العنوان من يوميات امرأة مسلمة: قصه من الواقع آفة لسان
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1988
مشاهدات 89
نشر في العدد 856
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-مارس-1988
ما عدت أذكر
تمامًا كيف جاء ذكر زميلة لنا أثناء تجاذبنا لأطراف الحديث، ولكنني أذكر أنني سمعت
كلامًا قبيحًا، وصفات سيئة أُسقطت على هذه المرأة في غيابها بدون رحمة، وكان
الجميع متفقًا في ذمها لدرجة أنني ظننتها أسوأ مخلوقة على وجه هذه الأرض. وكان
قلبي يرفض ما يحدث مع كل نبضة، وأراد لساني أن يعبر عن هذا الرفض ولكنني خفت من
ردة الفعل، خفت أن يتحول الهجوم عليّ... واستسلمت لأمر النفس الأمارة بالسوء
وصمتّ.
تلك المرأة لم
أكن أعرفها، ولكنني لا أنكر أنني أصبحت أنظر إليها نظرة خاصة. وشاءت الظروف أن
تجعلني أحتك بها عن قرب. وكنت في كل يوم أمضيه معها أمحو صفة كانت قد رسخت في نفسي
نتيجة لما سمعته عنها، وكنت في كل ساعة أضاعف إيماني بربي وبقرآني وبرسولي.
وتجسد ذلك في
رسولي الكريم وهو يزجر عائشة رضي الله عنها بقوله: «يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت
بماء البحر لمزجته».
وماذا كانت قد
قالت - رضي الله عنها -؟ كانت قد قالت عن امرأة تصفها أنها قصيرة! قصيرة... تُنتن
ماء البحر الطهور، ماؤه الحِلة منتنة! يا للعجب!
فماذا يفعل إذًا
فيض بهتاننا اليوم... في قاموس غيبة بعضنا البعض لم نسجل قصيرة ولا طويلة... ولا
بدينة أو نحيلة... لا لأن هذه الصفات لا تقال، ولكن لأنها بسيطة وتافهة بالمقارنة
مع ما نقول وما نصف. ولم نكتفِ بالصفات بل انتقلنا إلى مرحلة أكثر أهمية وهي إصدار
أحكام غيابية عن أي شخص لا يعجبنا، وقلما يعجبنا أحد.
انقلاب الموازين
الموازين التي
انقلبت في هذا العصر كثيرة، ومن أهمها انقلاب موازين الطيبة. فما هو بهتان أصلًا
أصبح اليوم غيبة... وما هو غيبة أصلًا أصبح كلامًا عاديًا إن لم يكن جميلًا!
وقد يحلو للبعض
أن يسميه تقييمًا لشخص معين... ولكن لو سألته: من أعطاك حق تقييمه؟ وفي غيابه؟
لصمت... وقد تأخذه العزة بالإثم فيقدم لك تبريرات دفاعية لا قيمة لها.
لماذا يغتاب
بعضنا بعضًا؟
ولكن لماذا
يغتاب بعضنا بعضًا؟ هذا السؤال تجيب عليه حالات عديدة منها:
1. هناك نوع من الناس يحب أن يطلق للسانه
العنان، فالكلام عن فلان وعن مساوئه لا يخلو من متعة... لأن أحدنا عندما يتكلم عن
زميل له فهو يشعر بأنه في مركز الإنسان الذي يملك القدرة على تقييم الناس، كما أنه
يشعر بأنه يتصف ببعض المثالية في أخلاقه، فهو ما دام ينتقد هذا الطبع وتلك الصفة
في فلان من الناس سيوهم المستمع إليه أنه خالٍ من هذه العيوب... أو أنها على الأقل
لا تعجبه. وهذه الحالة التافهة يضرب أصحابها عادة رقمًا قياسيًا في الأنانية
واللوم، إذ إنهم يرضون بأن يُذم غيرهم لكي يحصلوا على مدح بسيط لأشخاصهم الكريمة.
2. هناك نوع آخر من الناس لا يستطيع لفت نظر
الآخرين إليه بثقافته وعلمه وأخلاقه، ويشعر أنه متخلف عن الركب فلا يجد طريقة
لتعويض نقصه إلا بذم الناجحين وإلصاق التهم والعيوب فيهم لتشويه أعمالهم. والغيبة
مرض قديم عند ضعاف النفوس على مر الأزمان... فلا عجب أن تكون منتشرة بين عامة
الناس، ولكن العجب أن تكون متفشية بين الجماعات الملتزمة بدينها، الواعية
لواجباتها وحقوقها، وهذا حقًا وضع يحتاج لإعادة نظر من أنفسنا لأنفسنا - سواء كنا
مغتابين أو مستمعين للغيبة - ولا بد من إدراك الأسباب وتجنبها.
موقف القرآن من
المغتابين
قرآننا العظيم
ذكر المغتابين في عدة مواضع وصورهم أروع تصوير حين جعل الذي يغتاب أخاه وكأنه يأكل
لحمًا ميتًا... ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا
فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (الحجرات:12).
ولو حاولنا
تحليل هذه الآية العظيمة لوجدنا أن الغيبة تتضمن عدة حرمات ليس من السهل التجاوز
عنها:
1. حرمة الإخوة.
2. حرمة لحم الإنسان.
3. حرمة اللحم الميت.
كل هذه الحرمات
تجتمع في كلمة نقولها بدون أن نفكر... كل هذه الكبائر تصدر عنا ربما عشرات المرات
يوميًا إذا وضعنا مقياسنا كلمة «قصيرة».
ولكن المؤسف
حقًا هو أننا لم نعد نضع هذه الكلمة كمعيار للغيبة فكثيرًا ما تسمع عبارة: أنا لم
أغتبه حين نقول لأخ أو أخت لنا: هذه غيبة... لأن الغيبة أصبحت عندنا تعني الشتم أو
الذم بأسلوب مكشوف ومفضوح، ولم تعد كما عرفها جميع فقهاء المسلمين على أنها: ذكر
الإنسان بما يكره في غيابه.
قالوا: بما
يكره... بكل ما يمكن أن يزعجه، ونحن حين نغتاب إنسانًا فذلك لأننا نريد أن نقول
فيه ما يكره مما لا نستطيع أن نذكره في حضوره هكذا بدون أن نعطيه فرصة للدفاع عن
نفسه أمام ما أصدرنا عليه من أحكام. وهذا منتهى الضعف الذي يصبح قمة في النفاق حين
نجد أنفسنا تجامل نفس الشخص في حضوره... متناسين حكمًا أصدرناه عليه في غيابه.
نحن نحتاج
لرقابة ذاتية قوية
هذه النفس
الأمارة بالسوء وهذا اللسان الذي سيكون السبب الأكبر لدخولنا جهنم... يجب أن نضع
عليه رقابة قوية حتى لا ينزلق في أودية المعصية بدون أن يدري.
فما أروعنا حين
نضع لأنفسنا ميزانًا خاصًا نزن به كل كلمة قبل أن نتفوه بها... وأركز على كلمة قبل
لأننا حين نصِف أنفسنا ونحاسبها في بعض الأحيان - وقلما يحدث - يكون هذا الحساب
بعد أن نكون قد قلنا ما قلنا وتركنا من الآثار ما تركنا!
سمع الصحابي
الجليل «حذيفة بن اليمان» يردد وهو يطوف حول الكعبة: «يا لسان: قل خيرًا تغنم
واسكت عن شر تسلم قبل أن تندم». ولما سئل: لماذا تقتصر على هذا الكلام؟ فقال: «أما
سمعتم رسول الله يقول: وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟».
أما حين يستعصي
علينا وضع ميزان دقيق لكلامنا فيكون خير حل هو الصمت، وليكن تطبيقًا للقول الكريم:
«ليقل خيرًا أو ليصمت».
وهذا الحل هو
الأمثل لأن الواقع يؤكد أن الأخطاء تكون كثيرة حين يكثر الكلام... خاصة الكلام
الذي لا يوجهه موضوع ذو أهمية والذي يدخل في مجال اللغو... الذي أمرنا أصلًا
بالإعراض عنه في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي
صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ
هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾
(المؤمنون:1-5).
ونرى كيف صُنف
الإعراض عن اللغو بعد الصلاة مباشرة وقبل فرض الزكاة وقبل النهي عن الزنا!
وفي موضع آخر
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان:72). ولاحظوا معي: حدث طارئ قلما يحدث أن مررت به
فاجعل مرورك كريمًا.
إما أن يصبح
المرور هو في الكلام المفيد الهادف كما هو حالنا اليوم فهذا شيء لا يبشر بخير.
الغيبة بين
المتكلم والمستمع
إن كل كلام لا
يوجهه موضوع معين ذو أهمية معينة يكون لغوًا تكثر فيه الأخطاء، وغالبًا ما تكون
الغيبة المتنقلة من شخص لآخر هي الموضوع الرئيسي فيه!
ومن البديهي أن
الكلام... أي كلام كان، يحتاج لمتكلم ومستمع. فإذا كان المتكلم يلعب دورًا هامًا
في توجيه موضوع الكلام، فإن المستمع ربما يلعب الدور الأكبر في هذا التوجيه. فلا
بد أن يكون هناك تناسب بين ما يقوله المتحدث وبين مستوى المستمع واستعداداته، فإذا
لم يلقَ المتحدث جهاز استقبال جيد أمامه سيكون من الحصافة ألا يستمر في كلامه...
إلا إذا كان ذلك لهدف معين من أهداف الدعوة - وهذا مجال آخر.
فحين وضع
الإسلام المستمع للغيبة في نفس مقام الشخص الذي يغتاب لم يفعل إلا عدلًا.
وللتأكد من هذا
ما عليك سوى مقاطعة الإنسان الذي يحاول اغتياب أخ لك - عزيز أو غير عزيز - بقولك:
عفوًا إنها غيبة ولا أحب سماعها... أو عبارة أخرى: سيكون أجرك أكبر لو ذكرت ذلك
أمامه لكي يستطيع إصلاح عيوبه... أو عبارة أخرى: لا داعي لأن نعطيه حسناتنا...
وطريقة أسهل من هذا وذاك هي التي يتبعها الشيخ الفاضل متولي الشعراوي كما قرأت هذا
في جريدة الأخبار المصرية:
أطرق برأسك في
الأرض ولا تجب وستجد المتحدث قد صمت بحياء وشعر بخطئه... وقد يشكرك لأنك نبهته إلى
خطأ يرتكبه بدون أن يدري.
جهاز إرسال
وجهاز استقبال
لو استطاع كل
منا أن يكون جهاز إرسال وجهاز استقبال جيدًا، سنكون قد قاومنا هذه الرغبة الخبيثة
ونكون قد جنبنا أنفسنا الكثير من السيئات. وسُجل لنا أجر من ستر على أخيه.
وأختم كلامي
بهذه الرواية عن سيدنا عيسى عليه السلام أنه قال لأصحابه: «أرأيتم لو أتيتم على
رجل نائم قد كشف الريح عن بعض عورته أكنتم تسترون عليه؟» قالوا: نعم. قال: «بل
كنتم تكشفون البقية». قالوا: سبحان الله! كيف نكشف البقية؟
قال: «أليس يذكر
عندكم الرجل فتذكرونه بأسوأ ما فيه، فأنتم تكشفون بقية الثوب عن عورته...»!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل