; مهرجانات السينما العربية والأفلام الهوليودية | مجلة المجتمع

العنوان مهرجانات السينما العربية والأفلام الهوليودية

الكاتب المهدي المغربي

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 905

نشر في الصفحة 46

السبت 18-فبراير-1989

*الأفلام الهوليودية تدعو إلى قيم البراغماتية في ثوب من الإغراء والإبهار.

*العالم كله يشكو من الأفلام الهوليودية والغازية والمحطمة للقيم والثقافات الوطنية.

*تفتقر مهرجانات السينما العربية إلى تحديد أهداف واضحة وطابع خاص.

  المعروف أن السينما كفن إعلامي، ولد وترعرع في الغرب، وتطورت تقنياته وآلآته هناك، ثم دخل بلداننا العربية كسائر البلدان النامية، دخل أولًا بضاعة استهلاكية، وفرجة اتسعت لها حدقات عيوننا انبهارًا وإعجابًا، ثم تتلمذنا على الغرب، وأصبح لنا سينمائيون يخرجون، وينتجون الأفلام، وأصبح لهذه الصناعة السينمائية قاعدتها وإستوديوهاتها ورجالها وقاعاتها، وجمهورها الذي يتكون من قطاعات عريضة من الجماهير، وبدخول التلفزيون لكل المدن والقرى حتى النائية منها اتسعت دائرة المتفرجين، وصرنا جميعًا تقريبًا على صلة بالسينما والأفلام، تلتهم عيوننا ما تعرضه الشاشات الكبيرة والصغيرة، ومن هنا تبرز قيمة السينما وأثرها الكبير سلبًا كان أو إيجابًا على العقول والأذهان.

  إن السينما لا زالت -باعتراف الجميع- تلعب دورًا إعلاميًا مؤثرًا، وتسهم بقسط كبير في تشكيل وجدان الجماهير ومفاهيم الناس، وأنماط حياتهم، وهي أداة في يد صناع المادة الفلمية للتغلغل في أعماق البشر، وكشف أفكارهم ومشاعرهم بصورة مرئية، وهي بالتالي أداة للتثقيف والتوجيه والبناء إذا أحسن استعمالها واستغلالها، أو إداة للتشويه والبلبلة والهدم إذا أسيء استعمالها عن قصد أو غير قصد، والسؤال المطروح اليوم بعد تجربة سينمائية عربية تجاوزت ثلث قرن: هل استطاعت السينما العربية أن تقوم بدورها في التثقيف والتوجيه والبناء، أم أنها انحرفت عن الرسالة التي من المفروض أن تؤديها؟ وهل استطاعت المهرجانات السينمائية العربية التي تقام هنا وهناك أن تحقق أهدافها بترشيد الحركة السينمائية العربية ودفعها للقيام برسالتها؟

نقص في التنظيم وأهداف غير واضحة:

  مما يؤاخذ على مهرجانات السينما العربية في السنوات الأخيرة الافتقار إلى التنظيم الجيد والإعداد المحكم الذي يكون له صدى طيب في الداخل والخارج، وينعكس على سمعة المهرجان، وقد يعلل البعض هذا الجانب من القصور بأن مهرجاناتنا ناشئة بالقياس إلى المهرجانات الأخرى، ولكن هذه الحجة لا تبرر كل ما يحدث خلال المهرجانات، ولا تعفي من المسؤولية؛ ففي مهرجان القاهرة وقع أكثر من مرة عرض أفلام غير مبرمجة بسبب عدم وصول الأفلام المعلن عنها، وقد أتى على عجل بأفلام ذات طابع تجاري لتسد مسدها، وعند عقد جلسات النقاش لا يتواجد بهذه الجلسات أحيانًا سوى مخرج الفيلم وبعض الأعضاء الرسميين في المهرجان؛ مما يدل دلالة واضحة على عدم جماهيرية المهرجان، وعدم تحقيق الأثر المطلوب، وهذا يعود إلى سبب رئيسي ألا وهو عدم وضوح أهداف المهرجانات عمومًا، واعتمادها على نوعيات من الأفلام شرقية أو غربية حسب ما يتناسب مع الأوضاع السياسية، وقد عرفنا مثلًا أن مهرجان القاهرة هوجم في سنواته الأولى من قبل اليسار المصري، واتهم بأن المخابرات الأمريكية تنفق عليه، وعندما تغيرت هيئته المديرة فيما بعد اتهم بأنه مهرجان أحمر باعتبار أن أغلب أفلامه والنجوم المدعويين إليه من الدول الشرقية.

  إن أهم مشكلة عانت منها -ولا تزال المهرجانات العربية، وإن كان ذلك بنسب متفاوتة من مهرجان إلى أخر- عدم تحديد أهداف واضحة، ورسم طريق واضحة المعالم يسير عليها المهرجان حتى يصبح معروفًا ومتميزًا، وله طابعه الخاص، يضاف إلى ما ذكر أنه قد سيطرت -في فترات مختلفة- على بعض المهرجانات روح التنافس غير الشريف بين الأفراد وحتى بين مهرجان ومهرجان، وقد تناهت إلى الأسماع آثار تلك المنافسات، بل تلك الصراعات، واتهم بعضهم بأنه يوجه الدعوات لمن يوجه له هو الدعوات أولًا، واتهم أحدهم في مهرجان القاهرة عام ۱۹۸5 بأنه أراد أن يدعو شريكة له توزع له أفلام الفيديو التي يتعاون في إنتاجها مع الكيان الإسرائيلي والتي كانت تقيم في لندن.

  ومن الأسباب التي أدت إلى التخبط وعدم وضوح أهداف المهرجانات تعثر السينما العربية وقلة الأفلام الجادة التي تتناول قضايا الجماهير في صيغة فنية مشوقة، وتلاقي إقبالًا جماهيريًا، ففي إحدى المرات اضطر مهرجان قرطاج السينمائي أن يفتتح عروضه بفيلم «شمس الضباع» بعد أن تعب في البحث عن فيلم تونسي ذي قيمة يمكن أن تشارك به تونس ضمن المهرجان، رغم أن الفيلم المذكور لم يكن مرضيًا عنه؛ حيث كان ينتقد تحول قرية مشهورة بصيد السمك إلى قرية سياحية، واستغلال أهلها من قبل رجال أعمال ومستثمرين أجانب، وحتى في مهرجان القاهرة الأخير والذي شاركت فيه مصر بعدد كبير من الأفلام، منها: «جحيم تحت الماء» الذي تجري أحداثه تحت سطح البحر، و«عنبر الموت» الذي لم تحذف منه مشاهد فاضحة رغم عدم إجازة الرقيب لها، و«إلحقونا»، و«صراع الأحفاد»، و«غرام الأفاعي»، و«ليلة عسل»، «وباقي من الزمن شهر» حتى في مهرجان القاهرة هذا كان يفترض أن يتم افتتاحه بعرض فيلم «يوم حلو ويوم مر» من إخراج خيري بشارة، وبطولة فاتن حمامة، والذي نالت عنه جائزة أفضل ممثلة في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي، إلا أن عرض الفيلم في مهرجان تونس من قبل أدى إلى استبداله بفيلم افتتاحي آخر وهو «الأرنب روجر الأمريكي».

سيطرة الأفلام الهوليودية:

  ليس مستغربًا أن تسيطر الأفلام الهوليودية على المهرجانات السينمائية العربية، وهذه الأفلام تسيطر على قاعات السينما ليس في الوطن العربي وحده، بل في جميع أنحاء العالم، ما عدا العالم الاشتراكي، وحتى في أوروبا الغربية، وقد انتقد هذه الظاهرة المخرج المعروف علي بدر خان، وعبر عن استيائه من إقامة المهرجانات في الفنادق الفخمة، وقال: «الذي يجب أن نركز عليه ليس المكان، بل الموضوع ولو كنا دولة غنية لكان من الممكن أن ننفق ببذخ دون حرج، فالمهرجانات لا بد أن تكون نشاطًا وطنيًا في الأساس؛ بمعنى تدعيم روابط الصداقة بين العالم المماثل لنا، ودعوة السينما العربية والأفريقية والأسيوية وأمريكا اللاتينية بشكل ثابت في كل مهرجان، وأما أن تكون نصف أفلام المهرجان أمريكية فهذا ما أرفضه، لكن الإشكال الكبير بالنسبة لموضوع السينما -كما يعترف بذلك المخرج العالمي مصطفى العقاد الذي أخرج الفيلمين الشهيرين «الرسالة»، و«عمر المختار»- أن السينما الأمريكية هي وحدها السينما العالمية، ولا يمكن أن ينافسها في ذلك أحد، وبالتالي فهي تهيمن على الساحة وتحتكرها، وإذا كنا نعرف أن اليهود يديرون خيوط الإعلام العالمي، وأن السينما جزء من هذا الإعلام؛ فإننا ندرك -بلا شك- أنهم يقفون وراء توجيه السينما وجهتها التجارية الجنسية العنفية الرخيصة.

  وإذا كان مديرو مهرجانات السينما العربية يجرون وراء كسب رضا لجنة المهرجانات الدولية حتى يأخذوا منها وثيقة شرعية عن الصفة الدولية لهذه المهرجانات؛ فلا بد أنهم يقبلون بشروطها، وبالتالي ونتيجة حيز الحرية الضيق لا بد أن تصب نشاطات المهرجانات السينمائية العربية في خانة الأهداف السينمائية العالمية؛ أي الهوليودية، وهنا تكون الجناية على المتفرج العربي لخدمته ورفع مستواه الثقافي والحضاري عمومًا.

  ولسنا وحدنا كعرب نشكو من وقوعنا في شباك السينما الهوليودية، فهذا مسيو بومري يعبر عن شكوى أوروبا عامة من السينما الهوليودية، فيقول في إحدى النقاشات المثمرة لمهرجان القاهرة الأخير: «نحن في أوروبا بدأنا نخسر ثقافتنا؛ بسبب الفيلم الأمريكي، لدرجة أن أفلامنا أصبحت لا تجد طريقها لدور العرض؛ بسبب سيطرة الفيلم الأمريكي على السوق»، «ويرجع الإقبال العالمي على شرائها لأن الذوق الشائع حاليًا يتجه نحو أفلام «رامبو» و«كوبرا».

  ويقول المخرج الأرجنتيني فأرنتد وسوليناس مخرج فيلم «الجنوب»، والحائز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان: إن الأزمة التي تعاني منها السينما هي سطحية، وسيطرة الفيلم الأمريكي، وقد لاحظت أن أغلب الموضوعات في الأفلام الأمريكية بعيدة عن الواقع تمامًا، فهي سينما من الخيال والفنتازيا» أما المخرج اليوغسلافي جوران باسكالويتش الحاصل على العديد من الجوائز في المهرجانات الدولية، ومن أشهر أفلامه «وقت الغروب»، و«الملاك الحارس»، و«تمضي الأيام»، و«الكلب الذي أحب القطارات»، و«علاقة خاصة» فيقول: «لا شك أن السينما الأمريكية تفكر بعقل تجاري بحث؛ فهي تقدم للمشاهد توليفة من المشاهد العنيفة والجنسية والمثيرة من خلال قصة محبوكة، بعيدًا عن الطرح الفكري، وللأسف فإن هذه النوعية تلاقي نجاحًا جماهيريًا في العالم كله؛ لأن جمهور السينما أصبح يتركز في جمهور الشباب.

تسريب المفاهيم الأمريكية عبر السينما الهوليودية:

  الأفلام السينمائية ليست سلعة استهلاكية ترفيهية محايدة نستوردها ونعرضها للفرجة، ثم ينتهي الأمر إنها أخطر من ذلك بكثير؛ لأنها تحمل قيمًا ومفاهيم ورؤى تؤثر فينا، ونتأثر بها على قدر مشاهدتنا لها، وإذا امتلأت تلفزيوناتنا وقاعات السينما عندنا بالأفلام الهوليودية فلا شك أن الكثير من المفاهيم والقيم الأمريكية ستجد طريقها لتعشش في عقولنا ونفوسنا، طاردة ما يقابلها من المفاهيم التي نحرص نحن على المحافظة عليها، وتربية أجيالنا على التمسك بها، ومن أخطر هذه المفاهيم المسربة عبر السينما الهوليودية مفهوم البراغماتية الذي يقوم على النفعية، ويعتبر تحقيق المنفعة هو المحك الوحيد للحكم على سلامة التفكير وسداد الرأي، رغم الاختلافات التي يثيرها تحديد المنفعة وتعريفها، وكل الأفلام والمسلسلات الأمريكية دون استثناء تنقل إلى عقل المتفرج قيم البراغماتية، وتعمل على إبهاره بما حققته البراغماتية الأمريكية من ترف وزخرف ونجاح على مستوى الفرد والجماعة، في ثوب من الإغراء الجنسي تقوم به فتيات بارعات الجمال، منتقيات بمهارة، ولهذا حضرت بعض الدول عرض بعض المسلسلات والأفلام الأمريكية الهدامة التي تحطم الإرادة الداخلية، وتجعل الإنسان عبدًا لشهواته، وتصنع منه انتهازيًا وصوليًا حقيرًا، لا معنى للإنسانية في قاموسه؛ فقد أوقفت اليابان والصين مثلًا عرض مسلسل دالاس بعد أن شاهد المتفرجون أول حلقة منه.

لم لا يفرض الزبون شروطه؟

  إذا كنا نريد أن نرقى بمستوى مهرجاناتنا السينمائية، وننأى بها عن التبعية للسينما الهوليودية؛ فلا بد أولًا من دعم السينما الوطنية، وفتح السبل أمامها للتطور والنمو، حتى لا تبقى الساحة مهيمنًا عليها من قبل السينما الأمريكية التجارية.

  إذ بدون نهضة سينمائية عربية حقيقية تراعي قيم الأمة ومبادئها، وتخدم قضاياها، وتسهم في رقيها الفكري والثقافي تبقى المهرجانات شكلًا بلا مضمون إن لم يكن مضمونًا ضارًا ومسيئًا وهدامًا.

  ثم لا بد من وقف سيل السينما الهوليودية الماسخة لأذهان شبابنا، حتى لو أدى الأمر إلى تقليل العروض، ونحن نتساءل ما دامت السينما قضية تجارية واقتصادية، إلى جانب كونها قضية فنية، فهي بالتالي تخضع لقاعدة العرض والطلب ما دامت كذلك، فلماذا لا نقاطع الأفلام الأمريكية المسيئة لقيمنا وأهدافنا مثلما نقاطع بعض الشركات التي تسيء إلى اقتصادنا وتتعاون مع عدونا، ومثلما نقاطع بضاعة من البضائع إلى أن ينزل التاجر في ثمنها؟ لماذا لا نفرض -نحن الزبائن- على صناع الأفلام شروطنا؟ بحيث يلتزم المنتجون بما نريد، ويقدمون لنا ما نرغب فيه لا ما يرغبون هم فيه؟ لماذا نسهتلك كل ما يقدم إلينا وكأنه لا حيلة لنا في الأمر، ولا خيار لنا فيه؟ إنه سؤال مطروح بإلحاح على من يهمه الأمر.

الرابط المختصر :