح في مكة، وصعد الجبل في الطائف، وذهب إلى الأسواق في عكاظ، وخاطب الكبار وخاطب الصغار وسيرته في ذلك دليل لكل عارف. 

وتدوين عمر بن الخطاب الدواوين في إدارة الدولة دليلٌ آخر على التفكير غير المنقطع لنصرة هذا الدين، فالداعية له كل يوم جديد كما قال الإمام الرافعي «كل يوم لا أزداد فيه فأنا زائد على هذا اليوم»، فالمسلم في كل أمره خير ، والله سبحانه يقدر ويختار ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾(القصص:68) وانتقال المسلم من ميدان لآخر لأي سبب يرجع بالخير على الأمة في النهاية من حيث يدري المسلم أو لا يدري، فهذا الإمام السيوطي موسوعة زمانه تصدر للعلم والتعليم وهو في العشرين من عمره، ثم تركه في الأربعين معللًا تركه بقوله «فلما رأيت نظام العلم قد فسد وسوق الفضل قد كسد ووقع التساوي وليته لم يقع، وتم تقديم الهر على الأسد، رأيت أن أدع العامة وأمرها، فتركت التدوين والإفادة». 

وانقطاع الإمام السيوطي عن الإفتاء والتدريس وإن كان في ظاهره حرمان لطلبة العلم في زمانه إلا أنه قد عاد على الأمة بفائدة كبيرة من جهة تأليفه وتحريره، فقد أخذ يخاطب الناس بالكتب والرسائل، حتى صار أكثر علماء الإسلام والمتأخرين جمعًا وتصنيفًا، ومن خلال النظر في كتاب «مكتبة جلال السيوطي»، نجد أن له ٧٢٥ مؤلفًا سوى المكرر، أخرجت المطابع ٢٠٤ منها، وأما كلام السخاوي في «الضوء اللامع» فهو كلام الأقران لا أثر له ، كما أن هذا الانقطاع للتأليف لا يعني مقاطعته عن مخاطبة الناس، وقد ظل شيخًا للمدرسة «البيبرسية» وهكذا التنوع في حياة العلماء فيه نفع من حيث يدرون أولا يدرون هذا التنوع لا تعارض بينه وبين التخصص والتركيز فكل ميسر لما خلق له. 

والناظر في الحرم الشريف يرى أنه ما من إنسان فيه إلا بيديه أن يزرع بذرة خير، فهذا يطعم ثمرة وذلك يقدم قهوة، ومن حولك الصغار يوزعون مناديل الورق حفاظًا على نظافة الحرم، وبجانب السارية رجل يركع أو يسجد أو يسبح، وكذلك المرأة وهناك آخر يسند ظهره إلى سارية من سواري المسجد ينهي ختمة أو يحفظ ورده، وهناك الطائف والساعي والمزاحم على حجر إسماعيل يريد أن يصل إلى داخل الكعبة، وشيخ عجوز خرج من الزحام مسرورًا ،وهو يقول لأبنائه قبلت الحجر وأعلم أنه لا يضر ولا ينفع، ولكن هذا هو هدي النبي صلي الله عليه وسلم، والكل ينوع في طاعته حتى ما إذا جاء احتضاره قال لزوجه وأولاده وأهله من حوله: لا تحزنوا ففي كل زاوية في بيت الله لي طاعة، والحمد لله الموفق للطاعات، نسأله لنا ولإخواننا التوفيق آمين.

الرابط المختصر :