; من يحمي المسيحيين العرب.. الإسلام... أم الفاتيكان ؟؟ .. الدعوة إلى علمنة الإسلام والمسلمين | مجلة المجتمع

العنوان من يحمي المسيحيين العرب.. الإسلام... أم الفاتيكان ؟؟ .. الدعوة إلى علمنة الإسلام والمسلمين

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2010

مشاهدات 56

نشر في العدد 1929

نشر في الصفحة 36

السبت 04-ديسمبر-2010

  • الوثيقة الفاتيكانية تسعى إلى علمنة الإسلام والمسلمين وتصمم على أن نتجرع الكأس المسمومة التي أصابت المسيحية الأوروبية 
  • في أوروبا .. الذين يؤمنون بوجود إله ولم يعبدوه أقل من ١٤% ... 
  • والذين يذهبون إلى القداس مرة واحدة في الأسبوع في فرنسا أقل من ٥ وهو نصف عدد الفرنسيين المسلمين الذين يواظبون على صلاة الجمعة
  • عرض عدد كبير من الكنائس الأوروبية للبيع بسبب خوائها من الزوار 
  • هناك نقص في الرهبان بسبب العزوف عن العزوبية حتى أصبح هناك راهب لكل ١٢٠٠ مسيحي أوروبي !! وفي أفريقيا راهب واحد لكل ٤ آلاف 
  • البابا بنديكتوس السادس عشر يؤكد تحول مسيحية غالبية الأوروبيين إلى مجرد انتماء لأسر كانت مسيحية في يوم من الأيام
  • القس الألماني جو نفرايد كونزلن لقد أزالت العلمانية السيادة الثقافية للمسيحية عن أوروبا ثم عجزت عن تحقيق سيادة دينها العلماني
  • الكنيسة الكاثوليكية تنسى الفوارق الجوهرية بين الإسلام والمسيحية.. فالإسلام لا يعرف عبر تاريخه الحكومة الثيوقراطية التي تحكم بالتفويض الإلهي
  • في نظام الحكم الإسلامي: السلطة نائبة عن الأمة وليس عن الله وهي مسؤولة أمام الأمة التي تختارها وتراقبها وتحاسبها وتعزلها عند الاقتضاء

تشكو كل الكنائس الأوروبية من الآثار الكارثية التي صنعتها العلمانية بالمسيحية في أوروبا .. وكيف أن هذه العلمانية - بفلسفتها الوضعية - قد أحلت الحداثة كدين وضعي محل الدين الإلهي، دين ثالوثه العقل والعلم، والفلسفة، وبذلك همشت  المسيحية، وأصابتها بالإعياء، وكادت أن تقضي عليها.

ولقد اشتكى البابا بنديكتوس السادس عشر - في كتابه «بلا حدود: الغرب النسبية - الإسلام - المسيحية» من «تحول مسيحية غالبية الأوروبيين إلى مجرد انتماء لأسر كانت مسيحية في يوم من الأيام».. كما اشتكى من تراجع معدلات المواليد في أوروبا المسيحية بسبب النزعة الدنيوية للعلمانية، التي كادت أن تقضي على مؤسسة الأسرة في المجتمعات الأوروبية لقد أصبحت أوروبا شبه خاوية من الروحانية المسيحية، حتى أن - الذين يؤمنون بوجود إله فيها حتى ولو لم يعبدوه - أقل من ١٤ من الأوروبيين!

-والذين يذهبون إلى القداس مرة في الأسبوع في فرنسا بنت الكاثوليكية وأكبر بلادها أقل من 5% من سكانها - أي أقل من ثلاثة ملايين - وهو نصف عدد الفرنسيين المسلمين الذين يواظبون على صلاة الجمعة وهم في التشيك أقل من 3% من السكان.

 - وهناك نقص في الرهبان بسبب العزوف عن العزوبية - حتى أصبح هناك راهب واحد لكل ۱۲۰۰ مسيحي أوروبي!! وفي أفريقيا راهب واحد لكل 4 آلاف.

- وفي أمريكا يواجه 3 آلاف قسيس تهم التحرش الجنسي بالأطفال ولقد شاعت الانحرافات الجنسية بين القساوسة والرهبان.. وخاصة في الاعتداء على الأطفال، حتى أفلست الكثير من الأبرشيات بسبب التعويضات التي تدفعها لضحايا هذه الاعتداءات الجنسية.

-وفي أمريكا، انخفض حضور قداس الأحد بنسبة %٤٠ عن خمسينيات القرن العشرين.. وثلثهم هم الذين يواظبون على حضور القداس الأسبوعي، وكانوا ضعفي هذا العدد قبل جيل من الزمان!

- و ٧٠% من كاثوليك أمريكا يطلبون السماح باستخدام موانع الحمل علىخلاف موقف الكنيسة.

-و ٧٠% من كاثوليك روما - حيث الفاتيكان - يوافقون على ممارسة الجنس قبل الزواج 

- وكثير من الكنائس الأوروبية وغير الأوروبية تزوج الشواذ - المثليون - وبها قساوسة شواذ والقوانين التي تحكم الاتحاد الأوروبي والتي هي شرط في دخوله تعتبر الشذوذ الجنسي حقًا أصيلاً من حقوق الإنسان.. وللشواذ مؤتمرات سنوية ومظاهرات احتفالية تجوب الشوارع والميادين في كثير من المدن الأوروبية.

-ولقد شرعت حكومة بلدية «بوينس أيرس» - عاصمة الأرجنتين الكاثوليكية زواج المثليين وفي استطلاع أجرته مؤسسة «جالوب» في أبريل سنة ٢٠٠٥م، ظهر أن ٧٤% من الكاثوليك يتصرفون في المسائل الأخلاقية بناء على ضمائرهم، على عكس تعاليم الكنيسة، ولا يلتزم بتعاليم الكنيسة - في المسائل الأخلاقية - سوى ٢٠٪ فقط!

 - وفي المانيا توقف القداس في نحو ثلث كنائس أبرشية آيش بسبب قلة الزوار، وهناك ۱۰۰۰۰ (عشرة آلاف كنيسة ) مرشحة للإغلاق وللبيع لأغراض أخرى. 

- وتفقد الكنائس الألمانية - الإنجيلية والكاثوليكية - سنويًا أكثر من ۱۰۰۰۰۰مائة ألف من أبنائها !

- وفي إنجلترا، لا يحضر القداس الأسبوعي سوى مليونين فقط ولقد صنفت ١٠ من كنائسها رسميًا باعتبارها زائدة عن الحاجة، ومرشحة للبيع كمطاعم وملاه وأعلن الكاردينال «كورمك ميرفي»، رئيس - الكنيسة الكاثوليكية في إنجلترا وويلز: أن المسيحية أوشكت على الانحسار في بريطانيا، وأن الدين لم يعد مؤثرًا في حياة الناس!

- وفي إيطاليا - بلد الفاتيكان - تتحول الكنائس إلى مطاعم وملاه، ولقد غنت مادونا» في كنيسة تاريخية، بعد أن تحولت إلى مطعم، وتحول المذبح» إلى فرن للبيتزا !

كنائس للبيع

- وفي كوبنهاجن - عاصمة الدنمارك عرضت عشر كنائس للبيع، وصرح كاي بولمان الأمين العام للكنائس في الدنمارك إذا لم تستعمل الكنيسة للعبادة، فالأجدر أن تستعمل كإصطبل للخنازير في محاولة لحظر بيعها مساجد للمسلمين «الدنماركيين».

- وفي جمهورية التشيك، لا يذهب إلى القداس الأسبوعي سوى 3% من السكان والاتجاه إلى بيع نصف كنائسها الـ ١٠٠٠٠ عشرة آلاف بسبب قلة الزوار ولقد بيعت كنيسة القديس ميخائيل في وسط براغ - والتي يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر وتحولت إلى ناد للعري وموسيقى التكنول !

ثمرات مرة

تلك مؤشرات - مجرد مؤشرات على الثمرات المرة والكارثية التي صنعتها العلمانية بالمسيحية في أوروبا، والتي جعلت أوروبا فراغً مسيحيًا ، تتمدد فيه مختلف العقائد الدينية الوافدة، وفي مقدمتها الإسلام، حتى أن المظاهرات تندلع - بقيادة الفاشيين والنازيين الجدد والأحزاب اليمينية للتخويف من الإسلام، ومن أسلمة أوروبا - وحتى أن البابا بنديكتوس السادس عشر الذي يصمت صمت الرضا عن هذه الظاهرة الفاشية، قد أعلن في كتابه «بلا جذور» عن «خوفه من أن تصبح أوروبا جزءا من دار الإسلام في القرن الحادي والعشرين »!

ولقد شخص القس الألماني عالم الاجتماع جونفرايد كونزلن» - أستاذ اللاهوت الإنجيلي والأخلاقيات الاجتماعية بجامعة القوات المسلحة بميونخ - شخص مسؤولية العلمانية عن هذه الكارثة التي أصابت المسيحية الغربية في بحثه عن «العلمانية والدين» (۱) فقال:

«لقد مثلت العلمانية تراجع السلطة المسيحية، وضياع أهميتها الدينية وتحول معتقدات المسيحية إلى مفاهيم دنيوية، والفصل النهائي بين المعتقدات الدينية والحقوق المدنية وسيادة مبدأ دين بلا سياسة وسياسة بلا دين».

ولقد نبعت العلمانية من التنوير الغربي، وجاءت ثمرة لصراع العقل مع الدين، وانتصاره عليه، باعتباره مجرد أثر لحقبة من حقب التاريخ البشري يتلاشى باطراد في مسار التطور الإنساني.

نتائج العلمانية ومن نتائج العلمانية: فقدان المسيحية لأهميتها فقدانًا كاملاً، وزوال أهمية الدين كسلطة عامة لإضفاء الشرعية على القانون والنظام والسياسة والتربية والتعليم، بل وزوال أهميته أيضًا كقوة موجهة فيما يتعلق بأسلوب الحياة الخاص للسواد الأعظم من الناس وللحياة بشكل عام .. فسلطة الدولة وليست الحقيقة، هي التي تصنع القانون، وهي التي تمنح الحرية الدينية.

ولقد قدمت العلمانية الحداثة باعتبارها دينًا حل محل الدين المسيحي، يفهم الوجود بقوى دنيوية هي العقل والعلم.

لكن، وبعد تلاشي المسيحية، سرعان ما عجزت العلمانية عن الإجابة على أسئلة الإنسان التي كان الدين يقدم لها الإجابات، فالقناعات العقلية أصبحت مفتقرة إلى اليقين، وغدت الحداثة العلمانية غير واثقة من نفسها، بل وتفكك أنساقها - العقلية والعلمية - عدمية ما بعد الحداثة فدخلت الثقافة العلمانية في أزمة بعد أن أدخلت الدين المسيحي في أزمة، فالإنهاك الذي أصاب المسيحية أعقبه إعياء أصاب كل العصر العلماني الحديث، وتحققت نبوءة نيتشه» (١٨٤٤ - ١٩٠٠م) عن إفراز التطور الثقافي الغربي لأناس يفقدون (نجمهم) الذي فوقهم، ويحيون حياة تافهة، ذات بعد واحد، لا يعرف الواحد منهم شيئا خارج نطاقه... وبعبارة ماكس فيبر (١٨٦٤) - ۱۹۲۰م): «لقد أصبح هناك مختصون لا روح لهم، وعلماء لا قلوب لهم ! ولأن الاهتمام الإنساني بالدين لم يتلاش، بل تزايد.. وفي ظل انحسار المسيحية انفتح باب أوروبا لضروب من الروحانيات وخليط من العقائد الدينية لا علاقة لها بالمسيحية ولا بالكنيسة من التنجيم.. إلى عبادة القوى الخفية.. والخارقة.. والاعتقاد بالأشباح.. وطقوس الهنود الحمر.. وروحانيات الديانات الأسيوية. والإسلام الذي أخذ يحقق نجاحا متزايدا في المجتمعات الغربية. لقد أزالت العلمانية السيادة - الثقافية للمسيحية عن أوروبا، ثم عجزت عن تحقيق سيادة دينها العلماني على الإنسان الأوروبي، عندما أصبح معبدها العلمي عميقا ففقد الناس النجم الذي كانوا به يهتدون وعد الخلاص المسيحي.. ثم وعد الخلاص العلماني .. تلك شهادة خبير في اللاهوت وفي علم الاجتماع على الكارثة التي أحدثتها العلمانية بالمسيحية في أوروبا.

حياة تافهة، وسبحان الله إذا تأملنا وصف الفيلسوف الألماني «نيتشه» للإنسان الذي أثمرته هذه العلمانية اللادينية: «إفراز التطور الثقافي الغربي لأناس يفقدون ( نجمهم) الذي فوقهم ويحيون حياة تافهة، ذات بعد واحد لا يعرف الواحد منهم شيئًا خارج نطاقه ....

فكأننا نقرأ تفسير الآية القرآنية التي وصفت الدهريين، فقالت: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾ (الروم: الآيات 6 7).

هكذا صنعت العلمانية الحياة التافهة والإنسان ذا البعد الواحد .. البعد الدنيوي المادي، الذي لا يعرف شيئا خارج هذه الدنيوية ولذاتها صنعت بعبارة ماكس فيبر»: الإنسان الاختصاصي والخبير الدنيوي الذي لا روح له.. والعلماء الذين فجروا الطاقات المادية، دون أن تكون لهم قلوب توظف هذه العلوم في صناعة الإنسان المتوازن الذي يحقق حريته بالعبودية لله !

علمنة الإسلام

لكن، وبعد كل هذا الذي صنعته العلمانية بالمسيحية الأوروبية وبالإنسان الغربي والتي أثمرت كنائس خانت مسيحيتها - كما كان يقول شيخنا محمد الغزالي (١٣٣٥ - ١٤١٦هـ / ١٩١٧ - ١٩٩٦م) بعد كل هذا الذي حدث وثمراته الكارثية تاني الوثيقة الفاتيكانية ساعية وداعية إلى علمنة الإسلام والمجتمعات الإسلامية ومصممة على أن نتجرع - نحن المسلمين - الكأس المسموم كأس العلمانية الذي أصاب المسيحية الأوروبية بالإعياء، وكاد أن يطوي صفحتها من الوجود!

 ففي هذه الوثيقة دعوة صريحة للكنائس الشرقية كي تتحالف مع العلمانيين المسلمين العلمنة الإسلام والمجتمعات الإسلامية.

فهي تشكو  في  - البند ۱۰۹ – من «أنه لا توجد علمانية في الدول ذات الغالبية الإسلامية باستثناء تركيا فالإسلام هو عادة دين الدولة، والمصدر الرئيس للتشريع»...

وفي البند ٢٥ تقول الوثيقة:

«يجب على الكاثوليك أن يعملوا على تقديم أفضل مساهمة في تعميق مفهوم الدولة العلمانية الإيجابية وذلك بالاشتراك مع باقي المواطنين المسيحيين، وأيضًا مع المسلمين المفكرين والمصلحين، وبذلك سيساعدون في تخفيف الصبغة الثيوقراطية (الحكم باسم الله) لبعض الحكومات والعمل على تنمية ديمقراطية سليمة علمانية إيجابية.. تميز بين كل من النظام الديني، والنظام الزمني».

وهي - الوثيقة - تلح على هذا المطلب والمسعى - في البند ۱۰۱ فتقول:

إنه من المهم أن تشرح معنى العلمانية، وشرعية استقلال الواقع الزمني»..

فوارق جوهرية

وتنسى الكنيسة الكاثوليكية التي - صاغت هذه الوثيقة، التي تدعو فيها إلى علمنة الإسلام والمجتمعات الإسلامية - تنسى حقائق الفوارق الجوهرية الحاسمة بين الإسلام وبين المسيحية وبين فلسفة الحكم في الإسلام وفلسفته في الدولة الكهنوتية الكاثوليكية الأوروبية التي جاءت العلمانية رد فعل لها وثورة عليها .

فالإسلام لم يعرف عبر تاريخه - لا في الفكر ولا في التطبيق - الحكومة الثيوقراطية، التي تحكم بالتفويض الإلهي، ونيابة عن السماء، وإنما عرف نظام الحكم الإسلامي «نظرية الاستخلاف»... فالأمة - وليست الدولة - هي المستخلفة عن الله سبحانه وتعالى في إقامة الشريعة وتطبيقها .. وهذه الأمة هي مصدر السلطات التي تختار السلطة والدولة بالشورى والاختيار والبيعة، أي بالانتخاب.

فهذه الدولة - السلطة - نائبة عن الأمة وليس عن الله، وهي مسؤولة أمام الأمة التي تختارها .. وتراقبها .. وتحاسبها .. وتعزلها عند الاقتضاء.. فليس في الإسلام لا في الفكر ولا في التطبيق حكم ثيوقراطي على الإطلاق، بل لقد مثل الإسلام ثورة ضد هذه الثيوقراطية في الحكم، وضد وجود الكهانة ومنصب رجل الدين، أصلاً!

تميز جوهري

وإذا كانت فلسفة الحكم الثيوقراطي قد عرفت «اللاهوت» والدولة الكهنوتية؛ حيث لا وجود «للأمة وسلطتها» ..

وإذا كانت فلسفة الحكم العلماني قد عرفت الأمة والدولة النائبة عن الأمة حيث لا وجود للشريعة...

فإن النظام الإسلامي وفلسفته قد تميزا عن هذين النظامين الثيوقراطي والعلماني تميزاً جوهريا ونوعيا؛ إذ عرف النظام الإسلامي - وجمع - بين الشريعة الإلهية و الأمة المستخلفة لإقامة هذه الشريعة .... و الدولة المختارة من الأمة، والتي تحكم . باسمها ونيابة عنها، وليس نيابة عن السماء . فالحكم لله في التشريع، والحكم للإنسان - الذي استخلفه الله - لإقامة وتطبيق هذا . التشريع، حتى لقد قال الإمام ابن حزم الأندلسي ( ٢٨٤ - ٤٥٦ هـ / ٩٩٤ - ١٠٦٤م) كلمته الجامعة: «إن من حكم الله أن جعل الحكم لغير الله»!..

كذلك غاب عن الذين يسعون - بهذه الوثيقة - وبتحالف الكنيسة مع العلمانيين المسلمين - إلى علمنة الإسلام - الفارق الجوهري بين الإسلام وبين المسيحية في ميدان السياسة والدولة وتدبير شؤون المجتمع.

لقد فصلت المسيحية بين ما لله وبين ما القيصر .. ووقفت تعاليمها عند ما لله، وتركت ما لقيصر القيصر، وأعلن المسيح - عليه السلام - أن مملكته ليست في هذا العالم وأصبحت رسالة كنيسته الحقيقية محصورة في خلاص الروح ومملكة السماء.

ومن هنا، فإذا جاءت العلمانية لتقف بالكنيسة ولاهوتها عند ما لله، ولتنتزع من هذه الكنيسة ما لقيصر، بعد تجاوزها حدودها واستيلائها عليه في العصور الأوروبية الوسطى والمظلمة، كان ذلك أمرا مشروعا في الإطار المسيحي، فالعلمانية هنا ترد الكنيسة إلى حدودها؛ إلى ما لله، وخلاص الروح، وتجعل تدبير الدولة والمجتمع إلى القانون الوضعي، الذي ليس له بديل في الإنجيل واللاهوت.

أما الإسلام، الذي تميز «بنظرية الاستخلاف» الرافضة للكهنوت الثيوقراطي والحكم بالحق الإلهي، وباسم السماء، فإنه في التدابير الاجتماعية والسياسية - ليس مسيحية تدع ما لقيصر لقيصر، وتكتفي بما لله، وإنما هو منهاج شامل للدين والدنيا ... للفرد والطبقة والأمة.. للدنيا والآخرة.. للذات والآخر .. إنه الدين الذي يجعل المجتمع والوطن والسياسة والدولة جميعها لله تديرها وتدبرها الدولة المستخلفة عن الأمة، والتي تحكم بما أنزل الله.

وفي تحديد هذا المنهاج الإسلامي الشامل يقول القرآن الكريم: 

﴿ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) ﴾ (المائدة: الآيات 48 49). ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شريعة من الأمر فَاتَّبَعُهَا وَلَا تَتَّبِعُ أَهواء الذين لا يعْلَمُونَ (18) ﴾ (الجاثية: الآية 18). ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحكموك فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أنفسهم حَرَجًا كَمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء: الآية 65)، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُول وأولي الأمر مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولَ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ والْيَوَمْ الآَخَر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأوِيْلًا (59)﴾ (النساء: الاية 59)، ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)﴾(النساء: الاية 83).

فالإسلام «عقيدة: إيمان»، و«شريعة: منهاج لكل ميادين الحياة»... وفي التخلي عن «الشريعة»، قطع لإحدى رثتي الإسلام.. بل لقد علق القرآن صحة الإيمان على إقامة حتى يحكموك الشريعة فلا وربك : ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حتَّى يَحْكمُوا فيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ ، ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى الله والرَسُوُلِ إنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾..

الهامش:

(1) قدم هذا البحث إلى ملتقى الحوار الإسلامي المسيحي بالمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية - مؤسسة آل البيت - بالأردن في ۱۹۹۷/۱/۷م، ولقد قمت بالتعليق عليه .. ثم قدمت له ونشرته في سلسلة التنوير الإسلامي، نهضة مصر سنة ۱۹۹۹م، بعنوان: «مأزق المسيحية والعلمانية  في أوروبا : شهادة ألمانية»- انظر فيه : ص۱۸ ،۱۷.

الرابط المختصر :